تحولات الحراك العربي كصيرورة واقعية

حجم الخط
يحتفظ مفهوما الثورة الشعبية والانتفاضة الشعبية بطابعهما العلمي الذي يتيح اتخاذهما أداة لتحليل حالة واقعية محددة وسبر غور تناقضاتها وتحولاتها واستشراف مآلاتها، طالما ظلا انعكاساً لصيرورتها في الوعي، لكنهما يصبحان شكلاً من أشكال الأيديولوجيا التي تستهدف التضليل وتزوير الحقائق، طالما جاءا تأليفاً ذهنياً مجرداً مستقلاً عن الصيرورة الواقعية لهذه الحالة المحددة أو تلك. ذلك أن المفاهيم، ومنها مفاهيم الثورة الشعبية والانتفاضة الشعبية بأشكالها، هي، بالتحديد، الصيرورة الواقعية معكوسة في الوعي، في شكل تجريد نظري، يصلح للتحليل والبحث العلمي في حالات محددة من هذه الصيرورة، لكنه لا يعود أداة تحليل، أو مفتاح بحث، علمي، إن هو انفصل أو استقل عنها. لماذا هذا المدخل النظري المقتضب؟ منذ انطلاق الحراك الشعبي العربي قبل نحو أربع سنوات، بداية بتونس، فمصر، وليبيا، واليمن وسورية، والبحرين، وصمت أطراف داخلية، في مقدمتها الأنظمة الرسمية العربية، هذا الحراك بـ"المؤامرات الخارجية"، ذلك بالجملة، وعن قصد، بل حتى دون تمييز بين الصيرورة الواقعية لكل حالة من حالاته. وبالمقابل وصفته أطراف داخلية أخرى، في مقدمتها جماعة "الإخوان المسلمين" أكبر حركات "الإسلام الحزبي" بالثورات الشعبية أو الانتفاضات الشعبية، إنما حيث تمكنت من تسلق سلمه والاستحواذ على ثماره الأولى، وأيضاً بالجملة، وعن قصد، ومن دون تمييز بين الصيرورة الواقعية لكل حالة من حالاته. أما الولايات المتحدة وكل الدائرين في فلكها عربياً وإقليمياً ودولياً فسموه بـ"الربيع العربي"، إنما حيث أفضى إلى التغيير، أعني التدمير، الذي أحدثه المشروع الأميركي في العراق. هنا ثلاث تسميات للحراك الشعبي العربي، هي، على اختلاف دوافعها، مفاهيم أيديولوجية، غذت، وخلقت، ما تشهده كل من العراق وليبيا واليمن وسورية، وبدرجة أقل مصر وتونس وأقطار عربية أخرى، من انتشار للجماعات التكفيرية المسلحة الإرهابية التي بلغت قوتها درجة السيطرة على أكثر من مدينة عربية، منها، (مثلاً) الفلوجة في العراق ومدينة الرقة في سورية ومدينة بنغازي في ليبيا، وأقامت فيها "إمارات إسلامية" تحكم بأفكار قديمة تبيح قطع الرؤوس ونبش القبور وبقر البطون وأكل القلوب وإثارة كل صنوف الفتن الدينية والطائفية والمذهبية والجهوية وتفكيك النسيج الوطني السياسي والمجتمعي وتدمير الممتلكات العامة والخاصة و.......تماماً كما فعلت ولا تزال حركة طالبان في أفغانستان. لكن كل ما تقدم لا يلغي حقيقة أن ثمة جديد أحدثته الصيرورة الواقعية للحراك الشعبي العربي في المشهد العربي. فالانتفاضتين الشعبيتين في تونس ومصر نجحتا في تخليع رموز نظامين وأطاحة سلطتين. وهو الأمر الذي فتح الطريق أمام احتمالات شتى. لقد ذهب حكم بن علي وحكم مبارك إلى غير رجعة، ومثلهما حكم علي صالح في اليمن. بل وصارت سلطة "الإخوان" في مصر التي لم تصمد أكثر من عام واحد في ذمة التاريخ. فبعد مدٍ وجزر تمخضت الصيرورة الواقعية للانتفاضة التونسية عن دستور ديمقراطي علماني، عكس ميزان القوى الطبقي-السياسي-الثقافي، وتنامي دور القوى الوطنية السياسية والمجتمعية بألوانها القومية واليسارية والليبرالية، بينما ثمة شيء مشابه في دستور مصر الجديد الذي حمل في مضامينه شعارات الحرية والكرامة والتنمية والعدالة الاجتماعية. بل حتى في ليبيا التي تحولت إلى دولة فاشلة تحكمها مليشيات الجماعات التكفيرية والقبلية المسلحة، فإن الأمور لم تستقر بعد، بل ثمة قوى سياسية ومجتمعية وعسكرية ترفض هذا الحال وتتأهب لتغييره ومنع إعادة تقسيم ليبيا وتمزيقها إلى ما هو أسوأ مما كان قبل استقلالها الوطني. وهذا هو حال الصيرورة الواقعية للحراك الشعبي في كل من اليمن والبحرين. فالوضع فيهما لم يستقر بعد، بل ما زال في حالة مدٍ وجزر. هنا ثمة ما ينبئ باستلهام الصيرورة الواقعية لانتفاضة مصر ودروسها. إذ صحيح أن لدروس الانتفاضة التونسية أهميتها التاريخية لناحية إطلاق شرارة الحراك الشعبي العربي وقدرة قواه على الحوار والإجماع على محاربة المجموعات التكفيرية المسلحة، لكن دروس الانتفاضة المصرية بموجتيها، تبقى الأساس، بالنظر إلى ما لمصر من وزن إستراتيجي وثقل مركزي في الوطن العربي. إذ لئن كان المشروع القُطري قد استنفذ طاقته، وأن قواه القديمة قد شاخت وفشلت، فإن الحراك الشعبي العربي يعكس نزعات تاريخية تتشكل بتواتر، إنما في إطار صيرورة واقعية معقدة لاستكمال مهام التحول الديمقراطي البرجوازي وحدود قدرته على توفير متطلبات العدالة الاجتماعية لتقليص الفجوات الطبقية ولرفع حصة الطبقات الشعبية في السلطة والمنافع العامة والكعكة الاقتصادية. لكن يصعب تصور دوران عجلة كل هذا، فما بالك بتصور دوران عجلة المشروع القومي النهضوي العربي، بصورة ملحوظة، من دون نهوض مصر ولملمة جراحها والاطمئنان إلى سياسات حكامها الجدد بعد استكمال حلقات "خارطة طريق مستقبل" كما صاغها ائتلاف قوى انتفاضة 30 يونيو 2013 التي صححت مسار انتفاضة 25 يناير 2011. أما في سورية فالأمر مختلف. لماذا؟ الصيرورة الواقعية لحراكها الشعبي الذي انطلق بمطالب الاصلاح والتغيير في آذار 2011، تحول بسرعة البرق إلى صراع على سورية، تخطى كل حدود المعقول وتجاوز حدود الأزمة إلى المأساة بكل ما للكلمة من معنى. فهنالك نحو 2 مليون لاجئ خارج الوطن، وقرابة 6 مليون نازح داخل الأراضي السورية. وهنالك خسائر بشرية تقدر بـ120 ألفاً،( نحو 25% من أفراد الجيش، ومثلهم من المجوعات المسلحة والتكفيريين، والباقي من المدنيين). وهنالك خسارة اقتصادية تقارب الـ200 مليار دولار، (انتاج سورية لأربعة أعوام تقريباً). أما السبب؟ حولت عسكرة الحراك الشعبي الذي انطلق من درعا أغلبية قوى المعارضة من المطالب الديمقراطية إلى أدوات بيد أطراف دولية وإقليمية وعربية تدعمها بالمال والسلاح وعشرات الآلاف من المسلحين المرتزقة والإرهابيين التكفيريين متعددي الجنسيات والمسميات. ولئن كانت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول غربية أخرى هي القائد المدبِّر لمخطط تدمير سورية، فإن قطر والسعودية وتركيا أردوغان "الإخواني" بتطلعاته العثمانية التوسعية قد لعبت ولا تزال دور الوكيل الإقليمي لتنفيذ هذا المخطط المماثل في المضامين والأهداف، وإن اختلف في الأشكال والوسائل والذرائع، للمخطط الأميركي التدميري الذي جرى تنفيذه في العراق. وبالنتيجة تراجع وزن المعارضة السورية الوطنية الديمقراطية بألوانها القومية واليسارية والليبرالية وسيطرت قوى الإسلام الحزبي التكفيري، (داعش، النصرة، الجبهة الإسلامية)، التي تسيطر على مدن سورية أقيم فيها إمارات تجاهر بانتمائها فكراً وتنظيماً لـ"القاعدة" وطالبان في أفغانستان. ورغم أن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين والإقليميين والعرب يضعون بعض هذه التنظيمات على لائحة القوى الإرهابية إلا أنهم ما انفكوا يمدونها، أو يمدون بعضها على الأقل، بالمال والسلاح و"المجاهدين" ويدعمونها سياسياً وإعلامياً ودبلوماسياً، دون أن يعبئوا بدمار سورية، بلاداً وعباداً واقتصاداً وجيشاً ومؤسسات ونسيجاً وطنياً سياسياً ومجتمعياً وثقافياً، طالما أن ارتكابات وجرائم وفظاعات هذه القوى التكفيرية الإرهابية لا تعبر إلى حدودهم، أو إلى حدود إسرائيل الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة والدول الغربية بشكل عام. واللافت هو استمرار الدعم لهذه القوى التكفيرية الإرهابية رغم أنه لم يعد خافياً أن توقعات وتمنيات واشنطن وباريس وأنقرة والدوحة والرياض....بسقوط النظام السوري قد أخفقت، ورغم ثبوت أن المخرج الحواري التفاوضي هو السبيل الوحيد لإعادة بناء سورية وتخليصها من مخاطر تمدد وسيطرة المجموعات التكفيرية المسلحة التي لا تخفي هدف تقسيم سورية وتفكيكها كدولة ومجتمع، بل هو السبيل الوحيد لحقن الدماء في سورية واحتواء تداعيات مفاعيل أزمتها، وللدقة مأساتها، على دول جوارها العربي والإقليمي، بل وعلى دول العالم قاطبة. إذاً ليس الهدف اسقاط النظام السوري، بل تدمير سورية. لكن، دفعاً لكل التباس، فإن الكلام أعلاه لا يستهدف سوى الدعوة للتبصر أكثر في الصيرورة الواقعية التي اتخذها حراك الشعب السوري، خصوصاً، وحراك شعوب تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين، عموماً، كصيرورة معقدة وشائكة لا يمكنها بلوغ مطالبها في الحرية والديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية، من دون التصدي لمحاولات إعادة تقسيم المقسم عربياً في اتفاقية سايكس بيكو، كمخطط ترعى أدواته المذهبية والطائفية التكفيرية الداخلية الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية الحديثة فيما هي (للمفارقة)، موطن تأسيس الدول القومية التي صهرت بالمواطنة مكوناتها العرقية والطائفية والمذهبية بعد حروب دموية امتدت لقرون، وأزهقت حياة الملايين من البشر، وخلفت دماراً مادياً هائلاً قل نظيره.