أبا غسان حياتنا تخجل امام فلسفة جسدك الذي يذوي ويذوب عشقا خلف جدران عزك

حجم الخط
لا أدري ما الذي ذكرني به هذا الصباح بتلك الكثافة الوجدانية التي تصل حد تقريع النفس وجلدها بلا رحمة ... صحوت على طرقات يديه على نافذة ذلك الجزء المحمي من الذاكرة ... أعادني في لحظات ما بين الغفوة والنوم الى أيام خلت كان لها طعم اخر، كأنه المزيج بين طعم الحلم وطعم الحياة .... وتذكرت ... حضوره الصامت ..وعبوره الصامت .. وغيابه الصامت ... عينيه الخجولتين ... جسده الذي يتكور احتراما امام محدثه .. شفتاه التي تبتسم بطفولة معلق على ضفافها حكايات تروي لحظات بحجم العمر عن البطولة التي يأبى أن يجاهر بها خجلاً من شموخ جبهته ...تذكرت كيف كانت يده تمتد الى فنجان القهوة بكل إمتنان وتقدير لمن صنعه ... جلوسه على المائدة مرتداً بجسده الي الخلف وقاراً وعظمة أمام جوعه ... ساقاه الشامختان في وجه سنين التعب والسير بلا كلل أو تردد نحو غد لا يؤرق فيه صوت العصافير على الاشجار، نعيق غربان المقاطعة في رام الله، أو مكبرات صوت الاحتلال في مستوطنة جبل الطويل ...قميصه الذي لم يكن يستوي أبداً فوق جسده ...حذاءه الذي يعشق غبار شوارع وازقة رام الله وقراها ومخيماتها ... هذا الفاحش بالغنى الذي لا يملك شيئ ... هذا الصامت المتواضع حد الجلالة ...لا أدري أي حاجة ساقته الي هذا الصباح بهذه السطوة التي لا ترد ... ظهر فجأة وغادر فجاة كعادته تاركا في مكان سحيق من وجداني غصة وحسرة وشهقات قلب يكاد يشارف على الغرق في مستنقعات القهر كل يوم ... لا شيء يدل على الحياة سوى الغصات والقهر والغضب ... وما دون ذلك دليل موت ... يا أبا غسان حياتنا تخجل امام فلسفة جسدك الذي يذوي ويذوب عشقا خلف جدران عزك ... موائدنا تخجل امام جوعك ... حكاياتنا وثرثراتنا تخجل أمام فصل صمتك ... قهوتنا الصباحية تخجل أمام عناد معدتك في معركتها ضد الموت المعنوي الذي نمارسه في دورة الذل التي ندًورها باعناقنا كساقية تمخر فراغ بحيرة جافة ...روتيننا اليومي يتكسر أمام القفزات المبدعة للانسانية التي لا تتوقف عن التطور بين ثنايا جلدك الذي اتخيله الان كيف يتكور على عظمك ليحتضن بشغف نبضاتك التي تسمو بالجوع كل لحظة .. أي أنانينة تافهة التي تجعلنا نثرثر بصمتك .. ونقتات جوعك ... ونزهو بتواضعك ؟؟؟ أي حياة تافهة تلك التي تجاهر بخسة الوجود فوق جثث من عبروا أمام وجودنا البائس على رصيف تواتر العيش البيولوجي الذي يرفض الارتقاء حتى الى مستوى الشبهة ... أي معادلة قاتلة هذه التي تقوم على سد الفراغ مما يفيض من عظمتك ؟؟ إبخل علينا قليلا يا ابا غسان حتى نطور حاجتنا الى القليل من الحياء ... والقليل من الحياة