الاستثمار في المستوطنات... والكيبوتسات!

حجم الخط
الاستثمار في المستوطنات... والكيبوتسات! و إنَّ: من "الاقتصاد"...لسحراْ عُقدت يوم 22 كان ثانٍ 2012 ندوة في جمعية الهلال الأحمر بالبيرة لمناقشة مسألة الاستثمارات الفلسطينية من الضفة الغربية في الكيان مع تعريج على الاستثمارات في الخارج. أدار الندوة السيد عبد الرحمن ابو عرفة عن الملتقى الفكري العربي، وتحدث فيها د. سمير عبد الله، و د. محمود الجعفري، والسيد/الباحث عيسى سميرات الذي وقف أطروحته على استثمار فلسطينيين في المستوطنات والكيان، والسيد محمد المسروجي عن رجال الأعمال. هذا الحديث ليس تقريظاً لما قيل من قبل المتحدثين إلا بشكل لُمامي. أما انعقاد هذه الندوة وندوة الأسبوع الفارط والكتابات في الصحف والإعلام المسموع، واحتجاجات موظفي القطاع الحكومي ورجال الأعمال والحراك الشبابي واستغاثات وعويل النساء في وزارتهنَّ...الخ إلى جانب الإمعان في التفاوض وحديث السيد أبو مازن بأن كل الخيارات مفتوحة باستثناء الكفاح المسلح (وهذا تهديد لمن يفكر في هذا الكفاح)، فهي دلالات على واقع منفلت غير مستقر فيه هجوم على كل شيء وفيه قوة دفع للاحتجاج على الأقل. هذا ما يستدعي القراءة بأدوات الاقتصاد السياسي من جهة، والتنبه إلى غياب مكونات أساسية في المجتمع عما يحدث وهي: نقابات العمال ولا نقول الحركة العمالية لأنها غائبة، والطلاب أيضا لغياب حركة طلابية! كانت دوافع الندوة مسألتين: الهجمة الضريبية التي قادها رئيس وزراء الحكم الذاتي وأطروحة الباحث عيسى سميرات بإشراف د. محمود الجعفري والتي تقاسم الحضور الموقف منها مباركة ورفضاً. إن الهجمة الضريبية (سواء بدأت أو هي في الطريق) تحمل دلالات مثيرة للتساؤل لاحتوائها على تناقضات داخلية متعددة. فالجباية الضريبية مهما استعرت لن تغطي من العجز سوى القليل مما يشي بعدم ضرورتها في وضع اقتصادي يعيش إلى درجة كبيرة جداً على ريع مالي (التمويل الأجنبي) متأتي من تنازلات سياسية وطنية. وهذا الريع المالي لم ينعكس في خلق مواقع إنتاج محلية تستدعي جباية ضريبية، بل إن عاماً بعد عام يبين لنا اتجاه منحنى الإنتاج إلى الأسفل. هذا إذا أهملنا المسألة الأخطر وهي اعتماد السلطة سياسة الباب المفتوح دخولاً، أي تشجيع الاستيراد تلبية للاستهلاك وتشجيع الاستهلاك المفتوح طمعاً من السلطة في تمويل بنيتها من جني الضرائب على الواردات، وسياسة الباب المفتوح خروجاً، أي تسهيل نزيف الفائض المتحصل من العملية الاقتصادية للبلد إلى الخارج مما يقوض إمكانيات الاستثمار. وهذا انسجاماً مع وصفات الصندوق والبنك الدوليين وهي السياسة التي تُختتم بالتقشُّف أي مد اليد إلى جيوب الأكثرية الشعبية[1]. أما الموضوع الرئيسي للندوة فكان أطروحة عيسى سميرات التي تناقش استثمار فلسطينيين في المستوطنات والكيان. لقد قرأت أطروحة سميرات بدرجة من الانتباه، وهذا ما أكد لي صحة حديث د. الجعفري وسميرات بأن البحث كان مغامرة دخول في غابة. فليس من السهل جمع معلومات عن أمور حساسة من ناحية مصلحية ووطنية ومن أطراف محلية وصهيونية. كما ليس من السهولة بمكان أن يُعلن الباحث أسماء من يستثمرون في الكيان لما لذلك من سلسلة مخاطر عليه نفسه! وبمعزل عن هذا كله، فإن كثيراً من التعقيبات والكتابات ضد الأطروحة لا تقلل من كونها مساهمة ممتازة من حيث اختراق مجال لم يطرقه أحداً بالمعنى الأكاديمي لإجراء بحث، وهي مساهمة لأنها كشفت عن عيب كبير في الاقتصاد المحلي يعرفه كثيرون، كلما زادت معرفتهم به زادوا إخفائه!. ربما تكمن أهمية الأطروحة في مجرد القيام بها في هذا المجال تحديداً وهو معروف وغير مطروقٍ! هذا إلى جانب أن الباحث ومشرفه لم يُقصِّرا في المسألة الأساس وراء الاستثمار في الكيان وهو تشخيص غياب المناخ المشجع للبقاء والاستثمار غياباً بنيوياً متمثلاً في طبيعة اتفاق أوسلو وبروتوكول باريس اللذين أجهزا على المشروع الوطني مهما هتف المتحمسون، وليس الحمساويون ل: المدن المحررة، والسلطة الوطنية، ولمعالي الوزير وعطوفة المحافظ...الخ ومن هنا حضور الاقتصاد السياسي. وقد تعامل الباحث مع غياب المناخ المشجع والملائم للاستثمار تعاملاً دقيقاً وعلمياً وتلافى التعامل السياسي النقدي بالمعنى الحامض. ومع ذلك لم ينجُ من هجوم في هذا المستوى! وليس هنا سياق مناقشة غياب السيادة والتي على أساسها قام غياب القرار السياسي في الاقتصاد بل ومختلف مناحي الحياة. فلا تنمية في غياب قرار سياسي أولاً. قضية من ثلاثة هذه المسألة التي عالجتها الأطروحة هي جزء من ثلاثة أجزاء لا بد من العمل عليها سواء كأبحاث علمية أو كخدمة وطنية وهي: 1- موضوع الأطروحة نفسها، أي الاستثمار الفلسطيني في الكيان. 2- التعاقد من الباطن. لقد اسّر أكثر من باحث إلى، أو ذكر علاقة التعاقد من الباطن مع اقتصاد الكيان كعلاقة اقتصادية وبشكل محايد كما لو أنها عملا عاديا محلياً. وربما كان سبب هذا النمط من التعامل هو البداية المبكرة لهذه العلاقات أي منذ عام 1968 على شكل ورش الخياطة وغيرها وأعتقد أن هذه وصلت إلى مشاركة في عقارات ومعامل وغيرها، وهذا مصدر خطورتها بمعنى امتلاك إسرائيليين لأبنية وأراض داخل الضفة والقطاع أخذاً بالاعتبار الجوهر الاستيطاني الاقتلاعي للكيان[2]. 3- الاستثمارات السرِّية المتبادلة أي استثمارات الكيان في الأراضي المحتلة 1967 بالتعاقد من الباطن (على الأقل) كما اشرنا، أو استثمارات فلسطينية في الكيان وهذه لها عدة مستويات: a. استثمار من فلسطينيي الأرض المحتلة 1967 في الكيان (وهذا موضوع أطروحة سميرات) b. استثمارات فلسطينيين قادمين من الخليج هنا وفي الكيان c. استثمارات عربية مع شركاء فلسطينيين محليين أو قادمين من الخليج والشتات. d. استثمارات من كل او بعض هؤلاء من خلال شركات عابرة للقوميات في الكيان. ومختلف هذه المستويات الأربع هي تطبيع مع الكيان له مخاطره في تصفية القضية الفلسطينية وتمكين الكيان من الاندماج في الوطن العربي اندماجاً مهيمناً، هذا ناهيك حتى عن عجز سلطة الحكم الذاتي عن متابعة هؤلاء ضريبياً وهذا اضعف "الكفر". هذه الاستثمارات، وطابعها السري، (وهذا لا يقلل من قيمة أطروحة سميرات التي حاولت اختراق المستور، والتركيز على وغياب المناخ الاستثماري والمبني أساسا على غياب سياسة تنموية لمنظمة التحرير ولاحقا للحكم الذاتي)، هي التي تؤصِّل الاستنتاج بغياب مشروع وطني. وهي السياسة ب غياب السياسة التي حاولت الرد عليها بنموذج التنمية بالحماية الشعبية، الذي ما زال يحتفظ بقيمته وضرورته.(تابع لاحقا). ملاحظات أُثيرت كنقد للأطروحة: يمكن للمرء أن يستخلص من بعض الانتقادات، رغم أن النقد ضروري في كل شيء، وجود نزعة التقليل من شأن البحث وحتى من شأن موضوع البحث رغم أهمية الإثنين. أما نقد البعض فيما يخص مستوى الدقة، فليس من السهولة بمكان الحصول على معلومات دقيقة وموثقة نظراً لحساسية الموضوع نفسه وطنياً وشخصياً. فهو سلوك يتناقض مع طبيعة الصراع حتى في فترة ما يسمى السلام والذي يصح، وخاصة في هذا السياق تسميته "سلام رأس المال". فالوصول إلى معلومة شخصية عن نشاط مرفوض مجتمعياً وسياسياً وثقافياً هو أمر شائك حتى ولو في مناخ تراخي المشروع الوطني أو تهالكه. ليست هناك سجلات رسمية لهذه الأعمال، ولا توجد جهة تقع هذه الأعمال ضمن مسؤولياتها كي يتوجه الباحث إليها مطالباً بالمعلومة الدقيقة بل إن غيابها أمر يثير الشكوك. ومن هنا المعنى الافتراضي للغابة سواء بالمعنى السياسي او الرقمي الإحصائي المسجل. وهذا يجعل نقد الأطروحة من هذا الباب بدون أرضية قوية. لكن هذا لا ينفي الحق في الإشارة إلى هذه المسألة ولكن لا كضعفٍ في البحث وإنما في إمكانية الوصول إلى المعلومة. كما ليس من العلمية بمكان القول إن مقدار الاستثمارات في الكيان هو حجم هامشي لا يستحق هذه الضجة، وخاصة على ضوء مقارنته بما يسمى الاستثمارات في الخارج، وكأن الأمر قراءة كمية وليس الأمر مسألة مبدأ أو على الأقل مسألة الانسجام أو الاختلاف مع المصلحة العامة ومسألة تساوق مع أو مواجهة للمستعمِر الاستيطاني. إن بلداً يعيش على تلقي مساعدات أجنبية تحمل مخاطر كثيرة من ضمنها خطر تواصل تقويض مواقع الإنتاج، لهو أجدر بالاحتفاظ بأي فلس من الفائض المتحصل فيه ليبقى في البلد ويتم استثماره فيها. هذا ناهيك عن طبيعة الصراع مع العدو ومرحلة ما يسمى " بناء دولة" وضرورة التنمية وليس التحديث...الخ[3]. كما أن ما يسمى الاستثمارات في الخارج، ليست استثمارات بالمعنى الحقيقي بقدر ما هي نزيف الفائض المحلي إلى مراكز البنوك غير المحلية الموجودة في الخارج. وهناك يمكن أن تتحول إلى استثمارات من قبل المقترضين من تلك البنوك. أشار البعض إلى أن بعض المستثمرين المحليين غادروا الأرض المحتلة إلى الخارج بحثاً عن مناخ استثماري أفضل وبعضهم عاد ثانية إلى الأرض المحتلة نظراً للتمييز ضدهم كفلسطينيين. ولا يسع المرء اعتماد هكذا تحليل لأن معظم دول العالم تعتمد اقتصاد الباب المفتوح، فخروج أو رجوع المستثمِر أمر لا علاقة له بالجنسية بقدر ما هو متعلق بفرص الربح[4]. وإذا كانت هناك مضايقات على الفلسطينيين ربما من قبيل الحماية الاقتصادية من بلد لمستثمريه، فلماذا لا تُتًّبع هذه السياسة هنا! لام البعض على الأطروحة من مداخل تقنية التحليل الاقتصادي. فمثلاً لم يتفق بعض الحضور مع الباحث اعتباره العمل المقاوِل في بناء المستوطنات او الجدار استثماراً على اعتبار أن الاستثمار هو مشروع لأجل طويل، أو كما يطرح المستحدثون الرأسماليون بأنك حين تقيم مشروعاً ضع في اعتبارك استمراره لا توقفه. ولا أعتقد أن التقيد بالمسألة التقنية البحتة أمر سهل تجليسه في الحالة المعطاة. فالعمل المقاول هو لون/فئة من الاستثمار وليس خارج مدار الاستثمار. فيمكننا فهم هذا الاستثمار من ناحية قومية/طبقية بمعنى ترك الاستثمار الأسود للفلسطينيين وانتقال رأس المال اليهودي لمجالات أكثر أربحية وأعقد تقنيةً، وبهذا يسد هذا الاستثمار الفلسطيني ثغرة في خدمة الاقتصاد الصهيوني. وعليه، تكون الإدانة اقتصادية وليست سياسية وحسب. كما أن رأس المال الذي يُدفع في العمل المقاولاتي يبقى ضمن دورة المال الصهيوني أي لا تتم استعادته إلى الأرض المحتلة 1967 بما حققه من فائض، بل يبقى هو والفائض هناك. وهذا يفتح على مسألة التبعية الاقتصادية لمختلف أنشطة الأرض المحتلة اقتصادياً. فعلى سبيل المثال، فإن المال السياسي المدفوع في المحتل 1967 سواء من المانحين أو منظمات الأنجزة، وحتى ما يُنتج من فائض من الأنشطة الاقتصادية المحلية هي جميعا مثابة جداول مالية تسيل/تصب/تنتهي في النهاية إلى بركة الاقتصاد الصهيوني عبر عملية المتاجرة ذات العجز لصالح الكيان. يعتمد البعض في وصف أي استثمار بأنه أجنبياً، يعتمد معيار منظمة التجارة العالمية بأن ينقل الشخص، الشركة، المؤسسة ما لا يقل عن 10 بالمئة من رأس المال. وهذا يفتح على نقاشين: الأول: من يدري مقدار رأسمال شخص ما بشكل حقيقي، ولماذا يمكن لفرد في مجتمع رأسمالي أن يُفصح عن حقيقة بياناته؟ والثاني: لماذا يجب اعتماد معيار منظمة التجارة العالمية، تماماً كاعتماد خط الفقر لدى البنك الدولي. فالاستثمار الأجنبي، وخاصة في اقتصاد نحن في حالة حرب المئة سنة معه ولم تنهِ هو مسألة موقف ومبدأ. تجدر الإشارة هنا أن الضربية السعودية قررت وقف المقاطعة مع الكيان الصهيوني امتثالاً لشروط منظمة التجارة العالمية حين قُبلت عضواً فيها. أليس هذا العذر الاقتصادي أقبح من ذنب! في محاولة الدراسة تقديم وصف دقيق قدر الإمكان للتوزيع العمري والتعليمي والمهني ...الخ وردت نسبة عالية ممن بدأوا حياتهم في العمل في الكيان كعمال عاديين قبل اتفاق أوسلو وبعده. وقد وُجه النقد للدراسة من مدخل أن هؤلاء العمال ليسوا ذوي وزن مالي وبالتالي استثماري كبير. وربما كان هذا النقد صحيحاً من حيث الملاءة المالية. ولكن هذا لا يسمح بوصف المبالغ المستثمرة في الكيان بأنها ضئيلة بناء على الواقع الطبقي /الملكوي للعمال. فبوسع متمول كبير أن يستثمر بآلاف أضعاف العامل مما يجعل مقدار الاستثمار ضخماً. هذا مع ضرورة أن نتذكر أن المسألة هي أيضا في المبدأ سياسياً وفي النتائج اقتصادياً لأن الاستثمار في الكيان وإن كان ناتجاً عن مناخ محلي مجافٍ، فعملية الاستثمار نفسها هي خالقة ومكرسة لهذا المناخ عبر استخدام الفائض في خلق فرص عمل في الكيان مما يحول دون خلق الفرص في الاقتصاد المحلي ناهيك عن تشجيع آخرين للاستثمار في الكيان والقبول بطرق ملتوية جداً لتحقيق ذلك طرق بعيدة عن الاقتصاد بوجهيه التقني والاقتصاد السياسي. ناقش البعض أن دراسة سميرات استغلت من قبل الإعلام داخليا وخارجياً، وأن هذا الاستغلال دفع مستثمرين عرباً للاستنكاف عن الاستثمار في الأرض المحتلة بحجة أنه طالما الفلسطينيين يستثمرون في الكيان، فلماذا نستثمر عندهم كعرب! والسؤال هنا ما الصحيح؟ هل يجب التغطية على ما يحصل أم مواجهة الواقع؟ فليست التغطية حلاً. لقد تمت التغطية على الكثير منذ أوسلو على الأقل وكانت النتيجة زيادة الفضائح والكوارث. هناك تغطية على فضائح سياسية واقتصادية وثقافية. وكل فلسطيني لا يدري أن العرب على علم بذلك، إنما لديه قرار بالصمم. وهذه التغطية هي قُطرية فلسطينية كسلاح نستخدمه حينما نشعر بالدفيء في حضن الصهيوني، ونستبدله ب "واجبات العرب" حين نشعر بقرصة برد! فنحن الذين علمنا العرب أن عضوية الكنيست خيانة، ونحن الذين كرسنا عضوية الكنيست كنضال قومي، ونحن الذين قلنا للعرب واجبكم تحرير فلسطين، ونحن الذين اعترفنا بأن المحتل 1948 هو إسرائيل وليس وطننا. ونحن الذين نستثمر في المستوطنات ونزعم أنه هامشي! بين الاستخفاف والمبالغة في هذا وذاك تضيع مسألة المبدأ والموقف، وهذا ما يفتح المجال للفلتان الفردي. فالتخلي أو التذبذب تجاه الأساسيات يسمح للأفراد أن يُجيزوا لأنفسهم ممارسات تبدأ من الرخاوة، والمراوغة والانغراق وحتى الخيانة[5]. من الطرفة بمكان نقد صدق الأطروحة من خلال التذرع "باستنكاف" مستثمرين عرباً! فالعربي الذي أتى للاستثمار هنا هو غالباً الخليجي (وخاصة السعودي والقطري والإماراتي) الذي قراره المالي مرتبط بقرار سلطات بلاده السياسي التابع للولايات المتحدة والذي يقيم علاقات تحتية مع الكيان الصهيوني جوهرها التطبيع. وعليه، فإن مجيء هذا المستثمر إلى الأرض المحتلة ليس حتى مالياً بالدرجة الأولى بل تطبيعياً لتجسيد وتكريس الاعتراف بالكيان الصهيوني. وهذا ينطبق أساسا على من حضروا علناً مؤتمر بيت لحم للاستثمار، ومن استثمروا سراً. هناك الكثير مما يجب الكتابة فيه، وخاصة الاستثمارات التي يملكها مستثمرون فلسطينيون في الخليج وفي الأرض المحتلة وكيف شكَّل هؤلاء ناقلة لإدخال رأس المال باسم خدمة الاقتصاد الوطني في حين كانت النتائج تطبيع مع اقتصاد الاحتلال، وهو الأمر الذي يطرح السؤال المركزي: عن ماذا يبحث الفلسطيني؟ عن الاستقلال، عن التحرير أم عن الربح اللامحدود عبر أي نوع من النشاط الاقتصادي في شراكات مع شركات معولمة تتركز في المركز ضمن سيادته وسيادة الدولة القومية هناك وتعمل على تتبيع المحيط مخترقة سيادة دولة المحيط، فما بالك بمن لم يصبح دولة!. ________________________________________ [1] قارن الكاتب رجا الخالدي سياسة سلطة الحكم الذاتي في التقشف بسياسة اوروبا بينما الولايات المتحدة تتبع سياسة ضخ السلطة أموالاً في المؤسسات البنكية كي تحرك عجلة الاقتصاد مجدداً. لكن المقارنة بقيت مجزوءة حيث لم يفسر لماذا اختلف المعالجة الأميركية عن الأوروبية. كان العامل الدال في الاختلاف هو قيام الصين الشعبية بإقراض الولايات المتحدة مما وفر السيولة المالية للدولة كي تنفق وتضخ في القنوات البنكية، وبالطبع حصلت الصين على سندات الخزينة الأميرية. ولم تحاول الصين مساعدة أوروبا لأن ضعف أوروبا هو لصالح الصين الصاعدة وهو بحد ذاته يُضعف الولايات المتحدة في التحليل الأخير. لقد حصلت الولايات المتحدة على 3,5 تريليون دولار من الصين بمقابل مر بالطبع. أما بلدان الخليج وخاصة السعودية فقدمت للولايات المتحدة 2 تريليون هي تحويشة صناديقها السيادية لوجه....الشيطان. [2] وقد أشرت إلى هذه الاستثمارات الصهيونية في الاقتصاد المحلي بشكل محدود في كتابي اقتصاد المناطق المحتلة: التخلف يعمق الإلحاق 1975 وكتابي اقتصاديات الجوع في الضفة والقطاع 1979، وبتفصيل أفضل في كتابي الرأسمالية الفلسطينية: من النشوء التابع إلى مأزق الاستقلال 1991 ص ص 263-280. [3] فالمألوف أن البلدان الرأسمالية الغربية حققت تطوراً ونمواً عبر إتباع سياسة التحكم بالفائض لإعادة استثماره داخلياً، وحتى في إعلانها المتواصل حتى اليوم بأنها مع حرية التجارة إلا أنها من ناحية عملية تمارس الحماية. إن ما تحتاجه حالة الأرض المحتلة هو التحكم بالفائض وفك الارتباط باقتصاد الكيان ومتابعة ومحاسبة الشرائح الاجتماعية التي تشكل المبنى الاجتماعي للتراكم ومنها المستثمرين المقصودين وهذا يناقض تماماً بروتوكول باريس واتفاق أوسلو التي قيدت سلطة الحكم الذاتي نفسها به وجعلت منه شماعة لتبرير كل ما يجب أن تقوم به متذرعة بالاحتلال الذي وقعت هي وليس الشعب معه هذه الاتفاقات. [4] هذا ما يسميه ماركس قانون الانسحاب (أي ترك مناطق الربح الضعيف) والغزو (التوجه غلى مناطق الربح الأعلى)، وهذا ما يفتح على مناقشة الارتباط الجغرافي الوطني والهوياتي لرأس المال في اي بلد. [5] وإلا ما معنى مشاركة أحد محافظي محافظات شمال الضفة الغربية مختلف احتفالات مجلس المستوطنات، ومشاركة عضو لجنة تنفيذية من اليسار في ذلك، وهو ممن يتفاخر أنه لم يكن لديه أي شعور عروبي قط في حياته؟ وما معنى دعوة صهاينة غلى احتفالات أعراس رأسماليين محليين، وعيش فلسطيني في كيبوتس مع عُتاة الصهاينة؟ أليست هذه استثمارات "افتراضية" في المستوى الثقافي نتائجها ربما اخطر من الاستثمار المالي؟