عن الازمة البنيوية في أطر الحركة الوطنية الفلسطينية

حجم الخط

عن الازمة البنيوية في أطر الحركة الوطنية الفلسطينية بتياراتها المختلفة واستحقاق البديل الديمقراطي الآن وفورا......دعوة للحوار......

 

تجلى الاختلال التراكمي في موازين القوى، فلسطينياً على شكل أزمة بنيوية شاملة تضرب في كل اتجاه. وهكذا وجدت الحركة الوطنية الفلسطينية بتياراتها المختلفة نفسها، وعلى نحو مفاجئ، وجهاً لوجه أمام أزمة بنيوية طاحنة، رغم وضوح مقدمات الأزمة ومظاهرها الأولية. عبرت الأزمة عن ذاتها عملياً في حقائق أساسية سجلتها الوثيقة السياسية – الصادرة عن المؤتمر الوطني السادس للجبهة الشعبية كما يلي:

(1) استسلام القيادة الفلسطينية الرسمية التي ربطت خياراتها السياسية بالمشروع الأمريكي – الإسرائيلي ودخلت المفاوضات السياسية بروح وعقلية الواقعية المهزومة.

(2) أزمة قوى المعارضة، التي لم تتمكن من كبح اندفاعة القيادة الفلسطينية الرسمية، كما لم تستطع بناء ذاتها على أساس رؤية جديدة تشمل أدائها الفكري والسياسي والتنظيمي والجماهيري ارتباطاً بتحولات الصراع، فازدادت عزلتها وتراجعت مصداقيتها بعد ان عجزت او تراخت عن تفعيل البرنامج المطلبي الديمقراطي المعبر عن هموم وتطلعات جماهيرها.

ما تقدم،- كما تضيف الوثيقة - "يفرض استحقاق البديل الوطني الديمقراطي وشروط قيامه بصورة قسرية، حيث إننا أمام لوحة تحكمها تناقضات الصراع التاريخية والراهنة أو التي لا تزال في رحم المستقبل.لوحة تعبر عن شمولية الصراع وتاريخيته. صراع يديره التحالف الامبريالي الصهيوني والرجعي العربي، بكل ما يملك من قوة .

ما يعني أن طبيعة الصراع الموضوعية، والذي نجد انعكاساً له في استمرار مظاهر الصراع، واحتدام التناقضات مع العدو، تشير على أن الأزمة التي تعيشها الحركة الوطنية الفلسطينية، هي تعبير عن قصور وعجز العامل الذاتي عن الارتقاء برؤيته وأدائه وممارسته السياسية والفكرية إلى مستوى استحقاقات وشروط الصراع" .

"هنا تقع مكانة الحالة الديمقراطية في الساحة الفلسطينية والدور التاريخي الذي ينتظرها في هذه المرحلة الدقيقة حيث سيتقرر غير شأن مصيري ، وتملأ المساحة الفارغة التي ما زالت تنتظر إطارها التاريخي، القادر على تقديم الرؤية وتقدير اللحظة والدور والمكانة ومؤهل ليعبر عنهما .

في ضوء المعنى الدقيق المشار إليه، يمكن قراءة التحديات والأسئلة الكبرى التي تواجه البديل الوطني الديمقراطي، واستنتاج أننا أمام عملية عميقة وشاملة تستدعي القطع الجدي مع الفكر السائد، الذي يحصر مفهوم البديل الديمقراطي في وحدة بعض الفصائل الديمقراطية الفلسطينية. تكمن معضلة هذا الفكر في أنه لا يذهب بالمسائل إلى جذورها، بل يعيد إلى إنتاج الأزمة، لأنه يعود إلى نفس الذهنية والمفاهيم السياسية التي قادت إلى الأزمة .

تأسيساً على هذا الفهم، يصبح بالإمكان قراءة تجربة التيار الديمقراطي في الساحة الفلسطينية، وتحديد جذور إخفاقاته وفشله التي تعود في جوهرها إلى تراجعه التراكمي عن تأدية دوره ووظيفته كبديل وطني ديمقراطي بما يمثله من رؤية سياسية واجتماعية وفكرية وتأدية دوره ووظيفته كبديل وطني ديمقراطي تاريخي لليمين الفلسطيني بشقيه الليبرالي الرث والاسلام السياسي، تتجاوز حدود هذا التيار، لتصيب في النهاية الشعب الفلسطيني الذي فقد، بسبب إخفاق وعجز التيار الديمقراطي عن تأدية دوره ووظيفته كبديل تاريخي، عنصر التوازن المطلوب في حياته السياسية، تاركاً الفرصة لذهنية التفرد والهيمنة والهبوط في مستوى معايير الأداء ربطاً بغياب الرقيب – المنافس – البديل...الخ .

وبالتالي فإن الحديث عن البديل الوطني الديمقراطي يفقد علميته ومنطقه حين يبتذل إلى مستوى النظر لكارثة أوسلو، والتعامل معها وكأنها نتيجة نهائية أو خيار وحيد ممكن لحركة الصراع الفلسطيني – الصهيوني، وبالتالي التأسيس عليها وكأنها منصة الانطلاق لأية مهام قادمة .

إن البديل المطلوب، لا بد وأن يكون من خارج أوسلو، لأن غير ذلك يضع النضال الوطني الفلسطيني ضمن دينامية سياسية اجتماعية في منتهى الخطورة، بحكم القيود والهيمنة التي كرستها "إسرائيل "في الاتفاقات الموقعة وما تفرضه من وقائع مادية ميدانية، الأمر الذي يتيح لها تكريس مصالحها كإطار مرجعي يمكنها من استخدام عناصر تفوقها لتعزيز إنجازاتها من جانب، وقطع الطريق على محاولات النهوض الوطني الفلسطيني من جانب آخر.

بناء على ما تقدم، "فإن مفهوم البديل الوطني الديمقراطي يعني رؤية الواقع ومستجداته وحركته، لخدمة الرؤية الشاملة للصراع الوطني التحرري والاجتماعي الديمقراطي. بهذا المعنى، تتضح فكرة القطع مع أوسلو كمنهج وخيار التصرف تجاهه كواقع معطى" .

هكذا تستقيم المعادلة وتنسجم- كما تؤكد الوثيقة -، حيث يتجسد البديل كعملية سياسية - اجتماعية – اقتصادية – ثقافية – كفاحية نقيضه لكل من المشروع المعادي، والفكر اليومي العاجز لليمين الفلسطيني.

يستدعي هذا الواقع من كافة القوى اليسارية والديمقراطية"العمل لتخطي الخلل، الذي حكم ممارسة المعارضة السياسية، إلى دور الرافعة وحامل مشروع "البديل الوطني الديمقراطي". بما هو تعبير عن مشروع وطني تحرري اجتماعي ديمقراطي إيجابي في جوهره ومظهره.

وبالتالي فإن تخطي الأزمة التي تعاني منها القوى الديمقراطية الفلسطينية، مشروط بقدرتها على إعادة بناء ذاتها، وفق استحقاقات البديل الوطني الديمقراطي، والانتقال بالعملية من المستوى الفصائلي الضيق إلى المستوى الوطني الشامل، ومن المستوى التنظيمي المحدود إلى مستوى فهمها كعملية بنائية ترتقي عبرها القوى الديمقراطية أو التيار الديمقراطي من مستوى الفعل المحدود لبعض القوى السياسية والشخصيات الاجتماعية إلى مستوى الحالة الديمقراطية الشاملة لعموم الشعب الفلسطيني، التي بدونها يستحيل ترجمة مفهوم البديل الوطني الديمقراطي .