ثمن حراسة الامبراطورية.. التاريخ الواقعي للامبراطورية الأمريكية

حجم الخط

منذ فترة وجيزة صدر تقرير مجلس الشيوخ الأمريكي حول اجراءات الإحتجاز و الاستنطاق لدى وكالة المخابرات الأمريكية، ومن الواضح أن النص الذي سمح بنشره (الـ500 صفحة من أصل أكثر من 6000 صفحة قيل إنها تمثل التقرير الكامل) ليس سوى الطحالب الخفيفة الطافية على سطح مستنقع الرعب الذي يحتويه التقرير الأصلي. بل إن ما نشره الكونغرس وخصوصا ما يتضح في الملخص التنفيذي (40 صفحة) لايتعدى محاولة يائسة للتبرير حيث يقدم الكونغرس درسا للفاعلين وليس استخلاصا عن حقوق الضحايا، وشرحا مفصلا لفشل الأساليب المستخدمة وليس إدانة واضحة وصريحة لإتباعها، بدءا من تجنب التقرير ذكر كلمات : الإختطاف والإعتقال التعسفي  إنتهاء بالتعذيب، فهذه الكلمات التي تشي بادانة او فعل اجرامي يتم استبعادها من التقرير والاستعاضة عنها بكلمات تبدو حيادية أو بريئة، مثل الإحتجاز والإستنطاق وإستخراج المعلومات.  إضافة إلى السعي الحثيث لإعادة إنتاج الكذبة التي يغطي نفسه بها حول وجود (منظومة عدالة) يمكنها حقا أن تقف بوجه هذه الخروقات، وحتى هذا المصطلح (خروقات) يبدو تضليليا أيضا، لأن ما تم الكشف عنه هو جزء من الحقيقة، إذ يعلمنا علم النفس المعاكس أن الإفصاح عن جزء من الحقيقية في سبيل التغطية على معظمها وتمرير كومة من الأكاذيب، هو سلوك شائع، عبارة صادقة في خضم نهر من الكذب، ومن الجلي وجود أدلة كافية على أن مثل هذه الممارسات كانت شائعة ومارستها الوكالاتالأمريكية في أماكن مختلفة من العالم، وبما يسبق بعشرات السنين حادثة الحادي عشر من سبتمبر، مايكشف بوضوح تاريخاً من الممارسات المنهجية المنافية لكل أخلاق وقانون حيث تحتل منظومة (القمع والتعذيب) مكان منظومة (القانون والعدالة) بشكل لافت. وإلا لماذا تتجاهل الادارة الأمريكية الدعوات لفتح تحقيقات قضائية؟

وإذا كانت التفاصيل وصفت بالمقززة، فإن المقزز فعلاً هو بلاغة الإعلام الأمريكي المتواطئ مع الجريمة والذي يدعي أنه تفاجأ معيدا كل عشر سنوات نفس الشريط المشوه من النقد المبرمج مقابل عشرات السنين من التغطية التبريرية المنحازة بل المنخرطة في السياسات الأمريكية ضد (العدو) الذي يعاد اختراعه كل زمن.

 

 

رسالة داخلية وليس تقرير مراجعة:

في الاستخلاصات العشرين التي يبرزها تقرير مجلس الشيوخ نجد بوضوح كلي وقاطع أن هذا التقرير لم يكن سوى رسالة داخلية بين أطراف جهاز واحد الغرض منها ليس المراجعة بل استقاء دروس فشل.

على سبيل المثال في الاستخلاص الأول هناك لوم للمحققين ليس على الممارسات الاجرامية بل على الفشل في استخلاص المعلومات، فالمشكلة تتبدى للمشرع الأمريكي في الفشل وليس في الاجراءات نفسها.

وفي الاستخلاص الثاني يشير إلى أن استخدام التقنيات المشددة إستندت على تأكيدات غير دقيقة بالنسبة لفاعليته، وليس على التقنيات بحد ذاتها إن كان قانونية أو أخلاقية، وماذا لو نجحت هذه التقنيات بمعاييرهم؟ أظننا ماكنا لنرى هذا التقرير أساساً.

في الاستخلاص الثالث اعتراض على عدم الإبلاغ بأن الطرق المستخدمة كانت أقسى مما أبلغ به الكونغرس، وفي الاستخلاص الخامس احتجاج على المعلومات الخاطئة وفي السادس أن الوكالة أعاقت إشراف الكونغرس على برنامجها نجد أن التقرير هنا فعلا ليس سوى رسالة داخلية ضمن النظام، بين طرفين حول الصلاحيات والنفوذ والنقاش يدور حول الفعالية وليس الأخلاقية والعدالة. وكان الهم منصبا على تجنب تداعيات النشر، حيث قال تشيك هيغل وزير الدفاع الأمريكي يوم التاسع من ديسمبر /كانون الأول إنه أمر القوات الأمريكية بالتأهب قبيل صدور التقريرعن وسائل التعذيب ، في الوقت الذي عارض الجمهوريين بشدة نزع السرية عن التقريروإعادة فتح الجدل حول عمل الوكالة ما أخر صدور التقرير 8 أشهر كاملة بعد أن كان أوباما قد وعد بإجراء سريع لرفع السرية.

تكذيب الكاذب:

إذا صدقنا ما يقوله التقرير عن جورج بوش  الإبن وجهله بتقنيات التعذيب إلا بعد أربع سنوات من بدايتها، نتساءل كيف يتم اخفاء فضيحة سجن أبو غريب وعدم التطرق لها كسابقة كان يجب أن تشكل وقفة تأمل ومراجعة لممارسات المخابرات، هذا اذا صدقنا هذا الادعاء الذي يأتي تكذيبه من جهات عدة، أبرزها جورج بوش نفسه الذي تزعم الحملات الإعلامية لمنع نشر التقرير ودفاعاً عن الوكالة، وقد صرح لشبكة سي ان ان "نحن محظوظون بأن لدينا نسوة ورجالاً يعملون نيابة عنا في وكالة المخابرات المركزية. هؤلاء وطنيون ومهما يقول هذا التقرير في التقليل من أهمية خدمتهم لهذا البلد فإن التقرير يجانب الحقيقة"،بدوره نائبه ديك تشيني اعتبر "تقنيات الاستجواب" مبررة تماماً، وقال لنيويورك تايمز" تم السماح بالبرنامج" معتبراً أن "عناصر السي آي ايه الذين نفذوا هذا البرنامج ينبغي تقليدهم أوسمة عوضاً عن انتقادهم". أوباما نفسه كان على علم بالأساليب المستخدمة وإلا ما الذي دفعه لإصدار قرار حظر التعذيب فور انتخابه عام 2009، بل إن وزير عدله المستقيل إريك هولدر أعلن عام 2010 إنه لن تتم محاكمة عملاء المخابرات المركزية الذين أتلفوا عن عمد شرائط تسجيل جلسات التعذيب للمعتقلين، ومازال خوسيه رودريجز عميل المخابرات المسؤول عن اتلاف الأدلة عام 2005 حرا طليقاً.  بل إن أوباما عين المسؤول عن برامج التعذيب فترة بوش جون برينان كبيرا لمستشاريه لشؤون مكافحة الإرهاب، خلال فترته الأولى، ثم جعل منه رئيسا للوكالة، خلال الفترة الحالية، وقد اتهمت السيناتور دايان فاينشتاين رئيسة لجنة المخابرات صاحبة هذا التقرير، المخابرات بالتجسس على لجنتها واختراق حواسيبها بقيادة برينان، الذي قاد لمدة عامين عملية تعطيل إصدار هذا التقرير، بل إن أعضاء الكونغرس بما فيهم فاينشتاين يكذبون حين يدعون الجهل بما كان يحدث تحت أعينهم، حيث تشهد سجلات الإستماع في الكونغرس طوال سنوات أن مسؤولي المخابرات قدموا عروضا تفصيلية عن الاستجواب وتقنيات التحقيق، ما ينفي ادعاءات التضليل في التقرير. وأيضا ما يدلل على تواطؤ الكونغرس وخاصة الديمقراطيين شهادة رودريجز المذكور أعلاه لصحيفة واشنطن بوست يوم 25 ديسمبر، الذي أكد أن المخابرات أطلعت أعضاء لجنتي الاستخبارات بمجلسي النواب والشيوخ بصورة منتظمة على برامج الاستجواب عبر أكثر من أربعين جلسة استماع ما بين 2002 و 2009 مكذبا نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب من الحزب الديمقراطي التي ادعت عدم العلم  ببعض أساليب التعذيب، بأنه كان حاضرا عند ابلاغها هي وغيرها بهذه المعلومات، مؤكدا " فعلنا كل ما طلب منا ونحن على يقين بأن ذلك كان فعالاً" ،في هذا السياق يبدو تصريح موريس دايفس المدعي العام السابق بسجن خليج غوانتانامو والذي اعتبر ما حدث جريمة حرب! نجد التصريح غريباً "لم أكن مصدوما بتفصيلات هذه الأساليب المستخدمة [..] ولكن أعتقد أن ماكان صدمة للشارع هو الأعداد التي خضعت لهذا البرنامج ومدة انتشاره" هل ثمة وقاحة أقسى من هذا التصريح؟

من جهة أخرى مسؤولون سابقون في البرنامج أنشؤوا موقعا على الإنترنت للدفاع عن أنفسهم و للرد على التهم عنوانه  (سي آي ايه أنقذت أرواحاً)، وفي الرد على التقرير قال مؤسسو الموقع إن البرنامج سمح به بالكامل مسؤولون كبار في البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي ووزارة العدل، ما يؤكده جورج تينيت مدير الوكالة السابق الذي يدعم هذه الاقوال ويؤكد تصريحات تشيني ورودريجيز بأن " البرنامج أنقذ أرواحاً".

فجوة في الذاكرة:

(استندت في هذا القسم على مقالة سابقة قديمة بعنوان التاريخ الواقعي للديمقراطية الأمريكية: التعذيب والقتل وحراسة الامبراطورية، نشر في مجلة الهدف، العدد 1362، شباط 2005)

في هذا القسم سنبحث في الذاكرة المنقوصة، ذاكرة الجلاد، بل وذاكرة الضحايا أيضاً للأسف، ونعود بالذاكرة إلى  2004، عندما حدث ما أعتبره أحد أكثر الأحداث فضائحية، وكشفاً لما يعتبر مستوراً وراء أقنعة مزيفة وضعف غريب في ذاكرة البشرية والمجتمع الدولي، ما سأسميه هنا فجوة في ذاكرة العالم، وفجوة في ذاكرة الجلادين المستبرئين من أفعالهم على وجه الخصوص، أعني فضيحة تعذيب السجناء العراقيين في سجن أبو غريب قرب بغداد، على يد جنود الاحتلال الأمريكي من عناصر الإستخبارات العسكرية وجنود المارينز.

لماذا العودة إلى أبو غريب:

-         كشفت القضية الوجه الحقيقي للإحتلال وبددت دفعة واحدة محاولاته الدائمة لنشر مزاعمه حول قدومه على أجنحة الحرية لتحرير العراق، لتنبش من ذاكرة منسية تراثاً بشعاً من الممارسات الإجرامية في تاريخ جيش الإحتلال الأمريكي، التي قد ينجح تاريخٌ انتقائي متخفٍ في طمسها فترة من الزمن، ولكنها سرعان ما تعود إلى الواجهة في ميدان الممارسة ومع كل حدث مشابه، وجلي القول أن هذا الإخفاء لا يمكن أن ينطلي إلا على تفكير  نازع إلى الراحة واللامبالاة متواطىء، وشريك في أقل الحالات سوءاً.

-         فضحت الصور القادمة من (أبو غريب)، حقيقة أنظمة القمع العربية، التلميذ النجيب لثقافة التعذيب الأمريكية، هذه الأنظمة التي لم يخرج عنها انتقاد جوهري واحد تقريباً، ولسان حالها يقول، من أين للتلميذ أن يلوم معلمه، لأن هذا يحدث هنا والآن. سنعود لهذه النقطة لاحقاً.

-         كشفت فضيحة (أبو غريب) هشاشة نظام العدالة الدولي، وضعف القانون الدولي وانحيازه للقوي وقدرة الأقوياء على تجاهل المواثيق والعهود الدولية ورميها جانباً عندما يتعلق الأمر بمصلحتهم وأهدافهم.

تلك بعض من الأسباب، وفي هذا القسم سنلقي الضوء على التاريخ الخفي للتعذيب، وأساليبه، ومدارسه، وستكشف لمَ لا يصدق أحد مزاعم المسؤولين الأمريكيين من عسكريين وسياسيين بأنها استثناء، بل هي جزء من تاريخ القمع والتعذيب طوال مسيرة الإمبراطورية الأمريكية الحديثة.

بدأت القصة مساء الأربعاء 28 أبريل 2004، عندما عرض برنامج (60 دقيقة) الذي تذيعه قناة (سي.بي.س) الأمريكية، عدة صور فوتوغرافية تذكارية لعدد من الجنود الأمريكان والمجندات وهم يتصورون فرحين، رافعين علامات النصر بأصابعهم، أمام عدد من السجناء العراقيين في سجن (أبو غريب) غرب بغداد، في أوضاع مهينة وتعذيبية بشعة، حقيرة ولا إنسانية أثارت الغضب والاشمئزاز لدى كل من رآها.

أعترف بأنني عندما حصلت على المجموعة شبه الكاملة للصور، لم أستطع رؤيتها إلا على مراحل.. وبالتدريج.. كان عمق الصدمة مروعاً، ومثيراً للاشمئزاز والغضب العارم، ولكنها بالتأكيد لم تكن مفاجأة لي.. فذاكرة الشعب الفلسطيني تضج بهذه الصور، وممارسات الفاشية الإسرائيلية ضد السجناء الفلسطينيين صارت جزءاً من التاريخ الرسمي للصراع، ولكن الفرق أن ما يتعرض له الفلسطينيون بشكل يومي منذ أكثر من 50 عاماً تحول للأسف إلى ممارسة لا تسبب أي أرق لدى المجتمع الدولي الذي يقف عاجزاً، أو غير آبه لعذابات آلاف السجناء في معتقلات إسرائيل.

الفرق أيضاَ أنه في معتقلات الفاشية الصهيونية لم يكن هناك شخص ما، يحمل كاميرا رقمية ويصور الفظائع التي تحدث، وكان المفترض أن تهز صور (أبو غريب) الضمير الدولي ليتحرك ضد التعذيب المتواصل في فلسطين، وهو حقيقة من فظائع الاحتلال الرهيب لا يجرؤ أحد على نكرانها.

شغلتني لفترة، بعد مشاهدة الصور، مصائر المعتقلين المعذبين، ماذا حل بهم؟ سجين تم إخفاء وجهه بكيس مذكراً بالصور الشهيرة من غوانتانامو والتي للتذكير كانت شائعة منذ ما قبل 2005، هذا الإنسان العراقي يقف على برميل وتم توصيل أسلاك كهر بائية بأطرافه، وقد أبلغ أنه إذا سقط من على البرميل فإنه سيؤول على أسلاك أخرى تكمل الدارة فيصعق على الفور!! ماذا حل به؟ هل سقط وقُتل، أم صمد ونجا، أم ماذا؟‍‍ مجندة أمريكية خضعت لمحاكمة مهزلة فيما بعد تذكر بمحاكمة الجنود الإسرائيليين القتلة ـ تشير لأحد السجناء الواقف أمامها عارياً تماماً ومغمى الرأس، وتضع في يدها سيجارة.. ماذا حدث قبل وبعد.. لا أحد يعلم؟‍

صور تعرض سجناء مربوطين من أماكن حساسة وصور أخرى لكلاب مدربة تهاجم السجناء، وصور توضح إرغام بعض السجناء على ممارسة الشذوذ الجنسي مع زملائهم.

ما يدعو للسخرية، أن القيادة العسكرية الأمريكية بادرت لتعيين مسؤول جديد للسجن هو الجنرال جيفري ميللر وهو المدير السابق لسجن غوانتانامو. الذي تكشفت ملامح تورطه في تعذيب سجناء عوانتانامو وسجون أخرى حسب التقرير الأخير. ولكن هذا كله ليس جديداً على العسكرية الأمريكية المتورطة في التعذيب على مدى دائرة الكرة الأرضية.

في عددها لشهر تموز  2004 نشرت مجلة البروغريسيف The Progressive الأمريكية المناهضة للنظام، تقريراً طويلاً حول تاريخ التعذيب الخاص بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وعرضت شهادات لضحايا هذا التاريخ..

إحدى الضحايا هي فيرونيكا دي نيغرو التي قررت أن تكتب شهادتها عن انتهاكات حقوق الإنسان في تشيلي أثناء حكم الدكتاتور أوغستو بينوشيت، وجاء هذا القرار بعد أن رأت صور أبي غريب "ذلك النوع من الانتهاكات هو ما عانيته في تشيلي تحت حكم بينوشيت".

تصف دي نيغرو ما تعرضت له عام 1976 عند اعتقالها: " لقد ضُربت، وصُدمتُ بالكهرباء، تم اغتصابي، ليس فقط من قبل القائمين على تعذيبي، بل أيضاً بواسطة فأر، إن أي مخيلة كريهة لا يمكن أن تقارب الواقع الحقيقي". وتضيف: " الجلادون في حالتي كانوا تشيليين "، ولكنها تلقي اللوم على واشنطن التي ناصرت أعداء سلفادور الليندي عام 1973، ودعمت بينوشيت ودربت الجلادين التشيليين. في تلك الحالة أيضاً للتذكير، زعمت الولايات المتحدة أنها ذاهبة لتحرير التشيليين من الشيوعية، رغم أن الليندي لم يأت للحكم على ظهر دبابة بل عبر صناديق الاقتراع، ما يكشف الوجه الحقيقي للديمقراطية الأمريكية الحساسة جداً تجاه أي اختلاف معها والمتماهية كلياً في النظام الإمبراطوري الاستعماري.

تركت دينغرو ـ كما يقول التقرير ـ تشيلي مع عائلتها عام 1977، ولكن ابنها عاد ليشارك في النضال الوطني فاعتقل عام 1986، وقد ضرب ردريغو راغاس بقسوة وأجلس على النار وحرق حيا على يد قوات بينوشيت " الأمريكان كانوا سلبيين جداً، ومتواطئين، لم يريدوا أن يروا ما يحدث وقد تورطت الولايات المتحدة في أعمال التعذيب لسنوات طويلة "، تؤكد دينغرو.

يجب هنا الاعتذار من الضحايا العراقيين الذين لم تعرف أسماؤهم، وبالنسبة لنا بقوا كصور معلقة بدون هوية، سوى هوية الضحايا، ولكن الضحايا متشابهون، وربما يكون عرض أسماء عرفت هو نوع من إعادة الاعتبار لأسماء بقيت مجهولة..

ما حدث عام 2004 في أبو غريب وما كشف التقرير الأمريكي الأخير عن حدوثه إذاً  "لا شيء جديد، وهذا ما حصل أمام أعينكم طوال سنوات" هذا لسان حال الضحية عندما يرى صور ضحية أخرى، لا شيء جديد.. أمام الإصرار الفاشي على الإنكار وتغطية الوقائع.

عملت الولايات المتحدة دائماً على تغطية نفسها في إطار الديمقراطية الحقة، واعتاد الأمريكان النظر إلى الفضائح من هذا النوع من (ماي لاي) في فيتنام مروراً بسجون إسرائيل وصولاً إلى أبي غريب وغوانتانامو كشيء استثنائي، هامشي، أمام مسار الحضارة والأمركة.

لكن أحداث كمثل فضيحة العراق، كشفت دفعة واحدة خمسين عاماً من الجريمة، من اليونان إلى إيران إلى اندونيسيا وفيتنام وفلسطين مروراً بأمريكا اللاتينية، دائماً كانت الولايات المتحدة متورطة بالتعذيب والخطف وقتل مئات الآلاف من الناس.

مارست الحكومة الأمريكية التعذيب مباشرة وبالتفويض، وقد كتب آ.ج.لانغوش، الذي كان مصعوقاً من صور (أبي غريب)، كتابا بعنوان (الإرهاب الخفي) فضح فيه تورط الولايات المتحدة في التعذيب بالبرازيل والأوروغواي في الستينات وأوائل السبعينات " سمعت لأول مرة عن سياستنا في التعذيب عندما كنت في البرازيل في السبعينات، من صديق لي ضابط في الجيش البرازيلي، أخبرني عن أنواع الأشياء التي تدور، وعندما انتقدت ذلك قال: هيا، تعلم من علمنا".

آليكس تايلور، الناطق باسم (اللجنة الدولية لمناهضة التعذيب ومساعدة الناجين) اختبر شخصياً هذه المحنة في غواتيمالا: " والدتي اعتقلت، واختفت عام 1971، كنت طفلاً في التاسعة وقد شهدت ذلك شخصياً ". ويؤكد وليام بلوم صاحب الكتاب الشهير (الدولة المارقة)على الدور الشائن للولايات المتحدة: " المخابرات المركزية قد أسست وقدمت النصح والتمويل والمعدات للقوة الغواتيمالية     المسماة G-2  لاحظ بلوم أيضاً أن مزيداً من النشاطات للجيش في (أبي غريب) و(أفغانستان) لم تكن جديدة، تلك كانت قواعد التدريب في مدارس أمريكية افتتحت خصيصاً لهذا الغرض.

وقد كشف الكاتب البريطاني جورج وينبوت في مقال بصحيفة (الغارديان) عن معسكر في ولاية جورجيا تشرف عليه الحكومة لتدريب رجال الشرطة اتهموا بالتعذيب وممارسة الإرهاب في أمريكا اللاتينية. موبينبوت في مقاله المنشور بتاريخ 30/10/2001 قال: " يوجد في مدينة فورتس بيننغ بولاية جورجيا معهد لتدريب الإرهابيين أطلق عليه اسم " ويسترن همبسفير  للتعاون الأمني" وضحايا هذا المعهد يفوقون كثيراً قتلى انفجارات 11 سبتمبر، وهذا المعهد الذي يطلق عليه اسم (مدرسة الأمريكيين SOA )  قام حتى عام 200 بتدريب أكثر من 60 ألف جندي وشرطي من أمريكا اللاتينية متهمين بالقيام بأعمال تعذيب وإرهاب منذ عام 1946، في تشيلي وكولومبيا وهندوراس وبيرو، وعندما نوقش موضوع SOA في الكونغرس إثر حملة من بعض النواب لإغلاقها كانت النتيجة إعادة فتحها تحت اسم مختلف، ولعل معرفة ما يحدث في هذه المدراس يلقي الضوء على الأحوال النفسية للجلادين في (أبو غريب) ويفسر بشاعة الصور، ويظهر أنها ليست شاذة وليست استثنائية وإنما تم التدريب عليها عبر زمن طويل. وقد كشف بلوم أن مدارس البحرية الأمريكية في (سان دييغو) و (مين) كانت تعلم التلاميذ منهاجاً حول وسائل البقاء والنجاة والمراوغة ومقاومة الاعتقال والهرب وأيضاً الاستجواب وإخضاع الأسرى وفنون التحقيق..

وقد شهد الملازم أول ملاح بحري ويندل ريتشارد الذي كان طالباً هناك أن الطلاب كانوا يعذبون بدفعهم للتسابق بالاستمناء، وفي مناسبة واحدة على الأقل أجبروا على ممارسة الجنس مع المدربين.

وفي هذه المدارس تدربوا على التعذيب بتقنية (حافة الغرق) وهي وسيلة مرتبطة بالوضع على لوح مائل مع منشفة على الوجه والإغراق في الماء مما يسبب الاختناق والتقيؤ والغثيان ويغمر الشخص إحساس بالغرق. وهي تقنية استخدمت بكثافة عبر تاريخ المخابرات الأمريكية. والمعروف أن هذه التقنية استخدمت وما زالت تستخدم على نطاق واسع ضد المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، مع تطويرات تناسب الفاشية الجديدة في فلسطين.

وقد نشرت النيويورك تايمز في الثالث عشر من أيار تقريراً يفيد أن تكنيك (حافة الغرق) سيء السمعة استعمل ضد خالد الشيخ محمد الذي يزعم أنه المخطط الرئيسي لهجمات الحادي عشر من أيلول. وقد أكدت منظمة (آمنستي): " هذه قضية تعذيب واضحة ". وكان خالد الشيخ محمد قد اعتقل في منتصف الليل قبل أكثر من عشرين شهراً، وتم  تغمية رأسه ونقله إلى مكان سري وهو الوحيد الذي تغلب على جميع عناصر برنامج التعذيب الأمريكي في غوانتانامو ولم يعترف بأي شيء كما تبين لاحقاً. وقد استعمل المحققون مستويات متدرجة من القوة ضده تضمنت أسلوب (حافة الغرق) المعروف في أمريكا اللاتينية باسمsubmarineواعتقل ابناه اللذان يبلغان من العمر 7 و9 سنين لإرغامه على الاعتراف. وقد أكدت منظمة آمنستي أن هذه التقنية استخدمت من قبل بلدان تحمل سمعة سيئة في مجال التعذيب: " هكذا فإن محققي الولايات المتحدة أو وكلائهم أخضعوا سجناءهم لهذه التقنية وأشكال أخرى للغرق الزائف لتهديدهم" ويتساءل وليام ف. شولتز المدير التنفيذي لمنظمة آمنستي في الولايات المتحدة عن المعلم الأصلي لهذه الممارسات الوحشية؟

الأكثر مدعاة للاشمئزاز أن محققي الولايات المتحدة كانوا يستخدمون التعذيب استناداً إلى كتيب إرشادي، وكان أول كتيب إرشادي متعلقاً بوسائل التحقيق المؤثرة على العقل، وقد نشر في تموز عام 1963، وتحدث بوضوح عن استخدام الكهرباء لإخضاع المعتقلين. وقد عنون الكتيب المذكور بـ (وسائل القهر الرئيسية في التحقيق) التي تضمنت الحرمان عبر العزل والاحتجاز أو وسائل مشابهة والتهديد والإخافة والإضعاف والعقاب والتخدير والإغراء بالارتداد. ومن نافل القول أن هذه الوسائل نفسها يستخدمها المحققون الصهاينة الآن كما في السابق، وكاتبو هذه الكراسات كانوا يعلمون تماماً بلا قانونية هذه الوسائل، حيث أن المواثيق الدولية تؤكد باستمرار أن إدارة التحقيق تحت التهديد أو الاحتجاز هو بالخصوص ممارسة لا قانونية بالنسبة للمخابرات المركزية الأمريكية، فإن هناك موافقة مسبقة، فقد أكد الكتيب: " إذا كان الأذى الجسدي ضروري فإن المناهج والوسائل الطبية والكيميائية والكهربائية يجب أن تستخدم ".

الكتيب الثاني حول إرشادات التعذيب صدر في عام 1983، بعنوان (المخابرات المركزية واستغلال المصادر البشرية) وهو يكرر حرفياً في مقدمته هذه الفقرة من الكتيب الأول " لخلق وضع كريه لا يطاق لإيقاع الفوضى والتمزق في الوقت والفراغ والحرمان الحسي " وهذا ما يستخدمه موظفو الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان.وكان هناك في النهاية سبعة كتيبات للتحقيق ترجمت إلى الأسبانية لمصلحة ضباط جيوش أمريكا اللاتينية، ولدينا من الأدلة ما يدفعنا للتأكيد أنها ترجمت إلى العربية أيضاً.

لا شك أن الوضع القانوني للسجناء في العراق وأفغانستان كان موضع جدل كبير، ولكن الفقرة التالية من أحد الكتيبات تحسم الجدل: " إن المتمرد ليس له وضع قانوني كسجين حرب بموجب اتفاقيات جنيف ". وهكذا فما حدث في سجن (أبي غريب) لم يكن استثنائياً. وقد أكد الأب روي بورجيوس مؤسس SOA WATCH)) التي نظمت حملات لإغلاق تلك المدارس: " نحن نرى تقارباً حقيقياً بين التعذيب الذي قرأنا عنه في العراق والتدريب المرتبط بهذه المدارس" ويضيف " هذه ليست عدة تفاحات فاسدة، التفاح لا يقوم بالتعذيب، كانوا جنوداً حقيقيين من مدارس أمريكية وفي العراق مارسوا التعذيب الذي تدربوا عليه".

لا يمكن أن يكون التعذيب قابلاً للتبرير بأي شكل من الأشكال حتى لو حاولت ذلك ديمقراطية مزعومة مثل الولايات المتحدة، فلا يحق لأي جهة التلاعب بالمعايير القانونية الأساسية في تعاملها مع المعتقلين الأمنيين كما فعلت إدارة بوش، حيث خضع معتقلون لا تتوفر أدلة ضد الكثيرين منهم لأشكال من سوء المعاملة والتعذيب في سجن غوانتانامو بما فيها الاعتقال الانفرادي الطويل الأمد في مواقع غير مصرح عنها في نهج يعتبر أكبر تحد جذري لمرتكزات القانون الأمريكي والدولي.

وفي محاولتها لتبرير أفعالها ووفقاً لـ " الفريق المستقل لتقييم عمليات السجن لوزارة الدفاع " الذي ترأسه وزير الدفاع السابق جيمس شليسنجر، فقد صرح لـ(سي.آي.إيه) بالعمل "وفقاً لقواعد مختلفة" وانبثقت هذه الأنظمة جزئياً عن مذكرة وزارة العدل في آب 2002 رداً على طلب السي.آي.إيه لتلقي إرشادات، حيث نصت المذكرة على أن "تعذيب معتقلي القاعدة قابل للتبرير وأن القوانين الدولية ضد التعذيب قد تكون غير دستورية إذا تم تطبيقها في عمليات التحقيق".

والقلق الأمريكي نبع أساساً ليس من صحوة الضمير ولكن لاعتبارات خاصة بالمصلحة الأمنية الأمريكية حيث تقر تقارير أمريكية أن المعاملة الأمريكية للسجناء كانت بشكل عام عوناً للقاعدة، وبالتالي قللت من الأمن المرتجى، وكما أقرت لجنة تحقيقات 9/11 فإن الاتهامات بأن الولايات المتحدة أساءت لحقوق السجناء المحتجزين لديها يجعل من الصعب على الحكومة أن تبني تحالفات دبلوماسية وعسكرية هي بحاجة إليها.والاعتبار الثاني: أن قيام الولايات المتحدة بتعذيب وإخفاء أعدائها يشجع جميع الحكومات المناوئة في العالم بأن تفعل الشيء ذاته مستشهدة بمثال (أبو غريب).

ينبع القلق أيضاً من تقبل أساليب تتعارض جوهرياً مع الديمقراطية التي تدعيها الولايات المتحدة كدولة قانون.

ولكن هذا كله لا يغطي الحقائق، إذ قامت حكومة الولايات المتحدة بالفعل بدعم وتمويل والتدريب على التعذيب في مختلف أنحاء العالم. يبرز إلى الضوء هنا أيضاً التقارير الصحفية في في شهر  (كانون الثاني 2005) والتي أفادت بعزم الولايات المتحدة على إنشاء (زمر موت) شبيهة بتلك التي أنشأتها في أمريكا اللاتينية لمطاردة وقتل قادة المقاومة العراقية ورغم إنكار رامسفيلد وزير الدفاع آنذاك،  لهذه التقارير إلا أن تاريخ الولايات المتحدة يدحض هذا الإنكار ويبطل صدقيته.

وقد كتب آلان تايرن في أيار 1984 مقالا للبروغريسيف كشف العلاقة بين حكومة الولايات المتحدة ومتوحشي السلفادور " أوائل الستينات أثناء إدارة كيندي، أقام عملاء الحكومة الأمريكية في السلفادور منظمتين أمنيتين خاصتين قتلتا الآلاف من الفلاحين والمشبوهين اليساريين خلال خمسة عشر عاماً عرفت هذه المنظمة باسم (زمر الموت) وخلال إدارة ريغان وفي انتهاك صريح للقانون الأمريكي ذاته استمرت المخابرات المركزية بدعم وتدريب القوات الخاصة لتتورط مباشرة في نشاطات زمر الموت.

وفي شهادته فان الدكتور جون روماغوزا أحد الضحايا، فضح تورط الأمريكيين حيث احتجز لمدة شهر في نهاية 1980 وبداية 1981 ويقول أنه تعرض للتعذيب في سجن يدار أمريكياً" هناك أمريكيون شماليون في المناصب العليا للجيش السلفادوري وقد كانوا جميعاً هناك عندما علقت من يدي وعذبت، وكانوا يسألون أسئلة ويضحكون".

وعند سؤاله عن الانتهاكات في العراق، قال: أنه يشعر بحزن مروع يذكره بالرعب الذي تعرض له:" كيف يمكن للبشر أن يفعلوا ذلك، وكيف بإمكان الولايات المتحدة أن تمارس هذه السياسة العمياء اللاإنسانية المتعجرفة التي تفترض أن شخصاً ما أفضل من الآخر".

أيضاً تورطت الولايات المتحدة بالتعذيب والاغتيال في الهندوراس بداية الثمانينات، حيث نظمت المخابرات المركزية ودربت ومولت وحدات من الجيش تدعى الكتيبة 316، وقد كتبت (البالتيمور صن) عام 1995 عن ذلك: " لقد قاموا بالخطف والتعذيب وقتلوا مئات من الهندوراسيين واستخدموا الكهرباء والخنق في التحقيق، وترك السجناء عراة، وعندما لا يفيد ذلك كانوا يقتلون ويدفنون في قبور مجهولة ".

الفضيحة الأخرى أن السفارة الأمريكية في الهندوراس كانت تدار آنئذ من قبل السفير نيغروبونتي الذي كان على إطلاع على انتهاكات حقوق الإنسان ولكنه قام بتغطيتها، وقد صرح قبل أن يصوت الكونغرس لتعيينه سفيراً في الأمم المتحدة: " أنا لا أؤمن أبدأ بأن فرق الموت تعمل في الهندوراس " ومما يدعو للاشمئزاز أن الرئيس بوش قام بتعيين نيغروبونتي سفيراً للولايات المتحدة في العراق بعد الفضيحة مباشرة ربما لأنه أكثر مهارة في التعمية والتضليل وإخفاء الجرائم!!

هل هناك داعٍ لمزيد من الأدلة، ربما يحتاجها أولئك المدافعون عن (الحضارة الأمريكية وأجنحة الحرية) فمذبحة (ماي لاي) ما تزال ماثلة في الذاكرة كإحدى أكثر الأفعال بشاعة وإجراماً، مذبحة نفذها الجيش الأمريكي في فيتنام، ولكن ما لم تبرزه الذاكرة أن هناك جريمتين لا تقلان بشاعة، مذبحتان نفذهما الجيش الأمريكي ظهرت إحداها إلى الضوء في مجلة (توليدو بليد) في سلسلة جوائز البوليتزر عام 2004، التي كشفت عن وحشية (قوة النمور) وهي وحدة أمريكية عام 1967، تركت آثاراً وحشية بمئات من الضحايا المدنيين، في فيتنام، أطفال ونساء تركوا ملقون على الأرض في مستودعات الفحم الحجري حتى الموت، ومزارعون كهول أطلقت عليهم النار في حقولهم، سجناء عذبوا وأعدموا ، قطعت آذانهم وراحات أيديهمـ، أحد الجنود اقتلع أسنان الضحايا من أجل الحشوات الذهبية!

المواقع السوداء:

بالعودة إلى التقرير الأخير، نلقي الضوء على تورط الحكومات العربية في الجرائم التي ذكرت، ومن المفيد التذكير بما قلناه آنفاً:

"فضحت الصور القادمة من (أبو غريب)، حقيقة أنظمة القمع العربية، التلميذ النجيب لثقافة التعذيب الأمريكية، هذه الأنظمة التي لم يخرج عنها انتقاد جوهري واحد تقريباً، ولسان حالها يقول، من أين للتلميذ أن يلوم معلمه، لأن هذا يحدث هنا والآن"

لعل التقرير الأخير يكشف حقيقة هذا الصمت، لأنهم كانوا متورطين فعليا، وما كان لهم الاعتراض على أفعالهم بالذات، رغم أن شراكتهم كانت معروفة منذ زمن، فعلى سبيل المثال المثال نشرت مجلة ذي نيويوركر عام 2005 تقريراً للصحفية جين ماير، كشفت فيه عن عمليات الترحيل القسري السري إلى مصر والاردن وسوريا والمغرب، رغم أن الوقائع الأخيرة تكشف تورط مزيد من الدول العربية في هذه الفضيحة، إلا أن التقرير يكشف على الأقل 13 دولة عربية متورطة مباشرة في السجون السرية أو التعذيب بالوكالة وهذه الدول هي: العراق وسوريا ومصر والمغرب وموريتانيا ولأردن وجيبوتي والجزائر وليبيا و اليمن والصومال والامارات، رغم أن ثمة إشارات أخرى تفيد بتورط السعودية أيضاً.

ورغم اخفاء التقرير الأمريكي المعلومات عن مواقع السجون السرية إلا أن تقريرمنظمة أوبن سوسيتي الحقوقية العام الماضي يشير بوضوح إلى تورط الدول العربية المعنية بتعذيب المعتقلين بالوكالة لصالح المخابرات الأمريكية وأن دولتين عربيتين على الأقل، هما المغرب والعراق استضافتا سجونا تابعة للوكالة الأمريكية. طبعا التقارير الآن حول الخاضعين للتعذيب أصبحت متاحة وبوفرة على الشبكة ويمكن مراجعتها للإطلاع على الأسماء والوقائع. ولكن من المناسب الإشارة الى بضع حالات كنماذج على سبيل المثال ماهر عرار  الكندي من أصل سوري ، الذي اعتقل عام 2002 في نيويورك بناء على معلومات خاطئة وتم تسليمه لسوريا ليعذب لعشرة أشهر وقد صرح أن الأسئلة التي طرحت عليه في سوريا هي ذاتها التي طرحت عليه في نيويورك. المثال الأبرز على الفشل كان محمد عبد العزيز الفاخري المواطن الليبي المعروف بـ (ابن الشيخ الليبي) الذي ألقي القبض عليه في أفغانستان 2001 وأرسل إلى مصر حيث عذب وأدلى باعترافات كاذبة بأنصدام حسين وفر للقاعدة تدريبا على الأسلحة الكيماوية والبيولوجية هذا الإعتراف الذي استخدمه كولن باول  في خطابه في الأمم المتحدة عام 2003 لتبرير غزو العراق.

وماذا بعد؟

ترى ما هو شرط استمرار وصمود الإمبراطورية، ما هو الثمن الذي يجب أن تدفعه لتستمر، تلك ليست مجرد تفاحات فاسدة، بل هو نظام مبني على العنصرية البغيضة التي تصنع آلية تضع آلية تفاضل بين الناس والأمم.

ثمن الإستمرار مدفوع من "روح الإنسانية"، ومن حسن الحظ وجود ذاكرة أخلاقية لا تنسى ولا تتعامى عن الحقائق ولا تزيف ولا تدعي براءة كاذبة مرتكزة إلى فجوة في ذاكرة الرأي العام.إن هذه البراءة الكاذبة كما يقول الكاتب التشيلي الأمريكي أريك دورفمان هي صفة كلية للإمبراطورية التي أصبحتها الولايات المتحدة، ما يحدث هناك داخل حدود الإمبراطورية أن الإعلام لا يقدم تحليلاً كاملاً للمعلومات للسماح للناس بالحكم بأنفسهم على ما يحدث، ولكن ما هو حقيقي أيضاً أن العديد من الناس يخضعون لنمط من الحياة يجعلهم يعمون أنفسهم طوعاً عن الحقائق التي يرونها بأنفسهم.

يعتبر آ.ج. لانغوث  أن التعذيب متمم أساسي للوجود الإمبراطوري " نحن ورثة الإمبراطورية والإمبراطورية تقف وتستمر على عدد من الدعامات التي لا نهتم بالنظر إليها، والتعذيب كان ـ وأخشى أنه سيستمر ـ كأحد هذه الدعامات".

إن نبذ هذه الوسائل لن يكون طوعياً، والوسيلة الوحيدة على ما يبدو هي الانخراط في نضال عالمي لمواجهة العنجهية الأمريكية، وهو نضال شاق وطويل، لكنه ضروري حتماً من أجل إنقاذ البشرية من البربرية التي تمد أذرعها لتمزق كل ما هو خير في هذا العالم، معممة الجريمة والرعب، مقدمة المصالح العنصرية القومية الضيقة، على الاحتياجات الحقيقية لمستقبل آمن ومثمر وحرية حقيقية قائمة على خيارات الناس والشعوب في عالم أصبح مهدداً بسيطرة الفاشية التي يبدو أنها لم تهزم تماماً مع انتهاء الحرب العالمية الثانية.