حكيم الثورة في ذكراه الرابعة

حجم الخط
في السادس والعشرين من كانون ثاني عام 2008 غيب الموت في عمان الراحل الكبير د . جورج حبش ، والذي لقبه الرئيس الراحل ياسر عرفات بحكيم الثورة وهو بحق حكيمها . ومن حقه علينا وعلى أبناء شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية تذكر هذا التاريخ بالتقدير والإجلال وإحياءه دوماً . لقد تحدث الكثيرون عن الربيع العربي ، ونحن نقدر عالياً انتفاضات شعوب أمتنا العربية ، بل إننا انتظرناها طويلاً ، فهي حقيقة تخدم صمود شعبنا ضد الاحتلال في نهاية الأمر ، ومهما كانت انشغالات هذه الشعوب في أوضاعها الداخلية وهي كثيرة . وبالعودة لشهيدنا الكبير علينا تذكر أنه أول أمين عام تنظيم سياسي فلسطيني وعربي يتخلى عن كرسيه وموقعه ديمقراطياً في المؤتمر الوطني السادس للجبهة الشعبية ، مع أنه أبدى هذه الرغبة قبل ذلك بكثير ، بالرغم من مطالبة رفاقه له بالاستمرار . ليعطي بذلك درساً في الديمقراطية ، ويفتح الباب واسعاً أمام شباب المستقبل . وفي الوقت نفسه حرص دائماً أكان ذلك في مواقعه التنظيمية المتعددة [ كأمين عام لحركة القوميين العرب ، الجبهة الشعبية ] وفي لقاءاته الثنائية أو الجماعية العديدة على البعد العربي والإنساني للقضية الفلسطينية في النضال الوطني الفلسطيني . ودعى الجميع أن ميزان القوى مع المحتل لن يتعدل إلا بنهوض حركة التحرر الوطني العربية ، ومعها حركة التحرر العالمية ، ووقوفهما إلى جانب الشعب الفلسطيني وثورته خاصة أن العدو الصهيوني يحظى بالدعم والمساندة غير المشروطين من الدول الرأسمالية وفي طليعتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة . فالمصالح المشتركة لكل هذه الأطراف لا حدود لها . إن حكيمنا الراحل عنا الدكتور حبش ، إضافة لديمقراطيته وعروبته ، ذا نظرة ثاقبة ، فقد حرص في حياته كل الحرص على الكيان السياسي الموحد ممثلاً في م . ت . ف . مهما كانت الخلافات السياسية مع قيادتها . ولم يسمح يوماً لنفسه وعمل مع غيره ، من أجل صون الوحدة والديمقراطية ولسان حاله يقول شعبنا تعددي سياسياً واجتماعياً ، وعلينا إذا أريد لنا الانتصار صون وحدته في كيان سياسي واحد أولاً . وندع الاختلافات لتأخذ طريقها وفي الكيان السياسي الواحد في إطار البرنامج الواحد وهو العودة وتقرير المصير والدولة السيدة وعاصمتها القدس . وعبر هذا عن نفسه في سياسته طوال حياته وفي سياسة التنظيم الذي عمل مع آخرين على إنشائه عام 1967 ، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، وللتدليل على هذا أذكر الرواية التالية ، " في عام 1976 ، عملت المنظمة والحركة الوطنية اللبنانية مهرجاناً في اليونسكو لشهداء يوم الأرض في آذار ، وكانت الخلافات السياسية الفلسطينية قائمة ، فتحدث الشهيد ياسر عرفات كرئيس للمنظمة، وبعدها دعى عريف الحفل شهيدنا الراحل للحديث باسم جبهة الرفض وكانت المعارضة الفلسطينية في حينه والدكتور حبش رئيسها ، فنهض حبش وقال: " لفلسطين كلمة واحدة يلقيها الرئيس عرفات ، ما دمنا في معركة واحدة هي الدفاع عن الأرض وحمايتها وشعبنا صامد فوق أرضه " وعاد لمقعده وجلس . ووفاءً له ولقناعتها بذلك لا زالت الجبهة الشعبية مستمرة في تبني هذا الموقف . فكان في مختلف مواقعه التي تبوأها طوال حياته وبخاصة منذ عام 1948 وعينه على فلسطين . فعمل من أجل تحررها فكرياً وسياسياً وتنظيمياً، فهو فلسطيني بامتياز عمل من أجل تحررها باعتبارها القضية المركزية الأولى عربياً وإنسانياً . وفي صيف عام 1967 ، تخلى عن التنظيم العربي الموحد [ حركة القوميين العرب ] وأسس الجبهة الشعبية ونادي قوى حركة التحرر العربية ، وفي مقدمتها أفرع حركة القوميين العرب في الوطن العربي لدعم نضال الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية وصولاً للانخراط الذاتي بها. وفي هذه المرحلة وبفعل التطورات الدولية وفي مقدمتها انتصار حركة الشعوب عالمياً وبخاصة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ، تبنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادته ، الفكر الماركسي اللينيني ، وعملت على الاسترشاد به في مسيرتها الطويلة . فقضية شعبنا الفلسطيني كانت ولا زالت وستبقى قضية لشعب واقع تحت الاحتلال ويناضل لإنهائه ولتقرير مصيره ، وهي بذات الوقت قضية دولية بامتياز، وتتطلب الدعم والمساندة بل الاشتراك من الشعوب العربية وشعوب العالم المناضلة من أجل الحرية والاستقلال والعدالة والكرامة . وورد هذا في " كتابي التحول + الإستراتيجية السياسية والتنظيمية للجبهة الشعبية في عام 1969 " . وانطلاقاً من قناعته الشخصية وقناعة رفاقه معه ، عمل على وحدة اليسار الفلسطيني في إطار الوحدة الوطنية والكيان السياسي الفلسطيني م . ت . ف وليس بديلاً لهما وإنما بهدف تقويتهما وتعزيز نفوذهما . فعمل من أجل تأسيس القيادة الموحدة ولاحقاً القيادة المشتركة مع الجبهة الديمقراطية . ولعب دوراً هاماً في تأسيس التحالف الديمقراطي [ الشعبية + الديمقراطية + حزب الشعب + الفلسطينية ] . واستمرت جهود الأمين العام الثاني للجبهة الشهيد أبو علي مصطفى في هذا المجال . . وفي ظل هذه الظروف والتطورات كلها ظل حريصاً كل الحرص على تقوية وتعزيز البنيان التنظيمي للجبهة أولاً ، وللوحدة الوطنية والفلسطينية ثانياً ، وتعزيز الدعم والشراكة مع قوى التحرر العربي والأممي ثالثاً . هذا غيض من فيض ما أعطاه وقدمه لقضية شعبنا حكيم الثورة وحكيمنا جميعاً د . جورج حبش عبر مسيرته الطويلة التي قدم فيها ولها الكثير من الجهد الفكري والتنظيمي والعمالي وصولاً للتشرد والاعتقال والمقاومة من أجلها . تحية لرفيقنا وقائدنا وأميننا العام د . جورج حبش في ذكرى رحيله الرابعة . لقد فقدناك أيها العزيز ووفاءنا لك ولشعبنا وشهدائه وأسراه جميعاً هو بالصمود وصون القيم التي هم غرسوها بنا . عضو ل . ت لم . ت . ف* نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين 25/1/2012