غزة...لا تغادر التاريخ..تسير برفقته خطوة خطوة..تجدد هويتها الفلسطينية والعربية بقدرتها على الصمود أمام الأهوال...تكسر المألوف..وتأبى الرتابة العربية..تصنع حلتها من جديد مع كل زمن..ترفض أن تتماثل مع غيرها من المدن والبلدان بالزي الرمادي أوالأسود...في كل مرحلة لها ثوبها الجديد.
اليوم تبرهن بدمها وعذاباتها وجرحاها وشهدائها أنها الابن الشرعي للتاريخ العربي المجيد..ابنة العنفوان والكرامة..لا تنتهي من بلسمة جراحها حتى تعود من جديد في تفقّد جراحها النازفة..لكنها لا تموت...تجدد روحها وترمم جسدها...وتمسحه بماء بحرها...وتنطلق من جديد..تعشق الحياة فتروي الأرض دماً أحمراً قاني...لتقطف الأزهار.
غزة هي القلب الذي يضخ دماء الكرامة والعزة الى جسد الأمة المنهك والمصاب بنقص التروية الوطنية...يا لهذا القلب الصغير الذي يضخ دماً في جسدٍ يكبرها بثمانية وثلاثون الف مرة.
ثمة من اختزل فلسطين الى مدينة هنا أو هناك...أو شريط من الأرض هنا أو هناك...بيد أن غزة تعيد فلسطين الى مساحتها الحقيقية...تعلّيها...ترسم خارطتها من جديد...وتلّونها بألوان هضابها وسواحلها وجبالها وجليلها.
غزة اليوم تمارس هوايتها التاريخية برقصة السيف مع الخصم في ميدان الوغى وغبار الحرب..لا الرقص الاستعراضي في باحات القصور مع قاتلي وأعداء الأمة العربية...
غزة ترفض أن تعترف بضآلة حجمها طولاً وعرضاً..لأنها لا تعيش عقدة الضعف والحجم...لأنها سليلة الأمجاد...وابنة العماليق...لا تنام على ضيم...تنام على جراحها وأوجاعها...لكنها تصحو على الأمل مصحوباً بالتحدي...وابتسامة المستقبل...غزة لا تجيد لغة الشعار وبلاغة الكلام..لكنها تجيد اعتلاء حصان المستحيل.
غزة اليوم الخطر الأكبر على الكيان لأنها تملك إرادتها..لإنها لم تسلم إرادتها الى الآخر..لا الحصار يقعدها ولا التجويع يميتها...ولا طعنات الخناجر من الأخوة الأعداء تقتلها...من قلب الأوجاع والمعاناة..تبني بنيتها الكفاحية..وتحفر مدناً تحت الأرض...
ثلاثة حروب تشن عليها في غضون ست سنوات...ولم تزل غزة تغني أغنية "لن يمرّوا" لن يمرّوا ولن يمرّوا...
