سميح القاسم .. الحياة مقاومة

حجم الخط

لم يبلغ عقده الاول حين لفحت وجهه الغض السمح رياح النكبة ولهيبها على ارض فلسطين، ليجد نفسه مكبلاً بجنسية دولة غريبة على النقيض من فطرته وثقافة آباءه واجداده.

هل هي مناخات الغربة والاغتراب التي احاطت به في مقتبل الشباب وسط حكم عسكري فرضته عصابات ومنظمات اغتصبت الارض وشردت وعزلت الاهل باتت تسمى دولة، ففجرت في نفسه ينابيع المقاومة والشفافية واشعلت فيه روح التمرد والحرية.

احتضنته مدينة الناصرة ومدارسها وتفتحت عيونه وقلبه وعقله على رسالة المحبة بين اقرانه من ابناء شعبه في الطائفة المسيحية ، وهو الفتى الدرزي المسلم المفعم بروح العدالة والسلام القادم من بلدة الرامة الجليلية.

لعل في الامر مظاهر نبوغ مبكر، بأن لا يعلق هذا الفتى الأغر في هويات فرعية مغلقة، فتسعفه روحه الوثابة وينتصر عقله المتقد وقلبه الطاهر، وبانضمامه الى الحزب الشيوعي ذهبت به الآفاق ومشاعره النبيلة الى رحاب البشرية الانسانية واممية الكادحين والفقراء.

لم يطأطيء الرأس امام عدوه المحتل، ولم تثنه السجون عن التشبث بالنضال وتصدّر ابناء الطائفة في رفض الخدة العسكرية الاجبارية في جيش الاحتلال، وفي وقت مبكر جدا مطلع الستينات، لم يتردد غسان كنفاني الذي كشف في الساحة الثقافية العربية لأول مرة عن من سماهم "شعراء المقاومة" سميح القاسم وتوأمه محمود درويش وراشد حسينز.. في دعوتهم للتصدي للصهيونية، فكان محقا وكانوا على قدر المسؤولية .

وفي رده على غيظهم وحربهم عليه، بأن قصائده هل تسقط طائراتهم ؟ قال لهم: بأن مهمة قصائده ليس اسقاط طائراتكم بل اسقاط اوهامكم!! فأصابهم في مقتل.

ربما ليس نبوغه الأدبي المبكر فحسب، بل و نبوغه السياسي والفكري، جعله موقنا با ما يدور من ضوضاء عن تعايش وسلام و" معاهدات واتفاقيات " هو محض خرافات، فقاده هذا النبوغ والاصاله لينزرع في ارضه وبحره وسمائه مقاوما، ولاشتقاق الحكمة من رحم المعاناه وامساك المعرفة بمجس الممارسة والتماس الحقيقة من جحيم الصراع المعمد بالعرق والدم واللغة.

فاستقر على ادراك بأن فلسطين ليست سوى الجبهة التي اختارها العدو ميدانا للصراع العربي الصهيوني وبأن ثقافة العروبة الانسانية المتسامية على العنصرية والشوفينية والاستغلال، هي السياق والافق الذي تنمو وتزدهر فيه خيراً كل الطوائف والاعراق في تناغم وانسجام وسمو حضاري.

بنفاذ بصيرة، لعل هذا الشاعر والمناضل العربي الكبير، ادرك بأن المناضل الأممي الحقيقي لا يكون ثوريا ما لم يكن انسانا وطنيا وقوميا جيدا، وبأن الوحدة العربية هي طريق المستقبل ودرب الحرية والتنمية والعدالة والكرامة، ولا تقوم إلا على وحدة مصالح ابنائها وطلائعها من الشباب والطلاب والعمال والفلاحين، وبأن وحدة المصالح لأبناء الامة الذين يدميهم الاحتلال والعدوان الصهيوني وينهشهم الاستغلال والفساد والاستبداد هي التي تنير درب الوحدة وبأنهم صناع الوحدة الفعليين وصناع الحرية.

سميح القاسم سابر اغوار الحقيقة، شاعر العروبة والمقاومة ، يمضي في ركب شهداء القدس وغزة والمقاومة مرفوع الهامة، كما تمنى لنا ان نمشي . وكما آمن بالعروبة، نقية في انسجام مع التاريخ والتقدم والازدهار ، خالية من الادران والمكائد والشوائب .. عروبة نقية على شاكلته، بقي حتى آخر لحظة في حياته ينبض قلبه بحب الناس، و يلهج لسانه بأن الحياة مقاومة... مؤمنا بأن الابناء والأحفاد سيدقون المسمار الأخيرفي نعش الصهيونية.________________________