القيادات الفلسطينية وتفتيت المفتت!

حجم الخط

كانت منظمة التحرير الفلسطينية، يوماً، تضم لجاناً تنفيذية تُعبّر عن مجموعة توازنات بين فصائل وأنظمة عربية. وكان "طبيعيا" أن يحظى تنظيم مثل "الصاعقة"، محدود الأثر والتأييد فلسطينيّاً، بموقع متميز في اللجنة التنفيذية للمنظمة، "مراعاةً" للنظام السوري الراعي له. لكن، كانت كل شخصية في اللجنة التنفيذية تتمتع باحترام خاص؛ فالمستقلون لهم وزنهم السياسي والثقافي والفكري، والفصائليون لديهم فصائل تدعمهم. أمّا الآن، فالأمر يتعدى تراجع وزن وتمثيل القياديين الفلسطينيين، إلى أشكال غريبة من الانتخاب والتعيين، تليها أشكال غريبة من الخلافات مِحورها الأشخاص أنفسهم المُستغرب وصولهم أو بَقاؤهم في مواقعهم، هذا مع دخول جزء من أعضاء اللجنة العقد التاسع من أعمارهم.

الآن، هناك ملفات خلافية تتعلق بكل من محمد دحلان، وياسر عبدربه، وسلام فياض!
لعل أفضل بداية لتناول هذه الملفات والحالة التي تشكّلها، هي انتخابات اللجنة التنفيذية للمنظمة، قبل خمسة أعوام، وتحديداً في آب (أغسطس) 2009، عندما انتُخب، على نحو "غريب"، أحمد قريع، والذي كان قد خسر انتخابات اللجنة المركزية لحركة "فتح"، بعد أن كان كثيرون يَعدُّونَه الشخص الثاني في الحركة. والغريب أنه انتخب باعتباره عضواً مستقلاً في اللجنة. ويتحمل وزر انتخاب قريع، وحرمان المستقلين والشعب الفلسطيني من كفاءات مستقلة حقاً تجدد الدماء والقيادة، ما لا يقل عن 234 شخصا انتخبوه (بغض النظر عن الأسباب والملابسات). كان ذلك الانتخاب تجسيداً لعدم التجديد، وشخصنة المناصب والمواقع، وتراجع وهامشية دور الفصائل المعارضة، وتأكيدا لإقصاء أجيال شابة من الكفاءات الفلسطينية؛ ما يمس بكل الحماس الشعبي لمنظمة التحرير.

كان هناك استغراب من بقاء ووجود ياسر عبدربه أميناً للسر في اللجنة التنفيذية، أي الشخص الثاني الذي قد يحل محل الرئيس في حالة وجود أي شاغر، رغم أنّ عبدربه ذاته دخل اللجنة ممثلا لفصيل ثم ترك هذا الفصيل ولم يعد يمثله؛ ورغم الشك الشديد في حجم القاعدة الشعبية التي يتمتع بها.
ورغم فشل محمد دحلان في أغلب الملفات التي استلمها في حياته؛ فأجهزة الأمن التي أسسها في غزة كانت تتعرض لانتقادات شديدة على صعيد مهنيتها ومدى حفاظها على الأمن، إلا أن نجمه كان يصعد شخصياً، خصوصاً على المستوى الدولي أثناء وجوده في رئاسة هذه الأجهزة (تحديداً الوقائي). كما أنّ "فتح" خسرت زمن قيادته في غزة انتخابيّاً أمام "حماس" رغم فوزه شخصيّاً. وكذلك انهارت أجهزة الأمن التي يفترض أنّه أسهم بشكل أساسي في تأسيسها وإعدادها، أمام "حماس". رغم ذلك، انتخبه أعضاء المؤتمر العام في حركة "فتح" عضواً للجنة المركزية، ما جعله يتصرف كأنّه الرجل القوي في القيادة الفلسطينية والمرشح "للخلافة".
أمّا سلام فياض، فكان أشد وأقوى "خصومه" زمن رئاسته للوزراء، هم أعضاء في اللجنة المركزية وقيادات في حركة "فتح"، وكان يبدو "تحت حماية" الرئيس الفلسطيني. وقد استقال مراراً وبقي في موقعه. وكان من أشد الجهات التي هاجمته نقابة الموظفين العموميين التي يرأسها ويقودها كوادر حركة "فتح".

كانت "حماس" تكاد تُحمّل محمد دحلان وزر خلافاتها مع "فتح"، وتتهمه وتنشر تسجيلات له تثبت تورطه في انقلاب وتمرد ضدها. والآن دحلان جزء من نشاطات وتحركات في غزة بمباركة "حماس"، بل وبمشاركة معها (في جمعيات لتقديم المساعدات من الخارج). والآن (الأسبوع الماضي)، ينادي المنادون في المحكمة في رام الله "دحلان" على مسمع الناس لمحاكمته. والتقارير والأنباء تتواتر حول الموقف والخلافات من فياض وعبدربه، وموقف الرئاسة الفلسطينية منهما. ورئيس ونائب رئيس النقابة العمومية ذاتها، سُجنا وأعلنت نقابتهما غير قانونية، وصدر أمر باعتقال إبراهيم خريشة أمين عام المجلس التشريعي الفلسطيني، ثم ألغي الأمر. وكان يمكن، وفق "إخراج" آخر، أن يكون تغيير عبدربه ودحلان قصة تغيير مرحبا بها، تماماً كما أن تداول موقع رئيس الوزراء وخروج فياض أمر منطقي مرحب به.

إنّ عدم التجديد في القيادة الفلسطينية، والشخصنة العالية جداً، وعدم التجديد بأسس شفافة وواضحة ومقنعة في المجلس الوطني الفلسطيني واللجنة التنفيذية، هي التي تقصي جزءا كبيرا من طاقة الشعب الفلسطيني وتهدر حيويته وقدرته على الصمود والمواجهة.