ما الذي جعل لقاءات عمّان ممكنة؟

حجم الخط
الردود الفلسطينيّة على لقاءات عمّان تعكس وجود أغلبيّة سياسيّة ضمن أعضاء اللجنة التنفيذيّة وخارجها يرفضون اللقاءات، ما يدفع إلى الواجهة سؤال: من يتخذ القرار الفلسطيني، وكيف؟. أكثر من عضو لجنة تنفيذيّة صرّح بأن الموضوع لم يطرح من أجل اتخاذ قرار، وأن الرئيس أحاط اللجنة التنفيذيّة علما بما سيحدث، وعلى أساس أن لقاء استكشافيًا واحدًا سيعقد استجابة للمبادرة الأردنيّة، ومن أجل تسليم الوثيقة الفلسطينيّة حول الأمن والحدود التي رفضت إسرائيل استلامها عن طريق الرباعيّة، ليتمخّض الأمر كما صرّح وزير الخارجيّة الأردني، المفوض الوحيد عن الأطراف، بأن اللقاء تناول جميع قضايا الوضع النهائي، وأضاف: بأن لقاءات أخرى، علنيّة وسريّة، ستعقد في محاولة للتوصل إلى اتفاق حتى نهاية العام الجاري. وحتى لا تلقى المسؤوليّة بكاملها على الرئيس وأعضاء "فتح" في التنفيذيّة، وحدهم، على الجميع أن يعرف أن "أبو مازن" لخّص الموقف في نهاية اجتماع اللجنة التنفيذيّة بأنه لا يريد أن يسمع معارضة للقاء عمّان من أحد باستثناء الجبهة الشعبيّة التي عارضت ذلك أثناء الاجتماع. أي أن التصريحات التي قرأناها لمعظم الفصائل داخل وخارج المنظمة بما فيها للأعضاء الجدد في لجنة المنظمة للاستهلاك المحلي، أو لا ترقى لدرجة معارضة الخطوة. لو كانت هناك معارضة لظهرت في اجتماع اللجنة التنفيذيّة وليس في وسائل الإعلام. وكانت أصرّت على إجراء التصويت الذي لا يتم إلا في حالات نادرة، فإذا لم يكن هناك تصويت في اللجنة التنفيذيّة على مثل هذه القضايا المهمة، فأين يتم التصويت، وعلى ماذا؟!. وإضافة إلى ما سبق فإن معظم اجتماعات اللجنة التنفيذيّة لا تنحصر بأعضائها، وإنما يشارك فيها العديد من الشخصيات القياديّة، ما يفقد الاجتماع طابعه الرسمي وشكله القانوني. بعد هذه المقدمة أَنتقِلُ إلى محاولة الأجابة عن سؤال المقال الأساسي: لماذا عقدت اجتماعات عمّان؟. الجواب الرسمي غير المقنع لأحد بأن اللقاءات استكشافيّة، مع أنها تفاوضيّة بامتياز، واستجابة للأردن، الذي لا نستطيع أن نفشّله، خصوصًا أن العاهل الأردني يستعد لاستقبال خالد مشعل في عمّان لـفتح صفحة جديدة في العلاقات الأردنيّة – الحمساويّة، ويستعد لزيارة الولايات المتحدة الأميركيّة ولقاء أوباما. كما أن اللقاءات تهدف إلى وضع العالم، للمرة الألف، أمام حقيقة إسرائيل وإفشالها لجميع الجهود والمبادرات الراميّة إلى تحقيق السلام، ووضع اللجنة الرباعيّة أمام مسؤولياتها إزاء التنصل الإسرائيلي المنتظر، والذي سيظهر في الوثيقة التي ستقدمها حكومة نتنياهو حول الحدود والأمن قبل 26/ 1، أو من خلال إعادة تكرار المواقف الإسرائيليّة التي قدمها مولخو في لقاء عمّان الأول، التي تدل على أن إسرائيل تزداد تعنّتًا بما يؤكد أنّ طريقَ المفاوضات مغلقٌ حتى إشعارٍ آخرَ على الأقل. القيادة الفلسطينيّة من خلال عقد هذه اللقاءات تحاول أن تبرئ نفسها من المسؤوليّة عما يمكن أن يحدث بعد نهاية الشهر الجاري، حيث قالت وحذّرت: إن لديها خيارات وبدائل سيتم دراستها والأخذ بها بعد هذا التاريخ. ما لم تقله القيادة الفلسطينيّة صراحة وبوضوحٍ كافٍ أنها بموافقتها على عقد اللقاءات بعمّان تريد إعطاء رسالة مجددًا أنها لم ولن تغادر نهج المفاوضات رغم وصوله إلى طريق مسدود حتى الآن، ولكنها تراهن على ما يمكن أن تحققه في المستقبل، ولتطمئن الرباعيّة أن الخيارات التي تلوح بها لن تخرج بها من عمليّة السلام ولا بعيدًا عن المفاوضات، وهي بعد استثناء حل السلطة والانتفاضة الشعبيّة والمقاومة المسلحة واعتماد شروط الرباعيّة ستنحصر في خيارات متواضعة، مثل إعادة طرح موضوع الاستيطان، والمطالبة بانطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي المحتلة عام 1967، ومتابعة الطلب الفلسطيني في مجلس الأمن. أي أن الاشتراك في لقاءات عمّان "ليس كرمال عيون الأردن فقط"، بل لها دوافع واضحة لمختلف الأطراف لا داعيَ للخوض فيها في هذا المقال، لأنها أشبعت بحثًا. إنّ مَنْ رفض دعوة الإدارة الأميركيّة وأطراف اللجنة الرباعيّة لعقد هذا اللقاء منذ 23/9/2011 وحتى عقده في 3/1/2012 رغم التهديدات الأميركيّة والإسرائيليّة والضغوط الدوليّة يستطيع تحمل غضب الأردن، ولكن المسألة لها علاقة وثيقة ليس بما سيجري أثناء هذه اللقاءات فقط، وإنما الأهم بما سيحدث بعد 26/1 كيف ذلك؟. إنّ القيادة الفلسطينيّة التي توجهت إلى الأمم المتحدة ودعت إلى اعتماد المقاومة الشعبيّة ومقاطعة بضائع المستوطنات وشرعت في المصالحة، أعلنت وعلى لسان الرئيس أن هذا كله لا يتناقض مع عمليّة السلام وإنما من أجل إحيائها وإنجاحها، والدليل أنّه يصرّ على أن تكون الحكومة الوفاقيّة إذا تم تشكيلها في الشهر المقبل هي حكومة الرئيس وبرنامجها هو برنامجه، وهو أعلن مؤخرًا بأنه متمسك بشروط اللجنة الرباعيّة أكثر من الرباعيّة نفسها. عندما ذهب أبو مازن إلى اجتماعات عمّان على الرغم من أنه رفض عقد مثلها سابقًا اتكأ وراهن على اعتدال "حماس" الذي عبر عنه مشعل بوضوح. فهل يربح أبو مازن الرهان، ولن تكون "حماس" ضد تشكيل حكومة وفاق وطني لا تجلب المقاطعة والحصار، وفقًا للعبارات الدارجة عند القيادة الفلسطينيّة، أي تقبل بشروط الرباعيّة، انسجامًا مع التحولات التي جرت على مواقفها، كما ظهر ذلك باعتماد المقاومة الشعبيّة، ومد التهدئة إلى الضفة الغربيّة وقطاع غزة، وتأكيدها على هدف إقامة دولة فلسطينيّة، وإعطاء الرئيس تفويضًا بالمفاوضات لمدة عام كامل كما ظهر في خطاب خالد مشعل في حفل المصالحة، وفي تأكيد مشعل بعد لقاء عمّان بأن طريق المفاوضات فاشل ولكنّهلن يؤثر على المصالحة، في تعارض واضح مع العديد من التصريحات الصادرة عن قيادات في "حماس"، خصوصًا في قطاع غزة التي طالبت بوقف لقاءات عمّان وحذّرت من تأثيرها البالغ على المصالحة. من المحتمل أن يربح أبو مازن الرهان، لأنه أعلن بعد لقائه بخالد مشعل في الرابع والعشرين من تشرين الثاني المنصرم بأنه لم يعد هناك خلافٌ بينهما حول أي موضوع من المواضيع، ولكن ليس هذا هو الاحتمال الوحيد، خصوصًا إذا تبيّن أنه ليس في جعبة نتنياهو ما يقدمه، ولو استجابة لنصائح دينيس روس حول الامتناع عن اقتحام مناطق (أ) وتنفيذ خطوات بناء الثقة التي تهدف إلى منع الانهيار التام لعمليّة السلام، وتقدم جسرًا بين الواقع الحالي المغلق والمستقبل المأمول. فأبو مازن قد يجد نفسه مضطرًا لتعديل برنامجه أو تغييره أو الاستقالة والبناء على خطابه التاريخي في الأمم المتحدة إذا تعرض لضغوط داخلية شعبية وسياسيّة تطالبه بإحداث هذا التغيير. ما أود قولَه بوضوحٍ كامل: إنّ لقاء عمّان لم يكن ممكنًا لولا التنافس المتزايد بعد صعود الإسلام السياسي بين "فتح" و"حماس" على قيادة الشعب الفلسطيني، ولولا التقدم الحاصل في المصالحة الذي يأتي على أساس تقارب سياسي حول البرامج، جوهره اقتراب من "حماس" باتجاه اعتماد برنامج المنظمة في سياق سعي "حماس" إلى تأهيل نفسها للمشاركة في النظام السياسي، والانتقال المحتمل لمقر قيادتها من دمشق إلى عمّان والقاهرة والدوحة وتونس، هذا الانتقال الذي إذا حدث لن يكون انتقالا جغرافيا فقط، وإنما سياسيا كذلك. "حماس" قد تبرر هذا "الاعتدال اللافت" بأنه تكتيكي، وأنها بانتظار اكتمال الربيع العربي الذي سيحمل الإسلام السياسي إلى سدة الحكم في معظم البلدان العربيّة، ما يسمح بعد ذلك بتشكيل جيش القدس وفلسطين الإسلامي الذي سيهزم إسرائيل ويحرر فلسطين. لا يمكن التعويل على الآخرين، وعلينا أن نتذكّر الحصاد المرّ لتعويل الشعب الفلسطيني على الجيوش العربيّة الذي انتهى إلى نكبة فلسطين، وعلى القوميّة والأمميّة أولًا الذي انتهى بهزيمة حزيران 1967، ومد استقلال القرار الفلسطيني حتى نهايته ثانيًا الذي انتهى إلى اتفاق أوسلو، وقيام سلطة حكم ذاتي محدود مقيّدة بالتمويل والدعم والتنسيق الأمني مع الاحتلال. إنّ الثورات العربيّة تخلق فضاءات إستراتيجيّة رحبة للكفاح الفلسطيني، ولكنها لا تغنى عن الدور الفلسطيني الذي أصبح الآن مهمًّا أكثر ما كان في الماضي. تأسيسًا على ما سبق، فإن لقاءات عمّان تستهدف أساسًا سد الفراغ الناجم عن وقف المفاوضات وغياب نظام حسني مبارك وقطع الطريق على خيارات وبدائل غير مناسبة، وإنما جعل كل ما يمكن أن يحدث، وما يمكن أن تُقْدِم عليه القيادة الفلسطينيّة والفلسطينيين بعد 26/1 يساعد ولا يعرقل المحاولات المبذولة لإبقاء عمليّة السلام حيّة انتظارًا لانطلاقها بعد الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة وإعادة انتخاب أوباما أو رئيس أميركي جديد، والعودة إلى دوامة الانتظار لتغير الموقف الأميركي والمستمرة منذ 63 عامًا وحتى الآن. إن المطلوب إستراتيجيّة جديدة قادرة على تجاوز اتفاق أوسلو وقيوده المجحفة. إستراتيجيّة أقل تشددًا من إستراتيجيّة "حماس" السابقة وأصلب من إستراتيجيّة المنظمة. إستراتيجيّة تعمل على تغيير موازين القوى، وليس تحسين شروط المفاوضات. فمن دون تغيير موازين القوى وجمع أوراق القوة والضغط الفلسطينيّة والعربيّة والدوليّة، ودون التعامل مع القضيّة الفلسطينيّة كقضيّة فلسطينيّة وعربيّة تحرريّة لا يمكن التقدم على طريق دحر الاحتلال وإنجاز الحريّة والعودة والاستقلال. Hanimasri267@hotmail.com