نعم نشتاق للفرح..... ولكن!!

حجم الخط
تخيلوا لو انكم في مهة لإبلاغ أم حامل على وشك ان تضع جنينها، أن هذا الجنين سيولد مشوهاً، ثم عليكم ان تقنعوها بقتله لأن وجوده بين إخوته سيشكل خطراً على حياتهم. تخيلوا ما أصعب هذه المهمة، بأي لغة وأي أعصاب ستخاطبونها وهي التي انتظرت هذا الفرح شهوراً طويله وقد تكون سنيناً، حلمت، تخيلت، وتغلبت على وقت انتظارها لهذا الجميل القادم بتجهيزغرفته وثيابه وألعابه. صحيح أن ما ستقولونه هو الحقيقة، لكن هذا لن يخفف من شعوركم بأنكم شركاء في قتل فرح هذه المرآة، سيلازمكم ذنب هذه اللحظة طويلاً، حتى بعد ان تقتنع هذه الام بأنكم كنتم على حق. هي قد تنسى وتغفر لكم، لكن صدقوني مهما إستجديتم المنطق ستلازمكم غصة تلك اللحظة بالذات حين انطفأ بريق النور في عيني الأم أمام اعينكم. هكذا هو حال الكتابة، صحيح ان البعض يكتب فرحاً بل قد يكتب شماتةً إذا امتلك القدرة على الرؤية والامساك بالحيققة دون غيره، يحق لك الشعور بالزهو إذ سبقت غيرك على الحقيقة عندما يكون مجال كتاباتك عن المشاهير واسعار العملات والفعاليات المجمتعيه بانواعها، ويصح أيضا إذا كنت كاتباً في إحدى المجلات المختصة بفضائح الساسة والمشاهير. هنا يجوز لك التفوق إن أردت، لكن إذا كنت منشغلاً بهموم شعبك وأمتك، وفياً لتضحيات ملأت التاريخ عبقاً وأصاله، فكيف لك ان تفرح لغياب الحقيقة عن جموع شعبك، أين الشعور بالفخر وانت تعلم كم هو مغيب ومضلل هذا الشعب. هنا تصبح الحقيقة لعنة، والكتابة مهمة صعبة، والرسالة التي تحملها هي نبأ موت حتى لو كانت موت اللحظة ليحيا بموتها مستقبل جدير بالعيش. كم منكم نام على وجع الحقيقة المشتعله في صدره كجحيم؟؟ كم منكم في لحظات كثيرة فضل ألم الصمت على ألم غيره؟؟ اعلم بانكم كثر، بعدد الحقائق الغائبه ولحظات الفرح المزيفه التي صارت اعماراً واجيالاً تتناقل الزيف وتتوارثه بدون إدراك. بالأمس غصت شوارع ومدن فلسطين بالفرح بعد إعلان نبأ المصالحة بين سلطة أوسلو وسلطة إسماعيل هنيه، هممت بكتابة شيء على عجل ولكني ترددت ومن ثم تراجعت وقررت الصمت، لا يمكن مواجهة الفرح بالحقيقة بدون أي أثار جانبية، مع ان الحقيقة في هذه الحالة شديدة الاهمية والخطوره، القضايا العالقة في مسار التفاوض مثل اللاجئين وحق العودة ، الاسرى، الاعتراف بيهودية الكيان، التوقيع على خطة إطار كيري المسخ، التمهيد لتسوية سياسية نهائية بين الصهاينة وبين شريكهم الفلسطيني، يجب ان تحسم لتكون بمثابة التمهيد للقبول بإعلان مبادىء جديد يطيل عمر المفاوضات عشرون سنة اخرى، هذه القضايا جميعاً ليست عالقة بسبب الاختلاف عليها بين الطرفين، بل بسبب عدم رغبة الصهاينة والامريكان توقيع أي اتفاق بهذه الاهمية الا بعد توحيد طرفي النزاع في الضفه وغزه، هم يريدون إجماعاً فتحاوياً حمساوياً يلزم شعبنا بكافة اطيافه السياسيه، بمعنى يريدون كياناً سياسياً متصالحاً لمباركة إعلان مبادىء جديد. في اثناء محاولاتي للحسم بين الكتابة وبين الصمت تذكرت حادثة بيني وبين أحد الاصدقاء حصلت إبان توقيع اتفاية أوسلو، جاءني صديقي طالباً مني الذهاب معه للاحتفال بقدوم السلطة، قلت له هذه مصيبه!! كيف تريدون لنا ان نفرح لمصائبنا؟ نظر الي بوجهه الخمسيني الذي رسم عليه الزمن أخاديد من الشقاء وقال وعيونه تغص بالدموع: يا أخي دعنا نفرح ... نحن نشتاق للفرح الذي لم نعرفه منذ عشرات السنين ... خلي المركب ساير الله يخليك. لم يكن أمامي الا الصمت، وقلت له ممازحاً، سنلتقي انا وأنت في احد سجون هذه السلطة التي تحتفلون بقدومها وهناك سيكون لدينا وقت كافٍ للنقاش. لم يجبني صديقي، اكتفى بما ارتسم على وجهه من استغراب ومضى للاحتفال بقدوم سلطته المظفره. وهكذا كان والتقيت مع صديقي في سجون السلطة ثم سجون الاحتلال، وفي أحد الايام جاءني يعتذر، سألته عن ماذا تعتذر؟ فكان جوابه الذي تلقيته كالصفعه، قال بكل آسى: جئت اعتذر لك عن كل لحظات الفرح التي عشتها موهوماً بشيء اسمه السلطة. تخيلوا شعباً يفرح ثم يعتذر عن لحظات الفرح!! ما أصعب الخيبة بعد فرح بهذا الحجم، فرحنا عند إعلان برنامج الحل المرحلي الكارثي، فكان ان أسس هذا البرنامج لاتفاقية كامب ديفيد، ومن ثم كانت الخيبه.. فرحنا بإعلان الاستقلال فكان أن حشرنا هذا الاعلان في مسار سياسي تفريطي ، ومن ثم كانت الخيبه.. فرحنا بتوقع اتفاقيات اوسلو وبقدوم السلطة فكان أن اعتقلنا في سجونها ولاحقتنا قواتها الممولة من الأجنبي ، ومن ثم كانت الخيبه، فرحنا بالانتفاضة الاولى والثانية فكان أن اغتيلت الانتفاضتان لصالح التسوية، ومن ثم كانت الخيبة.. واليوم يفرح شعبنا بالمصالحة ويمهد المجتمع الدولي المذبحة السياسية للقضية .. وستكون الخيبة مرةً أخرى. نعم نحن شعب يشتاق للفرح، ولكن نريده فرحاً حقيقياً لا يخبيء لنا في جوفه اطناناً من الخيبات والآلم.. فإما أن يعيد الوعي الشعبي توصيفه للخيبة ومعانيها حتى يقي نفسه شر الاحباط .. وإما علينا وبكل مسؤولية وامانه أن نعيد توصيف الفرح.