إذ تستبعد إسرائيل خيار التسويات السياسية

حجم الخط
رغم، بل، وبفضل، وبفعلِ، وتعبيراً عن، عنجهية قادة إسرائيل، وتصلُّبِ مواقفهم، وتوسعية وعدوانية نظامهم السياسي، لا تجاه فلسطين وحسب، بل، وتجاه محيطها العربي، وغير العربي، أيضاً، تعيش إسرائيل، ايدولوجيا وسياسياً وأمنياً وعسكرياً، حالة قلقٍ وتوترٍ وحيرةٍ وارتباكٍ وعدم يقينٍ، تعكس ما نشأ لها من تحديات إقليمية إستراتيجية جديدة، أنتجتها تحولات المنطقة العاصفة، وأضيفت إلى، وتداخلت مع، تحديات سابقة، جوهرها، ومُفَجِّرها الأساس، الصراع السياسي المفتوح مع الفلسطينيين، كصراع يتعذر على الحلول الأمنية والعسكرية حسمه، وإلا لما دام لقرنٍ، شهد خلاله ما لا يحصى من التقلبات في الوتيرة والأشكال والطرائق والأساليب والجهات المشاركة والمنخرطة فيه، بشكل مباشر أو غير مباشر، واستعمالا وتوظيفاً، أو عن قناعةٍ أصيلةٍ بعدالة القضية الفلسطينية وشرعيتها، بحسبان أنها، فعلاً وحقاً، جوهر الصراع العربي الإسرائيلي، الذي لا حلَّ أو تسوية دائمة له، من دون إيجاد حلٍ أو تسوية متوازنة، حتى لا نقول عادلة، لهذه القضية. في مواجهة هذه التحديات المستجدة، قرر قادة إسرائيل تسوير دولتهم بجدارين عازلين على طول الحدود مع مصر والأردن، وآخر، (قابل للتمدد)، على طول المنطقة الممتدة بين المطلة الفلسطينية وكفر كلا اللبنانية، علماً أن إحاطة إسرائيل بالجدران العازلة ليست فكرة جديدة، ولا تنطلق من دواعٍ أمنية، كما يدعي قادتها، بل، هي فكرة صهيونية عنصرية قديمة، أسس لها قبل قيام إسرائيل زئيف جابوتنسكي، الأب الروحي الملهم لحزب الليكود. فقد طلب اللوبي الصهيوني، (عام 1937)، من الخبير البريطاني تشارلز بتهارت وضعَ خطة لإقامة جدار على طول محاور الطرق الرئيسية من الحدود اللبنانية في الشمال وحتى بئر السبع، وتم تنفيذ المرحلة الأولى للخطة ببناء جدار بطول 80 كم من طبريا وصولاً إلى رأس الناقورة، لكن سكان القرى العرب قاموا بهدمه، بينما اقترح جابوتنسكي في بداية أربعينيات القرن الماضي إقامة ما سمَّاه بـ"الحائط الحديدي"، منطلقاً من أن الفلسطينيين، كأي شعب آخر، سيقاومون، ولن يتنازلوا طواعية عن أرضهم، وأن لا مناص من إقامة "حائط حديدي" حول المستوطنات اليهودية، والاستمرار في البطش بالفلسطينيين إلى أن يقتنعوا بأنه لا مفر من التنازل عن أرضهم. وجنباً إلى جنب مع الشروع في بناء هذه الجدران العازلة على طول تخوم فلسطين، ناهيك عن بناء جدار الفصل والتوسع في الضفة الغربية، والتكثيف المسعور لعمليات الاستيطان والتهويد فيها، وخاصة في القدس، تتوالى تصريحات قادة إسرائيل، السياسيين والأمنيين والعسكريين، الذين، وإن اختلفوا في أشكال التعبير، تبعاً لاختصاص، ومستوى صلاحيات ومسؤوليات، ووظيفة تصريح، كلٍ منهم، إلا أن ثمة خيط جامع لمضمون هذه التصريحات، يتمثل في إصرارهم جميعاً على التمسك بخيار التوسع والعدوان والحلول الأمنية والعسكرية، واستبعاد خيار الحلول السياسية المتوازنة، لمعالجة ما يواجهونه من تحديات، سواء على صعيد تحديهم الأساس مع الفلسطينيين، أو على صعيد تحدياتهم، القديمة والجديدة، مع دول المنطقة وقواها، عربية، وغير عربية. في إطار هذه التصريحات كان لافتاً تصريح رئيس هيئة الأركان للجيش الإسرائيلي، بيني غانتس، بالقول إن الجيش الإسرائيلي، قادر على تكرار سيناريو هزيمة العرب في حرب عام 1967، مشبهاً التحديات الراهنة لإسرائيل بتلك التي سبقت تلك الحرب. هذا تصريح خطير وذو مغزى كبير، سواء لجهة ما يشي به من تشخيصٍ لمستوى وطبيعة التحديات الإسرائيلية وكيفية التفكير القيادي الإسرائيلي لمعالجتها، أو لجهة ما يوحي به من خططٍ أمنية وعسكرية عملياتية، يخطئ كلُّ من يعتقد أن طابعها الإستراتيجي، لا يحتم على قادة إسرائيل، تنسيقها، ترتيباً وتوقيتاً وإعداداً واستعداداً، مع الدول الغربية عموماً، ومع الولايات المتحدة تحديداً، بحسبان أنها الحليف الأكثر إستراتيجية وثباتاً لإسرائيل. أجل، يشير هذا التصريح لرئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، بكل ما يشي به ويكشف عنه من توجهات سياسية، ناهيك عن تصريحات مشابهة للعديد من القادة الإسرائيليين، إلى أن الراهن السياسي لإسرائيل، يدفعها، فعلاً، إلى مواجهة تحدياتها بحرب إستراتيجية، يرى كثيرون أنها تجري إليها، ما دام قادتها يرفضون خيار التسويات السياسية، ويدفعها أيضاً إلى حثِّ الولايات المتحدة، مع حلفائها وتوابعها، دولياً وإقليمياً، لتغطية ودعم مثل هذه الحرب، في حال كانت ضد غزة أو لبنان، (مثلاً)، وإلى حث الولايات المتحدة واستعجالها، للدخول طرفاً أساسياً فيها، في حال كانت حرباً إقليمية واسعة تبدأ ضد إيران، وتتسع لتشمل كل مَن يساندها أو يقف معها، من دول المنطقة وقواها. وهذا ما يستدعي قراءة دقيقة لوظيفة اللقاءات العسكرية والأمنية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة وأهدافها، وآخرها ما سيتم خلال الزيارة التي سيقوم بها لإسرائيل، (غداً الخميس)، رئيس هيئة الأركان العامة للجيوش الأمريكية، التي يشاع بأنها تهدف إلى إقناع إسرائيل بعدم مهاجمة إيران، فيما هي محطة أخرى من محطات التنسيق العسكري والأمني الإستراتيجي المشترك، خاصة وأنه سيعقبها خلال الأسبوع القادم، اجتماع مشترك لرؤساء هيئة أركان جيوش حلف الناتو، بحضور رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، وأنها تأتي بعد تصعيد لوتيرة الحرب السرية، وتصعيد سياسي غير مسبوق للولايات المتحدة وحلفائها، ضد إيران، تمثل في التلويح جدياً بخنقها اقتصاديا، عبر فرضِ حظرٍ على بنكها المركزي وصادراتها النفطية، فيما هددت إيران بدورها باللجوء إلى استخدام أكثر أوراقها فعالية، أي إغلاق مضيق هرمز، الذي يربط أكبر خزان نفطي بالسوق العالمية، ويمر عبره 40% من تجارة النفط الدولية. إزاء هذه الممارسات التوسعية والعدوانية الإسرائيلية على الأرض، وإزاء ما تعج به تصريحات قادة إسرائيل من عنجهية بادية، تعكس ما يعيشونه من قلقٍ وتوترٍ وارتباكٍ، يصبح من غير المهم الانشغال في هوامش التهديدات الإسرائيلية، من قبيل الوقوف على مقدار ما فيها من تهويل، أو من قبيل الإجابة على سؤال: متى وأين وكيف سينفذ قادة إسرائيل تهديداتهم؟؟ بل، يصبح المهم والحالة هذه، هو التيقن من أن قادة إسرائيل، قد قرروا استمرار استبعاد مواجهة التحديات، القديمة منها والمستجدة، بخيار التسويات السياسية، ما يعني فتح الباب واسعاً، أمام تقدُّم خيارهم الأمني والعسكري المعهود، بمعزل عن متى وأين وكيف ستتم ترجماته العملية، بل، ويعني أنهم قرروا حث الولايات المتحدة وحلفائها وتوابعها على تبني هذا الخيار، وتسريع اللجوء إليه، في معالجة مستجدات المنطقة، بمعزل عن موافقتهم على ضرورة استباق اللجوء إليه، بتشديد إجراءات العزل السياسي والعقوبات الاقتصادية، ورفعِ وتيرتها، لا ضد إيران فقط، بل، وضد سوريا والفلسطينيين واللبنانيين، وكل من يمكن أن يساندهم، أيضاً. وهذا ما كثفه نتنياهو في حديثه عن التطورات الجارية في المنطقة، في آخر اجتماع للجنة الخارجية والأمن للكنيست بالقول: "إنه ثبت أن إتباع جانب الحذر كان صواباً، وأن الأوضاع متفجرة، وأن ما كان في عهد مبارك والسادات لن يكون". و"إنه طالما لم تُفرض عقوبات على البنك المركزي والصناعات النفطية الإيرانية، فلن يكون للعقوبات أي تأثير على البرنامج النووي الإيراني".