"الوطنية الفلسطينية" في خطر

حجم الخط

ثمة ما يحمل على الاعتقاد بأن روابط الوطنية الفلسطينية تكابد حالة من التفكك، لعلها الأخطر منذ اندلاع الثورة المسلحة المعاصرة في منتصف ستينيات القرن العشرين الماضي. لقد استفحل الانقسام القائم بين مكونات الحركة الوطنية ونخبها القيادية حتى أصبح ديناميكية تفتك بوحدة البنية الشعبية والمجتمعية الفلسطينة وبروابط تجمعاتها المُشتتة والمُستهدفة، عدا وحدة الجهود والإمكانات والطاقات الفصائلية. وهذه نتيجة منطقية لانقسام عبثي مدمر طال أمده، وبلغ درجة الاحتراب الدموي، ولا تتوافر إرادة سياسية لطي صفحته السوداء. ما يعني أننا أمام حالة جهنمية من التفكيك المتواصل لروابط تجمعات الشعب الفلسطيني، بعدما صارت بلا برنامج وطني عام واحد، وبلا قيادة واحدة، وبلا وسائل نضالية واحدة وأداء واحد، وبلا تكتيكات واحدة، وبالتالي بلا خط سير عام واحد.

   إذاً، بعيداً عن محاولات حجب الحقائق المرة بالاختباء خلف الأصبع، فإن أسباب الانقسام القائم تتخطى الخلافات السياسية، إلى نزاعات يحركها هدف التفرد بقيادة الشعب وتمثيله، ويذكيها تعدد الأجندات ومصادر التمويل. فلو كانت أسباب الانقسام سياسية فقط، لكان يمكن تفادي ارتداداته على البنية الشعبية والمجتمعية بالتوحد الميداني إلى حين التوصل بالحوار إلى توافق أو اتفاق سياسي على القواسم المشتركة. فكرة الوحدة الميدانية في ظل الانقسام السياسي ليست  خيالية، بل خيار تم اللجوء إليه في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، رغم الانقسام السياسي، للدفاع عن مخيمات لبنان وحمايتها من حصار بشع وحرب  ظالمة شكلت حركة "أمل" وبعض الفصائل الفلسطينية رأس حربتها. في تلك التجربة دروس كبيرة لمن هو مقتنع ولا يريد أن يدفع بالخلافات الداخلية، أياً كان حجمها ومبررها، نحو منزلقات الفتك بوحدة شعب يعيش مرحلة تحرر وطني لم تُنجز مهامها بعد. أما وأن الانقسام القائم على هذا المستوى من العمق والتعقيد، فإن من الطبيعي أن يطال وحدة التجمعات الفلسطينية، ويجعل من تلاحمها الوطني، حتى في مستواه الميداني، تلاحماً باهتاً ومبعثراً ودون الحد الأدنى المطلوب لمواجهة جرائم واستباحات بوزن حروب الإبادة على قطاع غزة، والهجمة الاستيطانية التهويدية المتصاعدة في النقب والمثلث والجليل والضفة وقلبها القدس، وعمليات التدمير والقتل وإعادة التهجير والتشريد الحاصلة في مخيم اليرموك، وفي مخيمات اللجوء عموماً، عدا التنكيل بالأسرى والاستباحة الشاملة لكل ما هو فلسطيني.

   عليه، يجوز القول: صحيح أن الوطنية الفلسطينية التي تبلورت وتشكلت في خضم الصراع والتضحيات الجسيمة باتت متجذرة في أوساط الشعب الفلسطيني بتجمعاته المختلفة وأجياله المتعاقبة، ما يجعلها عصية على الاقتلاع، ومحركاً دائماً ونبعاً لا ينضب لتجدد الكفاح، لكنه صحيح أيضاً أن مدى انعكاسها، سياسياً وميدانياً، في كل محطة من محطات الصراع، يبقى نسبياً ومتغيراً، ارتباطاً بتوافر شرطيْ وجود برنامج مقاومة وقيادة جسورة يكفلان انتظام التجمعات الفلسطينية التي تعيش ظروفاً وأنظمة سياسية و"قانونية" واجتماعية واقتصادية مختلفة في خط سير عام واحد. هكذا كانت حال الشعب الفلسطيني في ظل توافر هذيْن الشرطين. وللتدليل لا الحصر نسوق الشواهد التالية:

*في العام 1976 تلاحم الشعب الفلسطيني من أقصاه إلى أقصاه في هبة "يوم الأرض" لمواجهة مخطط استكمال استيطان وتهويد الجليل، بينما لا يتلاحم اليوم في هبات جماعية مشابهة لمواجهة مخططات استكمال استيطان وتهويد النقب والضفة وقلبها القدس.

*في العام 1987 انخرط الشعب الفلسطيني بأجياله ومكوناته السياسية والاجتماعية وأماكن تواجده كافة في انتفاضة كبرى شاملة ومتواصلة أطلقتها شرارة الدهس المتعمدة لمجموعة من العمال الفلسطينيين، بينما يمر بلا رد جماعي جاد ما يرتكب بحقه من تقتيل بلغ درجة الإبادة الجماعية والتدمير شبه الكامل في قطاع غزة، والاستباحة الشاملة لحياة أبنائه في الضفة، والتدمير الشامل لمخيم اليرموك وموت المئات من أهله الأبرياء قتلاً أو جوعاً وعطشاً.

*في العام 2000 تخندق الشعب الفلسطيني في "انتفاضة الأقصى" الشاملة والممتدة رداً على زيارة شارون لباحات المسجد الأقصى، بينما تمر بلا رد فعلي الاستباحات المتكررة لمقدسات الشعب الفلسطيني كافة، والمسجد الأقصى منها بالذات.

*توحد الشعب الفلسطيني، في آذار 1987، وفي أيار 2000، في هبتين شعبيتين نصرة ودعماً لاضرابات الأسرى، كهبتين مهدتا لاندلاع الانتفاضتين "الأولى" و"الثانية"، بينما لا يحظى الأسرى بمثل تلك النصرة وذاك الدعم رغم ما يتعرضون له منذ سنوات من عمليات تنكيل متصاعدة وغير مسبوقة.

   يعنينا من كل ما تقدم التشديد على أن استعادة خيار الوحدة والمقاومة، برنامجاً وقيادة، هو الشرط الذي لا مناص منه، لإعطاب مفاعيل وديناميكيات انقسام فصائلي مدمر ما انفك يفتك بروابط الوطنية الفلسطينية وإطارها الناظم، أعني المقاومة. يقول الباحثان عبد الفتاح القلقيلي وأحمد أبو غوش:

   " للفلسطينيين خصوصية تشكِّل قيمة مضافة لهويتهم الوطنية، تتمثل في أن تبلورها ارتبط بمواجهة نكبة تعرضوا لها من طرف غزو أجنبي استهدفهم في وجودهم الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وعليه، يصح القول إن هذه الهوية تشكلت في خضم صراع مرير خاضه هذا الشعب لإثبات وجوده في معركة قاسية وغير متكافئة، ما جعل من المقاومة إطاراً ناظماً لها. وأكثر من ذلك، يمكن القول إن استمرار الصراع دون تمكُّن الشعب الفلسطيني من تحقيق حقوقه الوطنية، لا يزال يجعل من المقاومة شرطاً لازماً لوطنية الهوية".

   عليه، ليس ظناً، وليس مبالغة، وليس تطيراً، وليس تهويلاً، القول: إن الوطنية الفلسطينية في خطر، ليس فقط بفعل هجوم صهيوني سياسي وميداني متصاعد وغير مسبوق، بل أيضاً بفعل انقسام داخلي مدمر، بينما يعرف الجميع أن الهجوم الصهيوني يستهدف الأرض واللاجئين، (جوهر القضية الفلسطينية)، عدا الأسرى، (رمز الدفاع عنها)، وأن ثمة ما يشجع قادة إسرائيل على التمادي في هجومهم هذا، ويتمثل في حالة عربية عاجزة ومثقلة بهموم التجزئة والإرهاب الطائفي والمذهبي، وفي حالة دولية متواطئة ومشبعة بتدخلات حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة المعادية للحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية. والسؤال هو: إزاء كل هذا هل يُعقل أن يتم اختزال تطبيقات تفاهمات واتفاقات "المصالحة" وإنهاء الانقسام المدمر في مسألة موظفي "السلطة الفلسطينية" قبل وقوع الانقسام وبعده؟!