نحو كتلة تاريخية لإخراج سوريا من أزمتها

حجم الخط
ثمة حاجة موضوعية لدور شعبي واسع الطيف ضاغط...وفاعل, داخل دائرة الأزمة السورية لوقف تداعياتها وإرهاصاتها التي تشي باحتمالات وتطورات دراماتيكية قد تصل في حدها الأعلى الى الحرب الأهلية والتدخل الأجنبي الذي يجلب الدمار والخراب لكل ما تمثله سوريا من وطن وطوائف متعايشة وهوية جامعة...وثقافة موحدة. ثمة حاجة الى كتلة شعبية سورية وعربية تحمل سوريا الى بر الأمان..تضع سوريا في القلب والوجدان..لا أن تضع سوريا في المجهول أو في قلب العاصفة. لم يعد ممكناً التقليل من عمق ومساحة وتراكيب الأزمة السورية سياسياً وشعبياً...إقليمياً ودولياً..إذ أنها أزمة من طراز خاص تنبع من خصوصية سوريا التاريخية وموقعها الجيو استراتيجي ودورها الجيو سياسي..وموقعها في خريطة الصراع العربي – الإسرائيلي, بل هي أزمة تعكس خصوصية نظامها السياسي القادر والقابض على الحياة السياسية والأمنية على مدى عقود, كما أنها أزمة مركبة تعكس ماهية المعارضة السورية وأطيافها وتاقضاتها وتشوهاتها...من معارضة داخلية ومعارضة مهاجرة والتي بينها من الخلافات والتباينات والصراعات ما يجعلها أضعف بكثير في ميزان القوى مع النظام القادر حتى اللحظة. وعليه فهي أزمة أعقد وأكثر تركيباً من أزمة الأنظمة في ليبيا أو تونس أو مصر فثمة خصائص يجعلها عصية على الحل في مدايات زمنية قد يتوقعها البعض أو يرغبها البعض الآخر أو يعمل في نطاقها بالتآمر بعضاً آخر إقليمياً ودولياً. وكذلك الحال فإن أداء المعارضة السورية ودورها وحركتها السياسية في الداخل والخارج يتسم بالأداء السياسي والشعبي والعنفي والثأري معاً...وينضوي على رغبة ومطالبة واضحة ومستترة في آن للتدخل ألأجنبي من بعض قوى المعارضة المهاجرة وفي السياق فقد رفعت أطراف المعارضة ولا سيما المهاجرة منها سقف شعاراتها ومطالبها الى حد إسقاط النظام وإعدام الرئيس ورفض الحوار مع النظام تحت أي ظرف...دون أن تقرأ ميزان القوى المحلي والإقليمي والدولي...مما جعلها في زاوية ضيقة وحرجة بما يملي عليها ويدفعها الى المغامرة السياسية والعسكرية الغير محسوبة. والأمر كذلك فإن أداء النظام السوري في مواجهة الأزمة السورية لا يتماثل مع أداء النظام المصري أو التونسي, فهو يواجه الحراك الشعبي وفعالياته المتنوعة..ويواجه الجماعات المسلحة ويواجه المؤامرات الخارجية التي ركبت ظهر الحصان الشعبي....وهو لم يفقد بعد أوراق القوة التي بحوزته...ولا الدعم الإقليمي أو الدولي المهم والمؤثر في صمود النظام وثباته...ولم يزل النظام يسير بخطى السلحفاة نحو الإصلاح السياسي الأمر الذي شجع المعارضة على اتهامها للنظام بأنه غير معني بالإصلاح بأي شكل من الأشكال. وإذا كانت هذه الأزمة السورية لها خصوصيتها في الواقع السوري...فالشيء الطبيعي ان يتسم حلها بخصوصية مماثلة بعيدة ربما عن المألوف. إن خصوصية الحل للأزمة السورية تتمثل في قدرة الشعب السوي على تجاوز خط الوصول الى حافة الحرب الأهلية....وعدم السماح للتدخل الأجنبي بأن يكون عنواناً للحل...فثمة أهوال ومآسي تنتظر الشعب السوري من وراء الولوج في الحل الدولي "التدخل الأجنبي ..النيتو" وهنا يجب أن تتجلى فطنة وذكاء الشعب السوري بكل طوائفه "معارضةً وموالاه", بألا يسمح لأحد أن يوفر الفرصة لهكذا حل استعماري ينطوي على مفارقات تاريخية تؤشر على قابلية شعوبنا العربية للاستعمار إبان أزماتها السياسية المستعصية. الشعب السوري اليوم في أمس الحاجة الى خطاب تاريخي عقلاني يعيد للشعب السوري ألقه الحضاري ودوره التاريخي المتميز في رسم مستقبله وحياته السياسية على المسرع العالمي...بمعوله الفكري والثقافي والسياسي النابع من روافد حضارته الممتدة والمؤثرة دوماً في الجوار والإقليم, هو بحاجة اليوم الى خطاب تاريخي يعالج الأزمة بأفق تاريخي ممتد نحو طريق المستقبل, وليس المعالجة المبنية على خطاب ديماغوجي تدميري ينطوي على نزعات سياسية وثأرية متبادلة تخرج الوطن السوري من مكانته وحيزه الحضاري الى حيز مكاني وزمني تتجلى فيه هلامية النخب السياسية والثقافية...وهلامية الخطاب التقليدي والمنفعل الذي يسقط فيه مفهوم الدولة والوطن والتاريخ وتعلو فيه المفردات الطائفية التي تضرب الهوية الجامعة ويؤسس لهويات مذهبية وطوائفية تعمل على تقطيع وتمزيق النسيج المجتمعي الواحد والمتماسك. إن الحاجة الى خطاب نهضوي تنويري مستقبلي لا يلغي الوطني والقومي والثقافي, ولا يلغي الآخر السوري..ولا يلغي أو يؤشر بالسلب والشبهه على أي مكون من مكونات الشعب السوري, هو المخرج المؤسس لإنهاء الأزمة السورية...وهو الذي يصهر كل هذا الإرث التاريخي والحضاري والهوية السورية العربية في "كتلة تاريخية" تأخذ على عاتقها صيانة الوطن والدولة...وصيانة الشخصية السورية من التشويه والتبديد....وتأخذ سوريا نحو "التسوية التاريخية" التي تؤسس لمشروع نهضوي ثقافي وسياسي يقوم على ركائز الدولة المدنية...والديمقراطية..والتعددية السياسية...والممارسة الشعبية الحرة في الحياة السياسية والاقتصادية. إن الكتلة التاريخية هي نشاط ومسار سياسي لحل سياسي يقوم على الحوار والتفاعل والتلاقي بين التيارات السياسية والشعبية في الوطن السوري. كما أن "التسوية التاريخية" هي نقيض الحل الأمني والعنفي ونقيض الحرب الأهلية والتدخل الأجنبي...بل هي اعتراف وتشريع لدور وحضور القوى السياسية والشعبية في صياغة مستقبل الوطن ونظامه السياسي...كما أنها تسحب البساط من تحت أقدام الكتل الصلبة المتعنتة التي لا ترى الحل الآ في سياقه الإحلالي أو الهزيمة للآخر. إن الشعب السوري مدعو اليوم ليكشف عن مدى قوته وصلابته وحكمته وذكائه في تجاوز المحنة والأزمة عبر النشاطات الشعبية المختلفة وعبر تشكيل هذه الكتلة التاريخية التي تضغط على أطراف الأزمة نحو الحل الأقل تكلفة والأقل دماً...والأحرص على وحدة سوريا وشعبها الأبي. قد تكون فكرة "الكتلة التاريخية" هي مجرد فكرة لا تعكس الواقع القائم في سوريا ولا تعكس طبيعة الأزمة وأطرافا ومواقفها وعنادها بيد أن أي مشروع سياسي لا بد أن يستند على الفكرة أولاً التي يتم العمل على تطويرها وتعديلها بما يتناسب والظروف الممكنة وبما يحقق الهدف الأسمى. * عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين