ذاكرة الأسر مع الأسير المحرّر سامر أبو سير

حجم الخط
بطاقة الأسير: * الإسم :سامر إبراهيم داوود أبو سير . * مواليد: البلدة القديمة بالقدس في : 27/ 3 /1965 . * التحق بالثورة من خلال المجموعات العسكرية التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في القدس، قبل أن يُتمّ العشرين من العمر. * اعتقِل أوائل العام 1988 بتهمة تنفيذ عمليات فدائية في القدس، وحكم عليه بالسجن المؤبّد، قضى منها 24 عاماً متواصلة في سجون الاحتلال الصهيوني. س- متى تمّ اعتقالك، وأين وكيف ؟ ج. قبل اعتقالي، نفذّنا أنا ومجموعتي عمليتين فدائيتين في القدس: الأولى عبر طعن اثنين من المستوطنين، والثانية عبر قتل جندي. على إثر ذلك اعتقلتني قوّات الاحتلال بداية العام 88، وحكِمت بالسجن مدى الحياة. وقد تمّ اعتقالي ليلة 21/1/88 من منزل أسرتي في شعفاط؛ جرى بعدها اقتيادي إلى مركز تحقيق المسكوبية. وهناك تعرّضت لتحقيقٍ قاسٍ استمرّ ما يقارب العشرين يوماً، واجهت خلالها تعذيباً جسدياً ونفسياً عنيفاً. بعدها عرِضت عليّ لائحة التهم المنسوبة إليّ! وفترة التحقيق هذه هي من المراحل التي لا أنساها أبداً، إذ تعرّضت لتعذيبٍ قاسٍ كما أسلفت. وكما هو معلوم، فإن الاحتلال يهدف من وراء عملية التعذيب خلال التحقيق إلى عزل الأسير عن محيطه النضالي لإعلاء "الأنا" لديه، ودفعه للتفكير في الحلول الفردية التي يكون أوّلها الاعتراف لينجو بنفسه من جحيم التحقيق؛ وهذا خطأ فادح. والصواب أن يظلّ الأسير جزءاً من الجماعة ولا يفصل نفسه عنها، لأنه مجرّد تفكيره في ذاتيّته يدفعه للسقوط في وحل الاعتراف. س- هلاّ قسّمت لنا رحلة اعتقالك على مراحل زمنية محدّدة؟ ج-بدأت رحلة اعتقالي في أقسام التحقيق، كما أسلفت. لكم بعدها احتُجزت في توقيف سجن الرّملة لثلاثة أشهر بانتظار المحكمة التي أصدرت حكمها عليّ بالسجن المؤبّد غيابياً، كوني كنت محتجزاً في غرف الانتظار بعد طردي من المحكمة، لأنني رفضت الوقوف أمام هيئتها، وسجّلت عدم اعترافي بشرعيّتها. س-كيف بلّغت بنبأ حكمك بالسجن المؤبّد، وكيف استقبلته؟ ج-بلّغت بقرار المحكمة من قِبل المحامية المتضامنة مع الشعب الفلسطيني ليئا تسيمل، التي كانت محامية الجبهة الشعبية تقريباً في تلك الفترة. ورغم قساوة الحكم، إلاّ أنني وأبناء مجموعتي استقبلناه بتحدٍ وصمود بعدها، نُقِلنا إلى السجن. س- حدّثنا عن بدايات رحلتك الاعتقالية؛ بمعني كيف استطاع سامر، الطالب القادم من الحياة العامّة، التأقلم مع حياة السجن، مع كلّ ما تحمله من خصوصية؟ ج-الانتقال من الحياة الطبيعية بأشكالها الاجتماعية المعتادة إلى حياة السجن، بما تعنيه من عزلةٍ ومصادرةٍ للحرّية وظروفٍ لا إنسانيةٍ وتعايشٍ مع شخوصٍ تتعرّف عليهم لأوّل مرّة؛ كلّ هذا يجعل المرحلة الانتقالية في حياة الأسير غاية في الصعوبة وقد ساعدتني منظمات الجبهة في السجون التي كانت راقية جداً، وتضمّ كوادر أكاديمية وكوادر ماهرة في تقديم الخدمة الاجتماعية والنفسية، ساعدتني على اجتياز المرحلة الانتقالية بشكلٍ إيجابي ما أسهم في الارتقاء بذاتي وتطويرها. وهذا ما يحدث مع كلّ الأسرى. س- في أيّ السجون عشت تلك المرحلة؟ ج- قضيت في سجن المجدل (عسقلان) ثلاث سنوات بعد الحكم عليّ مباشرة. س: كيف كانت أجواء السجن في تلك الفترة؟ ج: تزامنت تلك الفترة مع بدايات الانتفاضة الأولى. وبالتالي، كانت أجواء السجن انتفاضية بكلّ معنى الكلمة، لدرجة أننا كأسرى كنّا نلتزم بكلّ قرارات قيادة الانتفاضة في الأرض المحتلة ( القيادة الوطنية الموحّدة) ، من حيث تنظيم الإضرابات والاعتصامات ومقاطعة البضائع الإسرائيلية، وغيرها من القرارات. س-كيف استقبلتم الانتفاضة الأولى في بداية تبلورها، وما هو سقف التوقّعات الذي رسمتموه لها؟ ج- لقد قرأنا الانتفاضة بأنها هبّة شعبية أو تمرّد جماهيري. وكنّا نراهن على أن تستثمرها القيادة الفلسطينية بشكلٍ إيجابيٍ يتناسب مع حجم الدماء التي أريقت خلالها. وقد ضغطنا في مرحلةٍ لاحقةٍ على القيادة الرسمية كي لا تضيّع هذه التضحيات في حلٍ سياسيٍ لا يتناسب وحجمها. س: هذا بالمعني الوطني العام؛ ولكن، ماذا شكّلت الانتفاضة للأسير على الصعيد الشخصي؟ لأنّ الانتفاضة أتت كهبّةٍ جماهيريةٍ عفوية، وغير مرتبطةٍ بقراراتٍ تنظيميةٍ رسمية، فهي أسهمت بشكلٍ كبيرٍ في زيادة ثقة الأسرى بالجماهير وقدرتها على التغيير وعزّزت بالطبع صمودنا وتحدّينا لإدارات السجون، ما دفعنا لخوض مواجهاتٍ مباشرةٍ في أكثر من مرّة معها. كما رسّخت الانتفاضة إيماننا بعدالة القضية الفلسطينية وحتميّة انتصارها. س-ما هي أهمّ المفاصل خلال حياتك الاعتقالية؟ ج-أهمّ المفاصل خلال حياتي الاعتقالية كانت المرحلة الأولى، التي يمكن تسميتها بمرحلة الاستقبال للواقع الجديد، والتي امتدّت معي لما يقارب 6 أو 7 شهور حتّى أدركت أننّي في السجن، حيث حياتي الجديدة التي يجب أن أعيشها وأحافظ على ذاتي وأنمّيها في انتظار أن تتمكّن الثورة من تحريري. بعد مرور تلك المرحلة، بدأت بإعداد ذاتي وصقلها. وقد امتدّت هذه المرحلة من ثلاث إلى ستّ سنوات؛ بعدها، بتّ معتمداً على نفسي، ومصنّفاً من قيادات الجبهة داخل الأسر. وما ساعدني على اجتياز هذه المرحلة هي الحياة أو الروح الجماعية لمنظّماتنا في سجون الاحتلال. بعد ذلك، تراوحت حياتي بين الاعتماد على النفس وعلى المجموع الاعتقالي المغروس في الذات. وقد تجلّى هذا في نهاية العام 91 وبداية العام 92، حين خضعت للعزل الانفرادي لأوّل مرّةٍ لمدّة ستّة شهورٍ متتالية، كنت أشعر خلالها أن رفاقي يعيشون داخلي وأنني أعيش معهم رغم الفصل بيننا، وهو ما أسهم في خروجي منتصراً من هذه المعركة، ومدرِكاً جدوى ما غرسه رفاقي في نفسي خلال فترة إعداد الذات التي تحدّثت عنها. وبشكلٍ عام، بعد انقضاء تلك الفترة، بتّ قادراً على العيش في أيّ سجن، ممتثلاً للمبادئ والقِيم التي غرِست في داخلي حول التعامل مع المحيط الحزبي أو المحيط الوطني العام. مفصلٌ آخر مهم في حياتي أتى بعد مرحلة الإعداد، وتمثّل في المساهمة في بناء وتقوية منظّمات الجبهة في الأسر. وقد شكّل ذلك تجربة فريدة بالنسبة لي لاكتشاف الملكات الموجودة في داخلي، والتي استطاع رفاقي اكتشافها وتطويرها. ومن المفاصل الهامّة أيضاً: تجارب الاضراب عن الطعام التي شاركت فيها (الاضرابات الاستراتيجية التي تمتدّ لأسابيع )؛ وقد بلغ مجموعها خلال حياتي الاعتقالية 7 إضرابات، تراوحت مُددها من 15 يوم إلى 22؛ وكان أولها إضراب سجن نفحة عام 91، استمرّ 16 يوماً. وفي تلك الفترة، كانت السجناء ينفّذون إضراباتٍ منفردة كل سجنٍ منفردٍ عن باقي السجون؛ حتّى العام 92 ، حيث برزت ضرورة أن تكون الإضرابات عامّة، وتشمل كلّ السجون، لزيادة الضغوط على الاحتلال ولرفع وتائر التأثير على الرأي العام، داخلياً وخارجياً. والإضراب بشكلٍ عامٍ هو معركة، يؤكّد خلالها الأسير الأعزل قدرته على الصمود و الاستغناء عن المقوّمات الأساسية للحياة لفترةٍ ليست بالقصيرة، وحتّى تتغيّر ظروف حياته لتصبح أكثر إنسانية. س- حياة السجن تعجّ بالمواقف الإنسانية؛ اذكر لنا أهمّ هذه المواقف من خلال تجربتك الخاصّة. ج-كثيرة هي المواقف الإنسانية التي عشتها أو شهدتها في السجون، وأبرزها حالات التضامن العامّة من قِبل الأسرى مع أيّ أسيرٍ يمرّ بظروفٍ صعبة، كوفاة أحد أعزائه وغيرها. وبما أن السجن هو امتدادٌ للحياة في الخارج، ولكن بخصوصيّةٍ معيّنة، فإن هذه الخصوصيّة قد تخلق أزمات؛ إذ تجد على سبيل المثال نماذج من الأسرى الذين لا يستطيعون التعايش مع الحياة الصعبة في السجن؛ وبالتالي يدخلون في أزماتٍ نفسيةٍ وحالات انهيارٍ حادّة. وهنا تجد الاهتمام والرعاية المباشرة من قِبل الأسرى لأيّ أسيرٍ يمرّ بهكذا ظروف. ومن المواقف الإنسانية الأخرى أنك تكتشف نماذج من الأسرى البسطاء من ناحية الوعي والثقافة، ما يحتّم عليك أن تحيطهم بالعناية والرعاية، لأن على من يدّعي الوعي استيعاب الآخرين بالشكل الإيجابي. وقد استفدنا كثيراً من حياة السجن في هذا الجانب، بحكم عملية البناء المتواصل للذات وبما اكتسبناه وراكمناه خلال فترة الاعتقال الطويلة، ما أسهم في تكوين قدراتٍ اجتماعيةٍ ونفسيةٍ عالجت العديد من مشاكل الأسرى بإمكانيّاتٍ محدودة. وهنا يجب أن نسجّل أن من يدخل السجن يفاجئ بنماذج من الأسرى الذين أمضوا فتراتٍ طويلة في السجون، ولكنّ ثقافتهم ظلّت محدودة، بينما قدراتهم النفسية والاجتماعية تفوق أكاديميين مختصين، لأنهم "عاركوا" النفس البشرية واحتكّوا بها عن قربٍ لفتراتٍ طويلة. ولك أن تتخيّل ما يحصّله أسيرٌ من خبراتٍ عن محيطه الذي يعيش معه بين أربعة جدران، لعشرة أعوام أو عشرين عاماً. ومن المواقف المؤثّرة الأخرى التي واجهتها خلال تجربتي، حالات الاستشهاد التي كانت تسجّل في صفوف الأسرى، ولعلّ أبرزها استشهاد الرفيق القائد عمر القاسم، الذي كان يشغل عضويّة اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية، وكان نموذجاً للمثقّف والمناضل الثوري في عنفوانه ورقيّه، وهو حالة خاصّة ونادرة من الحالات التي عايشتها وتأثّرت بها. لذا، كان نبأ استشهاده صعباً على الحركة الأسيرة بشكلٍ عام، وعليّ بشكلٍ خاصّ، لأنني كنت أرى فيه نموذجاً وقدوة. وقد ترك باستشهاده فراغاً كبيراً في حياتي وفي الحركة الأسيرة عموماً. حالةٌ أخرى، هي استشهاد المناضل حسين عبيدات، من أسرى بيت لحم. وهو استشهد في إضراب عام 1992 في سجن عسقلان؛ وتحديداً في اليوم الذي انتهى فيه الإضراب. وقد أثر استشهاده عليّ بشكلٍ كبير. س- اتفاقيات أوسلو سجّل عليها من ضمن ما سجّل، إهمالها لقضية الأسرى. ماذا شكّلت هذه الاتفاقيات بالنسبة لكم؟ ج- اتفاقية أوسلو هي طعنة ٌمن الخلف، وخيانة لملفّ الحركة الأسيرة، وقد كانت حالاتنا النفسية سيّئة جداً خلال فترة توقيعها. ونحن لم نستطع استيعابها أو قبول نتائجها، لأننا كأسرى كنّا نرى أن الاستثمار السياسي للانتفاضة الشعبية يجب أن يكون بمستوى التضحيات والدماء التي أريقت فيها. لكنّنا، للأسف الشديد صُعِقنا بالمولود المسخ الذي تمخّضت عنه، و سمّي اتفاق أوسلو، و أضاع الكثير من الحقوق، وعلى رأسها ملفّ الأسرى الذين كانوا ضحايا المفاوِض الفلسطيني الذي أبرم هذا الاتفاق. لذا، أقول إن المفاوض الفلسطيني يتحمّل مسؤولية بقائنا في سجون الاحتلال، منذ توقيع الاتفاقية عام 1993 وحتّى عام 2011 . س- بعد نكسة "أوسلو"، ماذا شكّلت الانتفاضة الثانية بالنسبة لكم؟ ج-في البداية، لم نستطع فهم الانتفاضة الثانية، ونظرنا إليها على أنها حالةٌ سياسيةٌ متّفقٌ عليها، وهي ستستمرّ إلى مرحلةٍ معينةٍ تنتهي بالتوقيع على "كامب ديفيد" أو أيّ اتفاقٍ آخر مع دولة الاحتلال. وكان هذا تفسيراً خاطئاً من قبلنا. س-متى تغيّرت هذه النظرة، حيث صرتم تقرؤون الانتفاضة بأنها ثورةٌ شعبية، وتطوّرٌ ورقيٌ للنضال الوطني الفلسطيني ضدّ الاحتلال؟ ج- خلال العام الأوّل من اشتعال الانتفاضة الثانية، بدأت الحركة الأسيرة تدرك أن ما يجري ليس مؤامرة؛ بل انتفاضةٌ حقيقيةٌ بكلّ معنى الكلمة؛ ولكنّها تختلف عن سابقاتها بأنها مسلّحة. س-في حينها، هل رأيتم في تسلّح الانتفاضة أمراً سلبياً أم إيجابياً؟ ج-لتسليح الانتفاضة منحيان: منحي إيجابي، وآخر سلبي. -المنحى أو الشقّ الإيجابي لتسليح الانتفاضة، تمثّل في وجوب تطوير وترقية النضال الوطني الفلسطيني ليصل إلي مستوىً يمكّنه من مجابهة العدوّ وإلحاق الخسائر الكبيرة به، والتي ستؤدّي حتماً لاندحاره. وبشكلٍ عام، كان التأثير إيجابياً، وفي سياق حركة التاريخ والتطوّر الطبيعي لشعبنا ولمسيرة نضاله. -أمّا الشقّ السلبي، فهو أن تسليح الانتفاضة جاء في ظلّ وجود قيادةٍ فلسطينيةٍ رسميةٍ غير حكيمة، وغير قادرةٍ على استثمار هذه الحالة بالمعنى السياسي، على عكس قيادة الانتفاضة الأولى ( القيادة الوطنية الموحّدة) التي نظّمت فعاليّات وحركة الانتفاضة في حينه. و بالمجمل، فإن أيّ حالةٍ ثوريةٍ في العالم تنجح إذاما استندت إلى ثلاثة أسسٍ قويّة (البرنامج/الإرادة/ وحدة العمل). فالشعوب لا تعرف حدوداً أو نهاية لعطائها وتضحياتها وهي قادرةٌ دوماً على تقديم المزيد من التضحيات، شريطة وجود قيادةٍ تستطيع تنظيم الحالة الانتفاضية، سواء كانت جماهيرية أم عسكرية، بالشكل الذي يؤدّي لاستثمارها سياسياً بشكلٍ يتناسب وجحم التضحيات. س- هل لك أن تذكر لنا شخصيات أثّرت في سامر أبو سير، المناضل والأسير وأسهمت في تعزيز صموده؟ ج-العديد من الشخصيات، على مستوىً وطني أو عربي أو عالمي، أثّرت في حياتي قبل الاعتقال وخلاله؛ إضافة إلى التجربة الإنسانية الجماعية للأسرى بشكلٍ عام، وتحديداً من اهتمّوا بي في بدايات اعتقالي. وإن أردت أن أذكر أسماء، فهناك الشهيد الرمز د. جورج حبش؛ القائد الشهيد أبو علي مصطفى، وآخرون من رفاقي في الجبهة الشعبية؛ وأيضاً، الشهيدان فتحي الشقاقي وعبد العزيز الرنتيسي من الشخصيات التي كان لها تأثيرٌ خاصٌ جداً عليّ. س- كيف قرأتم أسر جلعاد شاليط من قِبل المقاومة؟ ج- أسر هذا الجندي الصهيوني ردّ الروح إلى جسد الحركة الأسيرة، وأعاد تدفق الدم في عروقها، وأدخلها في رحلة انتظارٍ وتتبّعٍ وتحليلٍ لجولات التفاوض حول إطلاق؛ سواء كان ذلك على مستوىً تنظيميٍ داخليّ أو على مستوى الحركة الأسيرة بشكلٍ عام. وأنا أذكر أننا كأسرى، وعلى مدار الفترة الممتدّة منذ أسر شاليط وحتّى إتمام صفقة التبادل، كنّا نتناقش يومياً في هذا الموضوع بأشكالٍ مختلفة: من تحليلٍ لخبرٍ تناقلته وسائل الإعلام، أو بحثٍ مستفيضٍ في معلومةٍ وردت من هنا أو هناك. س: هل كنت تتوقّع أن تكون من بين المحرّرين في صفقة التبادل الأخيرة؟ ج-لم أكن أتوقّع ذلك مطلقاً، كوني من سكّان القدس، وحملة ما يسمّى بالهوية الإسرائيلية. وقد اعتدنا كأسرى نندرج تحت هذا التصنيف أن ترفض دولة الاحتلال الحديث عنّا في أيّ وضعٍ له علاقة بصفقات التبادل أو الإفراجات، لدرجة أنني أبلغت أهلي أكثر من مرّة بأنني لن أكون ضمن هذه الصفقة. وعلى الرّغم من ذلك، أنا تحمّست لأسر شاليط، وسعدتُ جدّاً لإبرام صفقة التبادل، مع يقيني بأنّني لست جزءً منها ولكنّني بكلّ الأحوال كنت أرى أنه يتوجّب على المفاوِض الفلسطيني في هذا المجال أن يستفيد من أخطاء من سبقوه ممن استثنوا أسرى القدس والداخل من صفقات التبادل السابقة وكنت أتمنّى أن ينجح المفاوض هذا في كسر المعايير الصهيونية، ولو بمعايير محدّدة وهذا ما تمّ فعلاً. س- متى تناهى إليك العلم بأنك ستكون من ضمن الأسرى المحرّرين في صفقة التبادل؟ ج- يوم الأحد، في 16/10/2011، وقبل تحرّري بـ 48 ساعة، حضر مدير السجن إلى قسم عزل أوهيلي كيدار، في الذي كُنت معتقلاً فيه (كنت معزولاً في تلك الفترة أنا وكلّ أسرى الجبهة الشعبية، لأننا كنّا مضربين عن الطعام)، وقال: يوم غدٍ سنجمع الأسرى المشمولين في الصفقة. وبالفعل، عند بدء جمع الأسرى، فوجئت بأنهم ينادونني باسمي. طبعاً، استقبلت ذلك بارتباك لأنني كنت منهكاً بفعل الإضراب عن الطعام الذي استمرّ لأكثر من 20 يوماً، ولأننّي سأخرج من السجن وأترك أجزاء من روحي داخله، وهي تخوض معركة إضرابٍ عن الطعام. كما أنّني قابلت الموضوع كلّه بنوعٍ من الشكّ، لأن دولة الاحتلال أعادت في الصفقات الماضية أسرى من حملة ما يسمّى بالهوية الإسرائيلية إلى السجون في اللحظات الأخيرة قبل إتمام عملية التبادل! أما عن تفاصيل تحرّري، فكانت كالتالي : بعد إبلاغنا أنّنا مشمولون في الصفقة، نقلوني أنا وبعض من كان معي في القسم إلى سجن إيشل، وفيه قابلت كوادر من أسرى حركة حماس، وأبلغوني أنني من ضمن المبعدين إلى تركيا. وطبعاً، أنا فوجئت بالإبعاد، كوني أمضيت فترة طويلة في السجن، وما زلت متألّماً من هذا الأمر؛ وأعتقد أن كلّ الأسرى المبعدين هم في مثل حالتي. بعد ذلك، وقبل إطلاق سراحنا بيوم، نقلونا إلى سجن النقب؛ وهناك، حضرت ممثّلة عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وأبلغتني أنني مبعدٌ إلى قطاع غزّة مؤقّتاً، وحتّى استقرار وضعي، حيث يمكن بعدها إبعادي إلى مكانٍ آخر. بعدها، نُقِلنا في حافلات مصلحة السجون الصهيونية إلى المصري. وبعد نزولنا، وقبل دخول الباصات التي ستنقلنا إلى غزّة، حضر ممثّلو الصليب الأحمر مرّة أخرى، وسلموا كلّ أسيرٍ من الأسرى المبعدين ورقة فيها شروط إبعاده. وجاء في ورقتي أنني مبعدٌ إلى غزّة، من دون تحديد سقفٍ زمنيٍ أو مدّة للإبعاد؛ إضافة إلى شروطٍ يجب الالتزام بها للعودة إلى مسقط رأسي، أهمّها عدم الاشتراك في أيّ عملٍ تنظيميٍ أو حتّى نشاطٍ إنساني. وبعدها، يمكن التقدّم بطلب العودة إلى لجنةٍ لم تحدّد في الورقة لتقوم بدراسته! س- ما أبرز ما لفت نظرك فور دخولك إلى قطاع غزّة؟ ج- أوّل ما لفت نظري فور دخولي غزّة هو بحر الجماهير التي خرجت لاستقبالنا، لأننّي في الحقيقة لم أكن أتوقّع أن يكون استقبالنا بهذا الشكل العظيم. *هل مازلت ترى في غزّة مكان إبعاد؟ ج-أنا تحرّرت إلى موطني، وليس إلى منطقٍة غريبة. فغزّة كالقدس، والقدس كغزّة، هذا بالمعنى الوطني. أمّا إن قسنا الأمور كما يراها الاحتلال، فنحن تعرّضنا لإبعادٍ ظالم، سنناضل بكلّ الطرق من أجل كسره وإنهائه. س-أخيراً، ماذا تقول للشهيدين محمّد فروانة وحامد الرنتيسي اللذين استشهدا في عملية أسر شاليط، وماذا تقول للمقاومة عموماًّ؟ للشهيدين أقول: سلمت أياديكم؛ فبفضلكم، ومن خلال عمليتكم الرائعة، تحرّرنا من الأسر، وخفّت معاناة جزءٍ هامٍ من أبناء شعبنا. ونأمل نستفيد من تجربتكم من أجل تحرير باقي أسرانا ومعتقلينا. وللمقاومة العظيمة أقول : إن طريق تحرير الأسرى بات واضحاً؛ فعدوّنا لا يمكن التعاطي معه بالاستجداء أو الاستعطاف. وللأسرى الأبطال أقول: من الآن إلى أن تتحرّروا، يجب عليكم تطوير جسمكم النضالي لتكونوا حقاً طليعة شعبكم؛ وأنتم قادرون على ذلك وتستحقّونه بامتياز. أجرى الحوار: عمار علي لمركز باحث