عند اعلان نهاية الانتداب البريطاني لفلسطين، لم يمتلك اليهود رغم شتى وسائل الدعم الاستعماري والاحتيال سوى 5% من ارض فلسطين، وبين ليلة وضحاها بعد اعلان قيام دولة اسرائيل بتواطؤ وقرار دولي من الجمعية العامة للامم المتحدة في 15 ايار 1948 اصبحت اكثر من ثلاثة ارباع مساحتها تحت سيطرتهم.
ولم يجد مؤسس دولة الاحتلال وصحبه في منظمات الإرغون والهاجانا والبلماح وشتيرن والوكالة اليهودية وصندوق الاراضي، غضاضة في تسويق سلب هذه الارض ونقل ملكيتها جهارا نهارا عبر اساليب شيطانية، باختراع وسن ترسانة من القوانين على شاكلة ما يسمى بحارس املاك الغائبين ومناطق التطوير والتمليك والمناطق المغلقة... وبتزوير وثائق بيع وشراء واستغلال ضعاف العقول والنفوس من ابناء جلدتنا، حتى وصلنا الى وضع بات فيه الفلسطينيون اليوم لا يملكون من ارض ابائهم واجدادهم في مناطق 48 سوى اقل من 3% مما يسمونه اراضي الدولة.
الفهلوة سلوك يتسم بشيء من المهارة تخفي المخاتلة والخداع بعيدا عن القانون والمنطق للوصول الى الهدف بأية وسيلة، فيحصل الفهلوي على ما لا يستحقة ويستحقه غيره، اما البلطجة فهي اللجوء الى الترهيب والقوة العارية المجردة من القيم والروادع الاخلاقية لفرض الرأي اونهب الضعفاء وتحقيق المصالح الذاتيةعلى حساب الغير.
ولبالغ الاسف ما زالت الفهلوة والبلطجة هي الوسيلة المفضلة والشائعة لدى البعض الفاقد للكفاءة والاهلية والشرعية سواء على مستوى الافراد او المجتمعات او الدول، وهذا ما يواجهه الشعب الفلسطيني على يد الاحتلال وجيشه ومستوطنيه، ما يعني بان التوقف عن مقاومته اوالعزوف عن التصدي له، هو في واقع الامر تعبيد لطريق الضياع والعبودية، لا بل وفرش البساط الاحمر للبربرية والفاشية الزاحفة التي تقرع الابواب.
سياسات الضم والمصادرة والاستيطان والحصار وتهديم البيوت والتطهير العرقي والقتل والسجون ونهب الموارد والدوس على القانون الدولي والانساني وغيرها بذريعة الحاجات الامنية والعسكرية اللانهائية، مكون جوهري للاحتلال واهدافه باقامة دولته الكبرى بين البحر والنهر، وهي سياسات تعتبر مجرد نماذج لاجراءات بربرية يجري اقترافها منذ قيام هذا الكيان، بشتى اساليب القهر والخدع السياسية والعسكرية والقانونية.
كالمسخ الذي يتمرد على خالقه، هوالوصف الذي ربما يصلح لاطلاقه على ردود افعال دولة الاحتلال وحكومتهاالمدلّلة، اتجاه ساكن البيت الابيض وفريقه الحكومي ووزير خارجيته واتجاه الاتحاد الاوروبي وبقية اطراف المجتمع الدولي،فلا تريد حكومة نتنياهو ومستوطنوها تنفيذ اتفاقها مع الادارة الامريكية والمفاوض الفلسطيني بالافراج عن الدفعة الرابعة من اسرى ما قبل اوسلو او التوقف عن تسونامي الاستيطان، بذرائع واهية وثقافة مافيا، تعكس نفس العقلية والسياسة القائمة على نفي حقوق وتشريد الشعب الفلسطيني واغتصاب ارضه.
المنطق الشيلوكي الابتزازي الجشع، الذي رسمه الروائي الانجليزي شكسبير في رائعته "تاجر البندقية"، الذي يطالب برطل من لحم المُستدين اذا تأخر عن موعد سداد الدين للمرابي الدائن شايلوك، هو المنطق التفاوضي الذي ينتهي اليه المحتل الفهلوي والبلطجي في علاقته مع المفاوض الفلسطيني، الذي ادمن المفاوضات الى حد اعتبارها نهج حياة، لاهثا وراء امل زائف بضغط امريكي يغير موقف واهداف الاحتلال ومشروعه الاستيطاني.
بانكشاف مسؤولية الاحتلال عن افشال المفاوضات لمن ما زال يبحث، من المسؤول؟، تلوح لحظة سياسية فارقة لا تتكرر كل يوم، للإقدام على انهاء المفاوضات دون تردد ومغادرة نهج ومفاوضات اوسلو نهائيا، طبقاً وتنفيذا للارادة الوطنية واستجابة للمتغيرات السياسية الجارية وموقف الاجماع الوطني، والتوقف عن عبادة المصالح الفئوية والشخصية الزائلة،لأن استمرارها يعني تقويض ما تبقى من مقومات الصمود الوطني، وتشغيل صاعق الانفجار الشعبي الكبيرالذي يلوح من بعيد لتصحيح وضع طال انحرافه.
وحتى تغدو المفاوضات وسيلة وليس هدفا او خياراً او سياسة، وجزءاً من استراتيجية مقاومة شاملة تنظُم الموقف المحلي والاقليمي والدولي في اتساق مع نضال شعبنا وبرنامجه السياسي في العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة وعاصمتها القدس، وامتداداً لنظام سياسي ديمقراطي تشاركي موحد، نواته منظمة التحريرومجلسها الوطني المنتخب من داخل فلسطين وخارجها، ميدانها الشرعية الدولية واطارها وقراراتها ومؤتمرها الدولي، بعيدا عن المسارات الثنائية والانفرادية والمرجعية الامريكية، نكون قد وضعنا العربة خلف الحصان وليس العكس، كما هو قائم منذ مؤتمر مدريد وتوقيع اعلان اوسلو في حديقة البيت الابيض في 13 سبتمبر 1993.