1 - احتفل كثيرون العام الماضي بالذكرى المئوية لميلاد شاعر فلسطين عبدالرحيم محمود (1913-1948). لهذا الشاعر بنت تدعى رقية، تبّرعت يوم معركة الكرامة (21 آذار (مارس) 1968) بالدّم لأحد جرحى الثورة؛ حسن خضر قطامي. كانت الرصاصات قد اقتربت من قلبه، ولكن الموت "وفّره"؛ ربما حتى تُكتب القصائد وتُغَنى الحكايا.
2 - بعد أن وفّره الموت بفضل دماء للشاعر فيها نصيب، انطلق في 3 نيسان (أبريل) 1968، قبل شفاء جراحه، ودخل الوطن، مع رفاقه في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ليخوضوا عملية "الصوانة-خربة طانا" قرب قرية بيت فوريك، شرق نابلس. وهناك، وكما كان مخططاً، التقاهم محمود حنني، قادماً من بيت فوريك. وقع حسن قطامي في الأسر واستشهد محمود.
3 - قبل العملية بأقل من شهر، وقبل معركة الكرامة بأسبوع، ولد ابن أخت الشهيد محمود، الذي سيصبح مُستقبلاً قائداً من قيادات الجبهة الشعبية، وسيُحكَم خمسة مؤبدات وخمس سنوات إضافية. ومن ضمن اتهامات الإسرائيليين، دوره في اغتيال وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي العام 2002. إنه عاهد أبو غلمى.
4 - نال السرطان من حسن قطامي في سجن عسقلان، وبات موته قريباً محتوماً، فأطلق الاحتلال سراحه العام 1983. ولكن الذي تَرَكَ عمليته الجراحية العام 1968 للذهاب في عملية عَسكرية للوطن، وأصبح عُضواً في الجبهة الديمقراطية وهو داخل المعتقل، لم ييأس. عطاف يوسف، أسيرة محررة مبعدة للأردن، تَقدّم لخطبتها أكثر من شخص، اختارت منهم حسن المحكوم بالسرطان. وعاشت معه ملحمة العلاج والإنجاب. وكما حمل سلاحه مُتعباً ولكن بمتعة وإصرارٍ يوماً، "ضبطته" عطاف يوماً يرفع ابنهما مُتعباً مستمتعاً أمام المستشفى عاليا ليلاعبه؛ يُخفي الألم في قسماته بسبب المرض. ورافقته في رحلة العلاج التي وصلت بقرار ياسر عرفات، إلى لندن، حيث استشهد تاركاً عطاف وطفلين.
5 - اعتقل عاهد مراراً على خلفية نشاطاته، وكان مطارداً من الاحتلال أواسط التسعينيات عندما دخل وزارة الثقافة الفلسطينية لشأنٍ ما، فتعرّف على وفاء، عضو حزب "فدا" المنشق عن الجبهة الديمقراطية، المنشقة عن الجبهة الشعبية. وتبدأ قصة جديدة. ويوم خطبها من أهلها، نهاية العام 1996، اعتقل عاهد وآخرون من قبل أجهزة الأمن الفلسطينية، إثر عملية ضد مستوطنين. كان زفاف عاهد ووفاء مقررا يوم 14 آب (أغسطس) 1997، ولكن ظروف المطاردة جعلت ظهوره متعذراً، وفي اليوم الموعود جاءت حافلتان من بيت فوريك من أهله وأصدقائه، عبر طرق صعبة ومعقدة، وكان الانتشار العسكري الإسرائيلي كثيفاً في محيط منزل العروس، غرب رام الله، ووصلت العروس عريسها بطرق معقدة وسرّية.
6 - أجريتُ قبل أشهر مقابلة مع وفاء توثيقاً لتجربة عاهد. وأخبرتني عن شقيقتيها: فايزة التي كانت مطاردة في الانتفاضة الأولى، ورغم ذلك تقرر زفافها العام 1988. وشَعرَ الأهلُ بكمين يُعَد للقبض عليها، فتدبروا أمر تحذيرها واصطحابها من صالون تجميل في رام الله، إلى بيت العريس، بسرية. وأخبرتني عن شقيقتها عِطاف.
7 - أرسلتُ "مقال عاهد" لمجلة الدراسات الفلسطينية، ثم سافرت إلى عمّان. وأثناء احتجاز الاحتلال لنا في الحافلة في الطريق، تناولت كتاباً أقرؤه، عنوانه "نصب تذكاري" بقلم حافظ أبو عباية ومحمد البيروتي. ومن الكتاب المتخصص بسير الأسرى الذين توفوا، استنتجتُ أنّ محمود حنني (خال عاهد الذي تزوج وفاء)، كان في العملية عينها التي أُسر فيها حسن قطامي (الذي تزوج عطاف شقيقتها الكبرى).
8 - تداهمني منذ هذا "الاكتشاف" قبل أسابيع أبياتٌ شعرية وأغنيات؛ تداهمني عبارة عن حسن قطامي تقول "وفّره الموت لفجره الآت"، وتداهمني عن الأخوات عطاف، وفايزة، ووفاء، بنات قرية الجانية، أغنية "هذا هو العرس الفلسطيني".
9 - أي نسيج هذا؛ دماء الشاعر، وأبطال عملية بيت فوريك، وشقيقتان؟ اتصلتُ بوفاء أسألها إن كانت تعرف هذه التفاصيل. فأجابت بهدوء، نعم، اكتشفتُ ذلك بعد زواجي من عاهد، ولم يخطر ببالي إبلاغك. وانتقلَت للحديث مباشرة عن أم حسن قطامي وذكرياتها.
قد تبدو القصة للبعض مجرد سلسلة مصادفات غريبة، ولكنها شبكة النضال المعقدة التي تأتي بعشاق الأرض في السُبُل ذاتها. وقصة مجتمع ثورة يتكامل على أساس الإيمان المشترك بقضيته.