مفاوضات استكشافية... ماذا بعد؟؟

حجم الخط
عشرون عاما من المفاوضات الثنائية مع دولة الاحتلال برعاية أمريكية خالصة، وبعد ما يقارب من 65 عاما من الاشتباك بكافة أشكاله مع المشروع الصهيوني الاستعماري الدموي، عقود طويلة من المعاناة عاشها شعب فلسطين بفعل السياسة العدوانية، والتنكر الممنهج للحد الأدنى من الحقوق الوطنية لهذا الشعب.. بعد كل هذا وذاك، ووسطه، يجري الحديث عن مفاوضات "استكشافية" بين وفد من السلطة الفلسطينية وآخر يمثل حكومة نتنياهو، في عمان، صار اللقاء الأول ثم الثاني فالثالث.. تحت رعاية وزير الخارجية الأردني، ممكن أن تؤدي إلى لقاء سياسي, هل لازلنا لا نعرف طبيعة العدو أو مخططاته التي نعاني منها يوميا، استكشاف ماذا؟ ما هو المقصود؟ لماذا هذا التبرير لموضوع استنزف كل وسائل الدفاع عنه وبالذات بهذه الفترة. في الأسابيع الأخيرة من العام الماضي 2011 شهدت الحالة الفلسطينية حراكا داخليا مفعما بالتفاؤل باتجاه الخروج من مأزق الانقسام المؤلم بتداعياته المختلفة فلسطينيا وعربيا..الخ بل قد اتخذه البعض مرتكزا للتنصل مما تبقى من التزامات نحو القضية الفلسطينية وشعبها، ومن مقومات هذا التفاؤل تلك النتائج التي تمخضت عنها جولات الحوار الفلسطيني التي جرت بالقاهرة، وربما عبر عن ذلك التصريح المشترك الذي صدر عقب لقاء الرئيس أبو مازن مع السيد خالد مشعل في نوفمبر من العام الماضي، والذي ورد به "إننا اتفقنا على كل شيء"، وتبعه إقرار المجموع الوطني الفلسطيني خارطة طريق لتحقيق خطوات المصالحة في حوار القاهرة بالفترة ما بين 20 إلى 22 10 2011 . ما هي عوامل هذه النقلة بهذه الوجهة.. ثم لماذا حصل شيء من الاضطراب في الأيام الأخيرة: لقد ساهمت مجموعة من المعطيات في إنتاج هذا المتغير في الداخل الوطني، بالتالي دفعت بالقوى المسببة للانقسام نحو المصالحة.. فمن جانب تقلصت مساحة حركة السلطة الفلسطينية في حقل المفاوضات "الباحثة" عن حلول للقضايا موضع التفاوض مع الاحتلال تحت الرعاية الأمريكية.. إلى أضيق حيز ممكن، لأن تلك التسوية وصلت إلى طريق مغلق بفعل السياسة الإسرائيلية بشكل أساسي، والمستمرة بلا توقف ودون مراعاة لأي طرف، بمصادرة ما تبقى من أراضي الضفة الغربية وإغراقها بمزيد من المستوطنات وتهويد شامل للقدس.. إضافة للموقف من القضايا المفصلية الأخرى، كحق العودة، ثم موضوع المياه، الأسرى..الخ بالتالي عن أية حدود للدولة الفلسطينية يتكلم أو يبحث عنها المفاوض الفلسطيني، قد أنهت الممارسات الصهيونية بالمعنى العملي فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي المحتلة عام 1967.. مع توفر الدعم الكامل والغطاء الأمريكي، الذي بات يتصاعد لدرجة الاستفزاز المتعجرف لمشاعر الفلسطينيين والعرب عموما، بالتلازم مع الضغوطات الاقتصادية السياسية والأمنية على الوضع الفلسطيني الذي لم يجد أمامه سوى التمسك بالثوابت الوطنية أو مرة أخرى ما تبقى منها بعد هذا المشوار الطويل من مفاوضات التسوية وما تمخض عنها من مآسي، من هنا تم رفض العودة للمفاوضات مع الاحتلال إلا إذا توقف الاستيطان والاتفاق على مرجعيتها بالإقرار بالدولة الفلسطينية على أساس قرارات الشرعية الدولية "أي على حدود الرابع من حزيران 67"، تبعها انطلاقة فلسطينية جديدة بالذهاب إلى الهيئة الدولية من أجل محاولة اكتساب العضوية الكاملة.. ضمن ذلك كان لخطاب أبو مازن في الجمعية العامة للأمم المتحدة بشهر أيلول من العام الماضي، وما تلاه من تفاصيل المعركة السياسية وصولا للحصول على العضوية لدى اليونسكو، صدى إيجابي على الصعيد الفلسطيني بكل مستوياته، هذا الحراك بهذه الوجهة قد رافقه: أولا، بالإضافة للتجاوب الشعبي والفصائلي بتأييد هذا المسلك والارتياح الواسع له، تمت المطالبة بالخروج من مسار المفاوضات بشكلها ومضمونها الحالي، وتعميق الخط الوطني. ثانيا، بات واضحا أن هناك خيارات متعددة أمام الوضع الفلسطيني للرد على المخطط الصهيوني الأمريكي، بل إن لديه القدرة على صناعة المفاجئات السياسية إذا اتخذ منحى التحدي الوطني.. فكيف يكون الحال إذا تم الاستناد إلى وحدة وطنية تعتمد خط سياسي مشترك يلتزم بالمصلحة الوطنية العليا، بالتالي يمكن قول لا للقرار الأمريكي إذا توفرت الإرادة السياسية المدعومة من هذا المناخ الشعبي. كل هذه الإنجازات مرتبطة بشكل وثيق بصمود وتضحيات شعب فلسطين. ومن جانب آخر فقد لعبت نتائج الحراك الشعبي العربي دورا في هذه النقلة، هكذا وجدنا العلم الفلسطيني، كرمز للقضية التحررية العادلة، متواجدا في العديد من ساحات عواصمنا العربية، تعزيزا للحاضنة الشعبية، عوضا عن "احتكار" المؤسسة العربية الرسمية للموقف من حقوق شعب فلسطين بكل ما حمله من دعم أحيانا، وتآمر أحيانا أخرى من قبل هذا النظام أو ذاك، دون أن يعني ذلك أننا نضع مواقف الجميع في سلة واحدة، وبالذات القراءة لنتائج الحراك الشعبي لكن من محاور أخرى أصبحت ضاغطة على بعض قوى الساحة باتجاه البحث عن مخرج لمأزق الانقسام اليوم قبل الغد، لتطويق الاحتمالات التي تؤشر نحوها التطورات الجارية، بما يتضمنه أيضا من نزعة براغماتية لدى هذا البعض. في ظل هذا التحفز الشعبي للخطوات الفلسطينية الداخلية والخارجية، وقبل أن يجف حبر اتفاق القاهرة في الأسبوع الأخير من العام الماضي، تناقلت وسائل الإعلام الأخبار المتناقضة مع تلك الأجواء، من غزة، رام الله إلى عمان: اعتقالات، ثم منع للفعاليات الخاصة بانطلاقة حركة فتح في غزة، ومفاوضات مع الإسرائيليين، جولة أولى، جولة ثانية وثالثة في عمان برعاية اللجنة الرباعية والخارجية الأردنية، في الأسبوع الأول من العام الجديد، هذه النقلة من الشيء إلى نقيضه قد لا تبدو غريبة اتصالا بمقولة القيادة الفلسطينية "أن المفاوضات بديلة للمفاوضات" أما بعد انسداد مجرى التسوية وتكرار الاشتراطات الفلسطينية المحقة والتي التف حولها الكل الوطني، أي لا دعوة للمفاوضات مع حكومة الاحتلال إلا بتحقيق تلك الاشتراطات.. الخ أصبح هذا المسلك مستهجنا بمقياس تلك التطورات. فهل تعرضت قيادة السلطة إلى ضغوطات تجاوزت تلك الضغوطات الأمريكية التي حاولت إيقاف الاندفاعة السياسية الفلسطينية اتجاه الأمم المتحدة ومؤسساتها، أم أنه جرى التعامل التكتيكي مع مفاوضات عمان كنوع من الاستجابة لحاجة الأردن لها داخليا وخارجيا، سيما وأنه يتعرض لضغوطات دورية من أطروحات الصهاينة المتطرفين حول الوطن البديل، وربما يكون الأردن قد تعرض لنوع آخر من الضغط الأوروبي الأمريكي من أجل الاستعانة به لتفكيك الموقف الفلسطيني من المفاوضات، مع استثمار مزدوج أردني-فلسطيني لنتائج الحراك السياسي الفلسطيني الخارجي والداخلي لموضوع المصالحة، مع التأكيد على أن خصوصية الدور الأردني وطبيعة العلاقة مع الحالة الفلسطينية يساعده على ذلك. لكن ما تأثير هذه الاستدارة ومجمل المسلكيات الأخيرة في غزة أساسا ثم الضفة الغربية على مشروع المصالحة كطريق للوحدة الوطنية على قاعدة سياسية، نأمل أن يدوس قطار الوحدة كل تلك المعطيات وبالذات هذه المجموعات التي تتضرر مصالحها من مسار الوحدة، كزعماء وأثرياء الأنفاق في غزة، وتجار الأسمنت وغيره بالضفة، داخل السلطتين وإطارهما، في الداخل أساسا وفي الخارج أيضا، لا يجب اعتماد الحديث عن الوحدة والمصالحة كمقياس للوفاء لها، بل إن خطوات الترجمة العملية لتنفيذ الاتفاقيات وما يساعد على ذلك هو المقياس، لقد ملت قطاعات شعبنا من كثرة الحديث عن الوحدة الوطنية، لأن ما يجري بعد هذا الحديث أو ذاك الخطاب لا ينسجم معه، بل يؤكد بأن الكلام الجميل عن الوحدة لم يكن إلا جسرا للاستخدام لدغدغة عواطف الناس من أجل تبرير الممارسات الانقسامية. الآن ماذا تفعل قيادة السلطة بمفاوضات عمان هل يتم تعليقها أو إلغاؤها وذلك على ضوء تصريح حكومة نتنياهو التي انفردت بتأجيل موعد 26 من الشهر الجاري وهو موعد تسلم اللجنة الرباعية الأجوبة حول موضوعي الأمن والحدود من الطرفين، إلى شهر آذار القادم، أي بعد شهرين..، هل تلجأ إلى شعبها وإلى قواه من أجل مواصلة إصلاح البيت الفلسطيني على أسس ديمقراطية جديدة تجمع بين التصدي لمخططات المحتلين الصهاينة، وبين بناء مؤسسات المجتمع المدني.. ومؤسسات الدولة، مع استخلاص الدروس من تجربة المسار السياسي على مدار هذه المرحلة، وبالتالي حسم الخيار بهذا الاتجاه، قد لا يكون الأمر سهلا بعد كل تلك المراهنات، والبناء الداخلي والخارجي على خيار التسوية بالرعاية الأمريكية.. لكن في النهاية لا بد من حسم الموقف بعد عقدين من التجربة المباشرة مع حكومة الاحتلال. ----------- * ممثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الجزائر