مقاطعة منتجات الاحتلال رد فعل ام رؤية تحررية

حجم الخط

 

منذ بدء العدوان الواسع على غزة في الثامن من تموز تصاعدت حملة مقاطعة بضائع ومنتجات الاحتلال بشكل كبير، سواءمن حيث كم الناشطين الفاعلين في الحملة، او من حيث شموليتها لكافة المدن والقرى والمخيمات وسعة التجاوب الشعبي معها لتطال المواطنين كباراً وصغاراً واطفالاً.

وباتت الحملة تتعمق وتتجذر وتأخذ اشكالاً جديدة، وبرزت مبادرات رائعة داعمة للحملة قد تسهم في ديمومتها، منها على سبيل المثال اعلان راديو FM24 عن منح اعلانات مجانية لمن تخلوا محلاتهم من منتجات الاحتلال، ومنها اعلان كبرى المولات ومحلات السوبرماركت عن تنظيف رفوفها من بضائع الاحتلال او على الاقل من تلك التي لها بدائل محلية، ومنها قرار بلدية بتونيا اعفاء اصحاب المحلات التي تخلو من منتجات الاحتلال من رسوم التراخيص، وغيرها من المبادرات والابداعات التي تتعدد وتتنوع استلهاماً مما اعتاد عليه شعبنا في الانتفاضة الاولى.

لا توجد حتى الآن احصاءات موثوقة حول نسبة المقاطعة او مدى تأثيرها على الاحتلال، ولكن المؤكد من خلال بعض المؤشرات ان التأثير واضحاً واسعاً على بعض المنتجات مثل تنوفا وشتراوس وعليت، بينما منتجات اخرى لم تمسولم تدخل بعد دائرة المقاطعة، مثل الادوية ومواد البناء والدهانات والملابس والخضار والفواكه.

ورغم هذا الاتساع للحملة وتأثيراتها وتوقع استمرارها لفترة من الوقت، الا ان ضمان استمرارها لتصبح نهج حياة لدى الفلسطينيين هو مسألة غير مؤكدة، بل ربما غير وارد ان تبقى بهذا الحجم والاتساع بعد فترة من انتهاء العدوان، ولعل التجارب السابقة في الانتفاضتين الاولى والثانية وفي عدوان 2008-2009 على غزة يدلل على ذلك.

ولضمان استمرارية المقاطعة وتعميقها وتجذيرها فانه لا بد من تحويلها الى سلوك دائم ونمط حياة من خلال ربط ذلك برؤية تنموية شاملة تجعل المقاطعة سلاحاً دائماً وموجعاً للاحتلال ويشكل خطوة اساسية نحو الفكاك من التبعية لاقتصاده.

ولعل هذا يرتبط بشكل كبيربالبدائل المحلية الوطنية واستغلال الامكانات الخاصة بالاقتصاد الفلسطيني، فمن غير المقبول مقاطعة منتجات الاحتلال لاستبدالها بمنتجات اجنبية بحيث يبقى الاحتلال هو المستفيد من عوائدها الضريبة والجمركية ناهيك عن هوامش الارباح والتي بمجملها قد تكون اكثر جدوى من الناحية الاقتصادية على الاحتلال من شراء منتجاته.

ومن هنا فانه لا بد من الحديث مقابل المقاطعة عن تطوير الصناعات الوطنية من حيث الجودة والسعر ومصدر المواد الخام كي لا تصبح صناعاتنا الوطنية مجرد اعادة تغليف لمنتجات الاحتلال او معتمدة على مواده الاولية. وهذا يضع المنتج الفلسطيني مجدداً امام فرصة واقعيةلاثبات قدرته على تطوير واقع صناعته الوطنية من حيث ضمان الجودة وثباتها، وزيادة انتاجيته لتفي بحاجة السوق المحلي، وهو ما يمكنه من استيعاب ايدي عاملة جديدة بظروف عمل مناسبة تفضي الى خفض نسبة البطالة، اضافة الى تثبيت وتوسيع دورها في المسؤولية الاجتماعية تجاه الفقراء والجمعيات الخيرية القاعدية والمشاريع المجتمعية.

وارتباطاً فان الجهات الرسمية ملزمة بالعمل على تهيئة الظروف والشروط اللازمة لفلسطنة المنتجات بشكل كامل وتطويرها ومنحها قدرة تنافسية في ظل تعدد البدائل، ولتحقيق ذلك فان علىيها اتخاذ قرارات جريئة بالتحلل من التزامات اتفاقات اوسلو وبشكل خاص ملحق بروتوكول باريس الاقتصادي المعيق لأي تطور اقتصادي جدي يفضي الى الفكاك من التبعية لاقتصاد الاحتلال.

وأقل ذلك هو اولاً: تخفيض نسبة الضرائب على المنتجات الوطنية، وفي المقابل رفع التعرفة الجمركية على المنتجات الاجنبية وبشكل خاص منتجات الاحتلال، وبما يشمل اساساً المواد الخام والمواد الأولية اللازمة للتصنيع. وثانياً: اعادة الاعتبار لقطاع الزراعة بشقيه النباتي والحيواني، من خلال تشجيع العودة للارض لزراعتها وفق خطة وطنية بحيث تلبي احتياجات السوق المحلي، وتوفير الحماية للمزارعين سواء من منتجات الاحتلال التي سيغرق بها اسواقنا في منافسة غير عادلة، وكذلك من خلال ضمان تعويضه بفوارق الاسعار، او في حال حدوث كوارث طبيعية مثل الثلوج والاحوال الجوية التي غالبا ما يشكل هاجسها العائق الاكبر امام المزارعين الذين لا يحتملون المغامرة بان تكون زراعتهم في مهب موجة صقيع. وثالثاً: دعم الثروة الحيوانية وتشجيع تربية الابقار والمواشي، على الاقل لغايات توفير الكميات التي يحتاجها السوق المحلي من الحليب ومشتقاته، وايضا ضمان تعويض اية خسائر محتملة في هذا القطاع.

وربما يتطلب كل ذلك تأسيس هيئة وطنية او تعاونية عامة ترعى هذا الملف وتضع ما يلزم من قوانين واجراءات ضامنة لنجاحه واستمراريته، بل لتعميقه انسجاماً ايضا مع الضرورات الوطنية بالعودة الى الارض وحمايتها من الاستيطان او التصحر.

والى جانب ذلك فانه يجب البدء بمبادرات الحدائق والحواكير المنتجة، وخاصة لسكان الارياف حيث لا يخلو اي بيت من مساحة محيطة قابلة للزراعة او لتربية الماشية كافية على الاقل لاستهلاك الاسرة ذاتها وربما اكثر من ذلك للاسر المحيطة. وهذه التجربة تم استخدامها على نطاق ضيق في الانتفاضة الاولى واثبتت واقعيتها اذا ما تم التعامل معها بالجدية الكافية.

ان هذا يشكل جوابا مسبقاً على ادعاء السلطة بعجزها عن فعل اي شيء تجاه موضوع مقاطعة منتجات الاحتلال والاكتفاء بمقاطعة منتجات المستوطنات واعتبارها ذلك خطاً احمر محكوم بسقف الاتفاقات التي تخشى السلطة تجاوزها.

ولعل خطوات من هذا القبيل فقطتجعلنا نصدق ادعاء السلطة بسعيها للانعتاق من الاحتلال والتحلل من التبعية الاقتصادية له عبر توجهات وطنية تنموية. وبغير ذلك فان كل حملات المقاطعة على اهميتها، ورغم الامل باستمراريتها، فانها ستبقى عملاً موسمياً محكوم بردات الفعل العاطفية التي سرعان ما تنتهي لنعود تدريجياً لذات النمط الاستهلاكي.