عقيدة الصدمة .. الحالة الفلسطينية

حجم الخط

تحدثت نعومي كلاين على مدى أكثر من ستمائة صفحة في كتابها المثير، عقيدة الصدمة، رأسمالية الكوارث، والذي وصفه المختصون، بأنه من أفضل كتب الاقتصاد خلال الحقبة الأولى من الألفية الثانية، فقد استعرضت وناقشت وتعمقت في تفاصيل تجارب بلدان مختلفة على مدار الثلاثين عاما الماضية، بدءاً من أمريكا اللاتينية الى اوروبا الشرقية حتى الاتحاد السوفييتي السابق، ولاحقا روسيا، ثم الصين واليابان وامريكا نفسها في الأعاصير والكوارث الطبيعية، ووصلت ذروتها بعد 11 أيلول 2001 ، مرورا بحرب الفوكلند بين بريطانيا والأرجنتين في المرحلة التاتشرية، وصولا الى حرب الخليج، واحتلال العراق، والعدوان الصهيوني على لبنان 2006 كما عمليات تهويد القدس والاستيطان، وكذلك في جنوب افريقيا بعد انتهاء نظام الفصل العنصري.

لقد انضجت الكاتبة المتميزة في كتابها المثير، فكرة في غاية الاهمية، وهي كيف تستغل الرأسمالية الصدمة "الكارثة" طبيعية كانت، زلازل، تسونامي، فياضانات، او من فعل البشر، وفي أحيان كثيرة من فعلهم هم، دوائر القرار السياسي والاقتصادي العالمي، حروب واحتلال، انقلابات عسكرية او مدنية، لتستعيد ذاتها وتحافظ على نقائها كما يراه نبي الليبرالية الجديدة فريدمان وتلامذته في مدرسة شيكاغو، باعتبار أن الراسمالية سوق حر يجب ان يتحكم بكل شيء ويتبعه الآخرون وهم مغمضي الأعين، اي نظام للاستغلال الخالص من دون اية شوائب او "ميكياج" عمليات تجميل تقلل من ديناميكية السوق في كسب الأرباح عبر تحديد الأسعار او تحد من حركتها وتغولها في التهام الدولة والمجتمع، من خلال المحافظة على هامش للقطاع العام ومنع خصخصة بعض القطاعات، كالتعليم والصحة والضمان الاجتماعي، او النقابات في حماية اليد العاملة وتحديد الاجور واي نوع من انواع الضغط مهما كان سطحيا او شكليا بغية حماية الشرائح الاوسع من المجتمع.

أما الحالة الفلسطينية لعقيدة الصدمة ورأسمالية الكوارث، فقد بدأت في أعقاب انتفاضة الحجارة 1987 والتي طرحت إمكانية واقعية لاستقلال وطني فلسطيني للأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967 سيضع الكيان الصهيوني أمام خطر وجودي، وبهدف إجهاض هذا المخاض والاستمرارا في تأبيد الاحتلال الصهيوني، كامتداد للمنظومة الاستعمارية الإمبريالية، انزلق الطرف الفلسطيني تحت تأثير صدمة حرب الخليج وما تلاها من تداعيات الى اتفاق اسلو 1993الاساس السياسي، ثم اتفاقية باريس الاقتصادية الموقعة 1994 والتي تجعل من الاقتصاد الفلسطيني تابع يكرس الاحتلال بأشكال أخرى، ربما فكروا باستنساخ تجربة جنوب أفريقيا، حيث تم إلغاء نظام الفصل العنصري وكل القوانين والاجراءات المتعلقة به، واعتمدت الديمقراطية الانتخابية لكي تتيح للمؤتمر الوطني الأفريقي الإمساك بالسلطة السياسية، في ما بقيت مقاليد الاقتصاد بيد الأقلية البيضاء.

 وهذا ما نجد تفسيره بل ترجمته فلسطينيا بشكل أعمق بحكم اختلاف في التفاصيل بين تجربتي جنوب أفريقيا وفلسطين والنضال الوطني التحرري لكلا الشعبين، ويظهر ذلك واضحا وجليا ومجسدا في الاتفاقات الامنية ومشروع دايتون "السلام عبر الامن" في الضفة، والذي يسعى كما يصف الضابط الامريكي كيث دايتون المكلف به، والذي يرأس فريقا من ضباط أمريكيين وبريطانيين وكنديين وأتراك، تتلخص مهمته، إعادة إنتاج فلسطيني جديد، ما يكرس الجانب الفلسطيني كتابع يتولى حراسة الاحتلال ومصالحه الاقتصادية امنيا وسياسيا.

في الوقت الذي سلكت غزة مسارا آخر لاسباب متداخلة فلسطينيا وإسرائيليا وعربيا، وأخرى تتعلق بديمغرافية القطاع والجغرافيا السياسية، لسنا بصدد بحث تفاصيله الآن. فإن الحصار الذي فرض في عام 2007 كان بمثابة العقاب الجماعي الذي اعتمد لترويض هذا الجزء من الشعب الفلسطيني، والذي رفض الانصياع لمسار اسلو وملحقاته في توليد كيان هجين، فلسطيني يقبل بأن الحلم الفلسطيني بالاستقلال يلزمه شهادة جدارة في كل شيء، سياسيا واقتصاديا وبالأخص امنيا، وربما ايضا بالمعنى الانساني، كإنسان جدير بالحياة لا ضرر بتركه يعيش! هذه العقيدة "الصدمة" وصلت ذروتها في العدوان الاخير على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، من خلال عدوان همجي سعى لتدمير ممنهج يشمل كل مناحي الحياة، تدمير احياء سكنية بالكامل، مرافق اقتصادية واجتماعية مدنية ومؤسسات السلطة ...الخ تظهرها بالتفاصيل والارقام الخطة المعدة لإعادة اعمار غزة الصادرة عن اللجنة الوزارية العليا للانعاش واعادة الاعمار في غزة. من الطبيعي ان يكون العدوان العسكري وسيلة استمرارا للحصار، فكلاهما عدوان همجي يهدفان لإخضاع وتركيع القطاع وتدمير ارادة الصمود والتمرد لدى الشعب الفلسطيني. فكما ان الحصار يهدف الى عزل المحاصرين وحرمانهم من سبل تطوير قدراتهم بل والتحكم بقوت يومهم. من وقت لآخر لابد من التدخل العسكري المباشر لتدمير القدرات التي يتم بناؤها والتي سلكت طرقا ملتوية طويلة وشاقة لتصل الى الانفاق التي تشكل شريان الحياة شبه الوحيد. وبما يشكل استنزافا ماديا ومعنويا للمحاصرين وصلت ذروتها في العدوان الاخير على غزة، والتي يراد لها ان تكون مناسبة لانهاء اسطورة القطاع المتمرد. وتعتبر المنطقة العازلة التي شرعت مصر باقامتها بذريعة الخطر الامني الارهابي في سيناء والتي تمتد على طول 14 كيلو متر وبعمق بين 300 متر وقد يصل الى 1500 متر مع خندق مائي بعمق 20 مترا، مشروعا ملتبسا ومربكا، بين هواجس مصر المشروعه على امنها في سيناء وهواجس الفلسطينيين على شريان الامداد لبناء قدراتهم الذاتية وفقا لاولوياتهم الوطنية، والتي تخنقها الرقابة الدولية على عملية اعمار غزة.

لكن المثير للاستهجان وربما الاشمئزاز ايضا ان يكون الاعمار ذاته عدوانا ! ليس فقط لانه يأتي كعملية متممة وليست قائمة بذاتها، كقطيعة مع ما سبقها من عدوان، اي ان من يريد ان يعمر اليوم اسهم بشكل او بآخر وبفاعلية احيانا في المراحل التي سبقت، فهو من وفر اسباب التدمير وقبله الحصار وقبله الاحتىلال.. فهو شريك في الهدف بغض النظر عن الوسائل، ان الاعمار عملية بذاتها وبمعزل عما سبق، لن تكون تجسيدا لحلم الاستقلال الوطني الفلسطيني كاستمرار طبيعي لثقافة وطموحات وتطلعات المعنيين بالإعمار، وبالتالي بناء للقدرات الفلسطينية في شتى المجالات حجرا وبشرا في مواجهة المشروع الصهيوني، في الحقيقة تشكل اعادة اعمار غزة بالكيفية والشروط الحالية تقدما بالوسائل العدوانية المتبعة الى مرحلة جديدة وخطرة عبر الإمساك بالأحشاء الداخلية، فبدل او بالتوازي مع الحصار الخارجي سيتم الاستفادة من صدمة الدمار الشامل والذي وصفه الامين العام للامم المتحدة بان كي مون في زيارته الى غزة 14/10/2014 بأنه "يفوق الوصف" وانه اكثر بكثير ما شاهده بعد 2009 هو يشير الى ما شهدته غزة اثناء العدوان الصهيوني في تلك الفترة. لتبدأ عملية المقايضة بين الحاجات الانية للاهالي والتطلعات البعيدة، اذ من المفروض ان يكونا مكملين لبعضهما البعض، فعند الشروع في تلبية الحاجات الانية نضع في الحسبان تطلعاتنا البعيدة كي يكونا متسقين بشكل تراكمي، اما الان سيتم وضعهما في مواجهة بعضهما وبشكل مفتعل ومؤذٍ. لا يستطيع احد ان يجادل في حاجة الناس الى الاسكان السريع، للاعمار والترميم والاغاثة الطارئة، كما للادوية والمستلزمات الطبية والعلاج، وهذا ما سيكسب الساعين، وما اكثرهم لتجريد الشعب الفلسطيني من اسباب القوة والقدرة على الاستمرار في النضال وصولا الى الاستقلال الوطني، اسلحة جديدة وخطيرة يمارسون من خلالها ضغطهم لقبول الشروط المجحفة لإعادة الإعمار وانعاش قطاع غزة، أي آلام الناس ومعاناتهم  وأحقيتهم في الحاجات الأساسية للبقاء على قيد الحياة من جهة، وامانيهم وتطلعاتهم الوطنية التحررية من جهة اخرى، واي مقاومة لهذه الشروط ستصطدم بسؤال حقيقي ولكنه خبيث، ما هو البديل؟

إن احد اوجه الخطر الكامن في هذه الوسيلة الناعمة في العدوان "المشروع الدولي لاعادة الاعمار"، بانها تظهر وجها انسانيا مخادعا للمشاركين فيه على خلاف الوسائل السابقة، الحصار والعدوان العسكري المباشر، والتي يلقى الكيان الصهيوني والمساهمين معه عادة من ورائها تبعات معنوية جراء الادانة والتنديد على الاقل على المستوى الشعبي. بل سنكون اما مشهد مقلوب، فسينقسم المشهد الى نصفين، طرف يدعو الى اعمار غزة ومد الاهالي باسباب الحياة والاخر يرفض بحجة شروطها المجحفة ولا يمتلك بدائل عملية واقعية، في الوقت الذي لا يلتفت فيه احد للشروط المجحفة، يطفو على السطح الصراخ والالام والعذابات التي تستحق ان تلقى كل عناية. هنا يظهر اهمية ما اشارت له نعومي كلاين في كتابها، عن ادارك السيد نصر الله لاهمية معركة البناء بعد العدوان الصهيوني على لبنان في تموز 2006 بإعتبارها استمرارا للحرب، حين تحدث عن المال النظيف، وخاطب الاهالي قائلا: لن تضطروا الى الوقوف في طوابير الذل لطلب مساعدة احد، وقام بتلبية الحاجات الطارئة للاسكان المؤقت والاشراف والمتابعة لعملية اعادة الاعمار وكان للمال النظيف، اي الذي يتوافق مع شروط المقاومة وتوجهاتها دوره المقرر في اعادة الاعمار.

في الحالة الفلسطينية لا يتعلق "العلاج بالصدمة" كما يحلو لتلامذة مدرسة شيكاغو تسميته بالخصخصة أو بسعر السلع وحقوق العمال وغيرها من معايير السوق الحر كما يراها البنك الدولي والمانحين الدوليين بالمعنى المتبع في شروط مراكز القرار المالي العالمي، بل هو يذهب إلى اعمق من ذلك وارتباطا بنموذجية القضية الفلسطينية كحالة نضال ضد المشروع الصهيوني بإعتباره مشروعا استعماريا قديما يسعى لتجديد نفسه وادواته ليؤكد صلاحيته في حمل مصالح الإمبريالية في نموذجها المعولم. فالصدمة لن توظف لوضع اليد على مقدرات البلد بحدوده القطرية ولصالح الشركات كما جرت العادة، بل ستستخدم لاجهاض قضية التحرر وفكرة المقاومة بمداها القومي والإقليمي الاوسع وبقاء الكيان الصهيوني قوة الحضور الامبريالي في المنطقة للسيطرة على مقدراتها وثرواتها وموقعها جيوسياسي.