ما زلت ممسكاً برأيي ووجهة نظري بأن ما حصل وجرى حول ما يسمى بتشكيل حكومة الوفاق الوطني، ليس أكثر من اتفاق إطار في طريقه الكثير من العثرات والمطبات والمعيقات التي تجعله بلا رجلين يسير عليهما، بل تبقيه كسيحاً وأسيراً لأجندات ومصالح تضع المحاصصة فوق المصالحة، وبأن قطار المصالحة لم ينطلق بعض فالمصالحة تحتاج الى ترجمات عملية على الأرض يتلمسها شعبنا بالفعل، وخصوصا شعبنا في قطاع غزة أهمها رفع الحصار وإعادة الإعمار والسماح بحرية الحركة والتنقل والتواصل مع الفضاء الخارجي، أما الانقسام الذي اعتبر البعض أنه ذهب إلى غير رجعة فعبر ما نراه وما نشاهده فإنه يتكرس ويتعمق، وأنا لا أعرف كيف لعضو مكتب سياسي في حركة حماس كموسى أبا مرزوق، يقول لشعبنا بأن الانقسام انتهى الى غير رجعة؟؟!!، وأرجع عدم تحقيق المصالحة لعقليات الانقساميين وبرامج الاحتلال، وقبل الخوض في ما قاله أبو مرزوق والتعليق عليه من أنه يفتقر للدقة والموضوعية وتعانده الحقائق والوقائع على الأرض، فهناك تصريحات أخرى لمسؤول حركة فتح في السجون الأسير جمال الرجوب يطلب فيها من رفاق الجبهة الشعبية الذين يعيشون في أقسام مشتركة مع حركة حماس بمغادرتها حتى لا تطالهم عقوبات إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية، وفي الوقت الذي نثمن فيه لرفاق الجبهة الشعبية رفضهم لهذا المنطق الغريب عن عادات وتقاليد الحركة الأسيرة، وأقل ما يقال عن هذا المنطق بأنه يتساوق مع إدارة مصلحة السجون ويخدم مصالحها وأهدافها، ويشكل مخاطر جدية على الحركة الأسيرة الفلسطينية في السجون من حيث تفكيك وحدة أداتها التنظيمية الموحدة واستفراد مصلحه السجون في فصائلها بما يسهل عليها كسرها وتطويعها والانقضاض على حقوقها وسحب منجزاتها ومكتسباتها. وقبل ذلك لا بد لنا أن نشير وتحديداً بعد ما سمي بعملية اختفاء الصهاينة الثلاث واتهام اسرائيل لحركة حماس بأسرهم، ما صدر من تصريحات وبيانات وتعليقات من قيادة السلطة في رام الله حول ذلك، وفي مقدمتها خطاب وتصريحات الرئيس عباس ووزير خارجيته رياض المالكي، سواء في جدة أمام مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي قبل أقل من أسبوع أو لوسائل الإعلام أو خلال الاتصال مع الأمريكان والإسرائيليين، ففي جدة كرس عباس جلّ خطابه لإدانة خطف ثلاثة مستوطنين إسرائيليين، وقال أن هذه العملية وليس الاحتلال وجرائمه، تدمر الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني، وامتدح التنسيق الأمني مع أجهزة المخابرات الإسرائيلية، وقال أنه في مصلحة الشعب الفلسطيني، وجدد التعهد بمنع حدوث انتفاضة ثالثة، ولا نعرف ما إذا كان وزراء الخارجية المسلمين صفقوا له، أو استهجنوا أقواله، وأيا كان رد فعلهم فانهم لا فائدة ترجى منهم وحكوماتهم، وقد حذا حذوه وزير خارجيته رياض المالكي حيث "قال المالكي في تصريحات صحفية إنه إذا تبين أن حركة حماس تقف خلف خطف المستوطنين الإسرائيليين في الضفة فإن حكومة الوفاق واتفاق المصالحة سيكونان في خطر. وأضاف "إذا توصلت الحكومة إلى هذه النتيجة فإن الرئيس سيتخذ قرارات صارمة".
وتابع "لن نتهاون ونقبل بحقيقة أن تستخدم حماس وتستغل هذا النوع من حكومة المصالحة لتضرب المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني".
ونحن كذلك نجد تناقضاً صارخاً في تصريحات وبيانات طرفي الانقسام (حماس وفتح)، ففي الوقت الذي تقول فيه حماس بأن حكومة الوفاق ضد التنسيق الأمني، وبأن الاتفاق لا يلغي المقاومة، بالمقابل نجد الرئيس عباس يمتدح التنسيق الأمني مع إسرائيل، ويقول بأنه لمصلحة الشعب الفلسطيني، وكذلك في الوقت الذي استباحت فيه اسرائيل الضفة الغربية، بعد اختفاء المستوطنين الثلاثة، حيث اعتقلت المئات من أبناء الشعب الفلسطيني، بما فيهم الأسرى الذين تحرروا في صفقة الوفاء للأسرى، وأغلب المعتقلين من حركة حماس، وكذلك قتلت إسرائيل عدداً من المواطنين الفلسطينيين، بما فيهم أطفال وشيوخ، ودمرت وهدمت العديد من المنازل والممتلكات والمصانع، وأغلقت العديد من المؤسسات الاجتماعية والإغاثية بحجة تبعيتها وعلاقتها بحماس، ومنعت دخول أهل الخليل للقدس والداخل الفلسطيني- 48-، وقامت بعمليات دهم وتفتيش واقتحام غير مسبوقة منذ عام 2002،عام اجتياح الضفة الغربية، حيث شملت عمليات الاقتحام والتفتيش المؤسسات التعليمية الجامعية، وباختصار اختطفت شعب بأكمله، ولم تكن ردة فعل حكومة الوفاق على ما حدث يحدث بالمستوى المطلوب، ووجهت لها الاتهامات الشعبية والفصائلية على قصورها تجاه شعبها، في حين كان جل اهتمامها يتركز على كيفية إعادة الصهاينة الثلاثة المختفين المأسورين مجازاً، وفي ظل هذه الأجواء والتي امتدحت فيها اسرائيل تصريحات الرئيس عباس حول قضية الصهاينة الثلاثة المختفين، وما تبعها من تراشق إعلامي حاد بين حماس والسلطة الفلسطينية، وما سبق ذلك من وضع متأزم، تمثل في ما قامت به حركة حماس من منع لموظفي السلطة الفلسطينية في غزة من قبض لرواتبهم من خلال البنوك التي جرى إغلاقها في قطاع غزة لمدة أسبوع، وأصبح الوضع الداخلي على حافة الانفجار، قابله كذلك في الضفة الغربية اعتداءات أمن السلطة على الصحفيين في رام الله وعدد من المسيرات المتضامنة مع الأسرى المضربين عن الطعام، وكادت الأمور أن تخرج عن السيطرة كما حدث في الخليل خلال فعالية التضامن مع الأسرى المضربين عن الطعام.
إن هذه المعطيات والوقائع التي تم سردها وغيرها الكثير الكثير من المعطيات والحقائق تثبت على أن ما يقوله أبا مرزوق وغيره من ساسة وقيادة السلطة وحركة حماس، عن أن الانقسام قد ذهب الى غير رجعة وبأن قطار المصالحة قد اقلع يعوزه الترجمة العملية على الأرض، فالأقوال لا يقابلها فعل على أرض الواقع، بل نجد بأن تلك الأقوال تدفع بالانقسام الى خانة التكريس والشرعنة، وما يحدث ويجري ليس أكثر من إدارة لهذا الانقسام وليس إنهاؤه، وما زال هناك مسافة طويلة وطريق صعب وشاق يعترضان الإنهاء للانقسام وتحقيق المصالحة، حيث ما يسمى بحكومة الوفاق، قد لا تصمد أمام ما يعترضها من أزمات ومطبات قد تطيح بها، ففي أقل من شهر على تشكيلها واجهت بسبب الولادة المشوهة مخاطر انفراط عقدها، أزمة رواتب موظفي حماس أل(40000 )، وأزمة ما ترتب على اختفاء أو أسر المستوطنين الثلاثة، والتي يرى الرئيس عباس ووزير خارجيته المالكي بأنه إذا ثبت بأن حماس هي من تقف خلف أسرهم، فهذا يعني نهاية المصالحة وحكومة الوفاق الوطني .
