25 يناير بعد عام..

حجم الخط
ترى بماذا يفكرون، وهم يلتقون اليوم في ميدان التحرير، وكل ميادين مصر، بمناسبة 25 يناير.. مرور سنة أولى على الثورة؟! شباب التحرير أولئك الذين في يوم 25 يناير، قبل عام، وفي مثل هذا اليوم حطموا جدران الخوف، ورفعوا من الميدان راية الثورة، وبأصوات مئات الألوف رفعوا شعارهم وحددوا هدفهم: الشعب يريد إسقاط النظام. ذلك اليوم، يوم التحوّل العظيم، والانتقال إلى زمن الميادين، زمن الجماهير التي استعادت قوتها، زمن الشعب الذي كفر بالطغيان، وأجهزة القمع، وأساطين الفساد، أولئك الذين امتصوا عافية مصر، وجعلوها خرابا... ترى: ماذا يخطر ببال كل واحد منهم؟! مثلاً: من فقد عينه.. برصاصة من قاتل استمتع بإطفاء تلك العين، عقابا له لأنه رأى، ولأنه يعرف، ولأنه يحلم. بماذا يفكر من فقد ساقه.. من سيجيء اليوم إلى ميدان التحرير، وغيره من ميادين مصر، وهو يتقافز على ساقه الوحيدة السليمة، ليستعيد مجد تلك الأيام، ووجوه أخوته الذين جعلوا المستحيل ممكنا.. الذين أسقطوا الفرعون السادر في غيه وجهله وتجاهله. بماذا تفكر الأم التي فقدت فلذة كبدها، وأعلنت أمام الفضائيات: علشان مصر.. راح شهيد يا حبة عيني! بماذا تفكر الصبية التي تفتقد حبيبها الذي زفته مصر شهيدا، وها هي تعود للتحرير وفاء له، مرددة هتافاته.. حين كان يطير في السماء مبتهجا كأنه يرى المستقبل رأي العين.. كأنه يرى ويعيش لحظة الزفاف في مصر المحروسة.. مصر العدل والأمن والأمان والحرية والكرامة. الذين سيعودون اليوم إلى التحرير.. وكل ميادين مصر، من الإسكندرية، إلى الشرقية، إلى مدن الصعيد، إلى كل ( حته) في مصر.. هل سيداخل نفوسهم الندم على تضحياتهم، أم إنهم سيجددون العزم، وينعشون الأمل باكتمال الثورة بهم ولهم؟ هم من تقدموا، وشقوا الطريق، ودشنوا الطريق إلى مصر المستقبل.. والشباب هو دائما الوعد بالمستقبل.. لن يداخل الندم جاهزيتهم للتضحية في حب مصر. عندما تدفقوا إلى التحرير، وامتدت نار الثورة، كانوا كشباب يجترحون معجزة الذهاب إلى المستقبل، انطلاقا من حاضر اكتسحوه كالطوفان. قبل 25 يناير كان اليأس، والإحباط، والشعور بالعجز، وثقل يد الأجهزة الباطشة حليفة الفساد ومؤامرة التوريث.. وكأن مصر (عزبة) وليست بلدا وشعبا عريقا. لم يتشوّف هؤلاء الشباب على شعبهم، وبلدهم، لأنهم روّاد الثورة، ومن ثبتوا في الميدان.. إلى أن استفاقت الأحزاب، والقوى السياسية، و..التحقت بهم، وقد تيقنت بأن نظام مبارك انتهى، وأن مصر الجديدة الحرة السيدة تولد..بالضبط في ميدان التحرير. استقال مبارك مضطرا، ولكن شباب التحرير بقوا على مطالبهم بالتغيير الجذري، فالنظام الفاسد ليس مبارك وحده، ولا العادلي وحده، ولا كراكيب النظام الذين زوروا الانتخابات، وأعدوا العدة لتتويج الوريث، ولي العهد، ليواصل قيادة مصر مكرسا حكم الأسرة المباركية! استفاقت القوى الحزبية، وبدأ بعضها يُذكّر بأنه تعذب أكثر من غيره، وأنه الأجدر بالحكم! ولكن الشعب المصري هو الذي تعذب أكثر من غيره.. هو الذي جاع، وهو الذي هُمّش، وهو الذي غُيب، وهو الذي أُذّل وامتهنت كرامته، وهو الذي تدفق إلى الميادين.. في الجمع المليونية، معلنا عودة الروح، بنهوض أبهر العالم، بعد ثورة شعب تونس، وأذكّر بأن أخوتنا التوانسة لبثوا يراقبون ما يجري في مصر، ليضمنوا انتصار ثورتهم، فمصر تبقى هي الأساس، وهي الأخ الأكبر، وهي الثقل، وهي التي إن نهضت نهض العرب مشرقا ومغربا. اليوم يصادف 25 يناير.. وكم أنا سعيد بهذه المناسبة التي ألهمت كثيرين من الكتاب، والصحفيين، والمفكرين، والمثقفين الثوريين.. ليكتبوا منحازين لثورة شباب مصر.. الشباب الذي أحاط به جيل الآباء والأمهات، وامتزج به العمال والفلاحون والفنانون الرائعون الذين عرفوا موقعهم، ودورهم، ومكانهم، فانحازوا لمصر الثورة والأمل والكرامة. أمام مصر شوط طويل، وهذا ما يعرفه شباب مصر، وكل شرائحها الاجتماعية، والسياسية.. فالثورة لا تنجز مهماتها في سنة، خاصة وعوائق رهيبة تجثم في الطريق، وألغام كثيرة زرعها أعداء مصر، وأعداء الثورة، وأعداء المستقبل. النظام الأخطبوطي لا ينتهي بقطع رأسه، وبعض أذرعه، فعلى مدى ثلاثين سنة ترعرع، وتضخم، وبلع عافية مصر.. وعلاج أمره لن يتم في سنة. مصر انتخبت مجلس الشعب بصناديق اقتراع شفافة.. وستنتخب رئيسها قبل حزيران، وستستكمل إعادة بناء مؤسساتها.. وكل هذه مقدمات لحقبة جديدة لمصر كلها. ثورة مصر ليست مجرد انتخابات.. إنها الحقوق التي ينتظرها شبابها: العدالة الاجتماعية.. العمل.. إنهاء البطالة، سيادة القانون، ونهوض مصر لتتبوّأ دورها المفتقد الذي أضاعه نظام مبارك. لن يرضى شباب الثورة بإقفال أبواب المستقبل، وإشغال شعب مصر بالجدل حول الحجاب، وبلجان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، و..الدعوة للخلافة، و..اختطاف الثورة والانقلاب بها إلى الثورة المضادة بتشجيع ودفع من أنظمة النفط الجاهلة التي لا تريد الخير لمصر وشعبها. في يوم 25 يناير نقول لمصر كلها: مبروك سنة أولى ثورة.. وعسى أن يأتي 25 القادم ومصر قد كتبت دستورها الذي يضمن وحدة وقوّة مجتمعها.. وانتخبت رئيسا لائقا بها، معبرا عن شخصيتها، وكبريائها.. ومصر تخطو بثقة إلى المستقبل، وهي ترفع رأسها شامخة، قوية،.. وقائدة.