(جباية الثمن) هي جوهر الصهيونية

حجم الخط
(جباية الثمن) هي جوهر الصهيونية برنامج المستوطنين يقع أساساً في جوهر جدول الأعمال القومي الصهيوني هل تمنح التوراة الشرعية لأعمال "تدفيع الثمن"؟ وهل فعلا لا يحظىممارسو الارهاب الاستيطاني من "عصابات تدفيع الثمن" و"فتية الجبال" تغطية توراتية، وهل هم فعلا "ليسوا صهاينة ولاوطنيين وإنما مجرد مجرمين" كما يدعي وزير المالية الاسرائيلي؟ تدعي روايات اعلامية صهيونية أن أعمال "تدفيع الثمن" مرتبطة حصريا بمراهقينأبناء أسر المستوطنات "فتيان التلال" الذين يعتبر معظمهم متدينين، ويدعون أن استخدام عبارات من التوراة كوسيلة للردع واظهار القوة لا يعنيدعما توراتياً، بل وصل الأمر بأحد قادة الاستيطان وشخصية مركزية في تيار الحاخامات الصهيونيين (الحاخام شلومو أفينر المستوطن القيادي في بيت إيل قرب رام الله) بأن يصف أعمالهم بأنها أعما محظورة وفقاً للتوراة. أيضا تسيبي ليفني (يديعوت 5/5/2014) قالت إن أعمال جباية أو تدفيع الثمن قد تتسبب في تقديم إسرائيل إلى المحكمة الجنائية الدولية ووصفتها بـ (جرائم كراهية). تصاعدت في الفترة الأخيرة الاعتداءات التي تشنها مجموعات من المستوطنين الصهاينة ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم، على جانبي الخط الأخضر على حد سواء، وفي الحقيقة تتجاوز أعمال الارهاب فترة الخمس سنوات المعلنة كتاريخ رسمي لانطلاقها ضد الفلسطينيين في الضفة ، والتي تحولت منذ عام ونصف إلى داخل (الخط الأخضر)، مستهدفة يهوداً إسرائيليين معارضين للاستيطان أو دعاة سلام، وكأضرار جانبية، بعض سيارات الجيش الإسرائيلي وممتلكاته. وتقع هذه الاعتداءات تحت تسمية (جباية الثمن) وهي تسمية خادعة، مزورة للحقائق، جوهرها الانتقام من الفلسطينيين، في كل حالة يقوم فيها الجيش بتفكيك بناء استيطاني، أو إزالة بؤرة استيطانية، وكذلك في كل حالة يتهم فيها الفلسطينيون بـ (الاعتداء على يهود)!! والجرائم الاستيطانية ضد الفلسطينيين قديمة قدم الاستيطان نفسه وبالتحديد الحديث عن الضفة الغربية والقدس وغزة سابقاً، وقد وجدت هذه الممارسات تبريراتها ليس في الأيديولوجية فحسب، بل في السياسة والقوانين اليومية المباشرة، وكان لها على الدوام، دعاتها وأنصارها والمدافعين عنها والمروجين لها. في المستوى السياسي (الجيوبولتيكي) يندرج الاستيطان الصهيوني ضمن ثلاثة أهداف: تبدأ بخلخلة الديمغرافية الفلسطينية، ومزاحمة الوجود الفلسطيني وخنقه وحصاره ومنعه من أن يكون متواصلاً متكاملاً، مروراً بتحصين الحدود عبر مستوطنات دفاعية دائمة مستمرة النمو والازدياد، انتهاءً بأن الاستيطان يلعب دوراً أساسيا في السيطرة على المناطق المحتلة حيث لا يستطيع الوجود العسكري وحده ضمان هذه السيطرة وأيضاً الإلحاق والهيمنة الاقتصادية والتداخل الديمغرافي. وإذا كان (شعب) المستوطنين يدرك الدور السياسي المنوط به، فإنه أيضاً يملك برنامجه الخاص، وإن كان هذا البرنامج يقع أساساً في جوهر جدول الأعمال القومي الصهيوني، يرتكز على عقيدة أيديولوجية لا تؤمن بالتقسيم وترفض تسليم (أرض الميعاد) للأغيار، وتعتبر أي تنازل عن الجغرافيا لمصلحة الفلسطينيين خيانة للتوراة وأنبيائها، وإذا كان المستوطنون يصلون إلى المستوطنات لأسباب مختلفة اقتصادية أو سياسية أو أيديولوجية، فإنهم سرعان ما يذوبون في (بوتقة صهر) تحولهم إلى كيان موحد يخضع لجدول الأعمال السالف الذكر. ولعل أفضل ممثلي الاستيطان منظمة (غوش أيمونيم) الصهيونية، التي تأسست عام 1967 وأثناء الاجتماع الافتتاحي للحركة على جبل هرتسل في القدس والذي ضم حينها خريجي مدرسة (مركاز هاراف)، وزع الحاخام تسفي يهودا كوك منشوراً يفصل فيه أيديولوجيته وجاء فيه: «إن إعطاء أرض إسرائيل، أرض الآباء والأجداد، للكفار، لهو جريمة وضعف إيمان، وإن توراتنا لا تسمح بإعطاء أرضنا للكفار، وعلى كل وزير في الحكومة وعلى كل عسكري إسرائيلي أن يوقف هذا وأن السماء سوف تكون في عونه». ومن المؤكد أن هذه الحركة قد حددت الخريطة الاستيطانية حتى عام 1980 على الأقل وأن هذا المنشور كان القانون الناظم للعلاقة بين الحكومة وحركة الاستيطان. وقد كتب موشيه ليفنغر، حاخام الحركة المذكورة في مستوطنة كريات أربع في الخليل عام 1980: «إن الحكومة لا تفرط في أرض إسرائيل فحسب وإنما تتساهل مع السكان العرب. لذا فإن على المستوطنين أن يفهموا العرب بأنه من الآن وصاعداً ممنوع عليهم أن يرفعوا رؤوسهم». وقد شكل المستوطنون يوم 8/5/1980 ما يسمى (لجنة الأمن) وقد نص المنشور الموزع «نرجو إبلاغنا بأي حادث إثارة، أو شغب، أو رشق حجارة، أو أي حادث تقاعست سلطات الأمن عن الرد عليه فوراً». وكان أحد الآباء الروحيين لعصابات (جباية الثمن) إسحاق غيزبورغ قد دعا منذ زمن بعيد لفك الارتباط عن مؤسسات الدولة وإقامة (ملكية) يهودية بديلة، وإحدى فتاواه تطابق ما سبق «إنه كلما لم تقم القوات الأمنية بتسوية الحساب مع أعدائنا، فرضت واجب الانتقام على غيرها من الأفراد» ومن المعروف أن غيزنبورغ هو صاحب الفتوى الشهيرة التي يسمح فيها لليهودي بأخذ كبد من "الغوييم" حتى بدون اذنه، لأن "حياة اليهودي أكثر قيمة من حياة "الحيوان" "، وكانت هذه الفتوى جزءا من فضيحة الاتجار بأعضاء الشهداء الفلسطينيين التي فجرها الصحفي السويدي دونالد بوستروم عام 2009 . وقبل (جباية الثمن) كان المستوطنون قد شكلوا الكثير من المنظمات الإرهابية مثل منظمة (سيكاري)، و (الميليشيا)، و (سيف جدعون)، و (القوات الضاربة اليهودية)، و (دوف) وغيرها. وإذا كان الاستيطان جوهر الصهيونية، فثمة أدلة كافية على وجود علاقة تبادلية بين الإرهاب والاستيطان، فالانحدار إلى الفاشية ونمو الفكر اليميني شجع على اتساع وتنشيط الاستيطان ونجاح الأخير ساعد على توفير عوامل سيكولوجية (ظهور إرهاب يهودي متنام في صفوف المستوطنين». يصبح اللجوء إلى العنف طبيعياً، كونه يتأسس كعامل عضوي في بنية النظام الفاشي الصهيوني ورغم أن الاستيطان جزء من بنية إلا أنه يتمظهر منفلتاً من كل عقال وحسب حنة أرندت «العنف مهما كانت درجة الرقابة التي يخضع لها فإنه يتمتع بدرجة معينة من الانفلات عن رقابة وسيطرة من يمارسونه، والواقع أن رقابة كلية مستحيلة»، حتى أنه كان يفاجئ هؤلاء الذين يخططون له ويديرونه ويمارسونه، مما يدفعهم لمحاولة يائسة لضبطه عبر أطر قانونية غاية في الإحكام لكنها خاوية مضموناً وتفتقر كلياً إلى ضمير العدالة، فتحول تحقيقاتها ومحاكماتها – إن جرت – إلى مهزلة، وقد انتهت هذه المحاكمات كلها للقتلة ومرتكبي المجازر من مستوطنين وجنود وضباط إلى استخلاص يكاد يكون واحداً، في جميع الحالات، يكون المجرم المفترض مجنوناً أو يعاني من اضطراب نفسي، ما لم توضحه استخلاصات المحاكم هو لماذا لا ينضب جنون هؤلاء ولا تنفجر نوباتهم الهستيرية إلا ضد المواطنين الفلسطينيين، والسؤال بسيط بساطة وبداهة الصهيونية لأن قتل الفلسطيني هو جزء من الأيديولوجية التي تحكم مواطني الدولة الصهيونية بما فيهم المجانين الذين يدركون أن (العربي الجيد هو العربي الميت).وقد نقلت صحيفة دافار يوم 19/3/1983 عن إبراهام أحيطوب – رئيس الموساد الأسبق «إن الخلفية التي يستند إليها الإرهابيون اليهود هي الأيديولوجيا (الوطنية) التي تقول أنه يجب تطهير البلاد من سكانها الغرباء». وبما أنها إيديولوجيا (وطنية) فإن هذا يحيلنا إلى جوهر قيام دولة إسرائيل التي ليست سوى تجمع هائل من المستوطنات، تبدأ بـ (وثيقة استقلال) إسرائيل بإطلاق اسم (أرض إسرائيل) على فلسطين، مؤكدة ارتباط اليهود بها ونافية بشكل مباشر حقوق العرب الفلسطينيين التاريخية والواقعية، وما جاء في وثيقة الاستقلال تحول إلى هوس بالتهويد، هوس السيطرة على مكان وعدم تحمل ترك بقعة دون فرض السيادة اليهودية عليها بشتى الأساليب والوسائل والتهويد. ولا شك أن موضوع الاستيطان يقع في جوهر جدول الأعمال القومي الصهيوني ورغم ذلك من العسير فهم الاستيطان الصهيوني بشكل عميق دون العودة إلى مفاهيم يهودية مركزية وإدراكها على صعيد تأويلاتها المختلفة في الفكر الصهيوني مثل مفهومي الزمان والمكان، وأهميتها في النسق الديني اليهودي، من جهة أخرى فإن النشاط الاستيطاني ودعمه وحمايته وقوننته وتشريعه يعكس الخطاب الإقصائي الإثني، القائم في صلب الأيديولوجيا الصهيونية، بحيث تتحول الصهيونية إلى معيار أولي بديهي، يصبح الإلغاء والمحو صفة ملازمة لعقل الاستيطان، وتجميد الفلسطينيين في عزلتهم خلف الأسلاك أو الجدران والطرق الالتفافية كمجرد سكان شاغلي مكان، لا يحوزون أو يملكون حق حيازة المكان. وظاهرة الاستيطان الصهيونية هي ظاهرة فوق سياسية، وإن اندرجت في السياسة، فلا عجب أنها قادرة على الاستمرار والتصاعد في ظل كل الحكومات وبدعم كل الأحزاب، فما دامت هذه الأحزاب صهيونية فالاستيطان كما ذكرنا يقع في قلب جدول أعمالها، بغض النظر عن لغة الاستنكار والتلون الحربائي التكتيكي الذي تلجأ إليه هذه الأحزاب لخداع المصوتين اليساريين العرب أو الرأي العام العالمي لتسويق صورة إسرائيل البريئة المحبة للسلام!! من المهم الاشارة أيضا إلى التواطؤ بين أجهزة الدولة الصهيونية وعصابات المستوطنين، وقد كشف الصحفي ايتمار فلشمان عن قائمة بحوزة الوحدة اليهودية بجهاز المخابرات الاسرائيلية (الشاباك) وقسم الجرائم في الشرطة تضم أسماء تسعة من قادة ومنظمي هجمات جباية الثمن وورد اسم (بوعز ألبرت 40 عام) صاحب السجل الطويل في تنفيذ الاعتداءات وفي قيادة وتوجيه نشطاء (جباية الثمن) في مستوطنة يتسهار، اضافة إلى أسماء أخرى، لم تحرك الأجهزة الاسرائيلية ساكنا لردعهم، وأكثر من ذلك كان الرئيس السابق لجهاز الشاباك كرمي غيلون قد صرح خلال ندوة سياسية في بئر السبع أن بإمكان جهاز الشاباك في غضون فترة قصيرة وضع حد لجرائم "جباية الثمن" إذا كان هناك قرار سياسي، هذا القرار من غير الوارد أن يتخذ، خصوصا على ضوء قرار الكنيست رفض اعتبار ضحايا تدفيع الثمن ضحايا للإرهاب في تعديل مقترح على قانون ضريبة التعويضات. أخيراً.. يدعو تحليلنا السابق إلى بديهية لا يجب أن يخطئها فلسطيني، إن مجابهة عصابات (جباية الثمن)، لا تنفصل عن مجابهة الصهيونية وكيانها القاتل، الاستيطان هو أداة قاتلة في يد الصهيونية، قطع وتحطيم الأداة لن يكون كافياً، وقطع اليد لن يكون كافياً، بل المطلوب دحض الصهيونية وتعريتها على طريق تفكيكها النهائي، باعتبارها ليست فقط صانعة مأساة الفلسطينيين واليهود أيضاً، بل عار على تاريخ البشرية أيضاً ودائماً.