ويستمر الوطنُ لحناً يغنيه جدي ليلاً.. نصغي له كصلاةٍ تُرَتّل وقدّاسٍ يُتلَى.. ننصتُ خاشعين لإيقاع خطو أحلامه الراقصات..
نضعه في ليالي شتائنا المغترب الحزين حطباً في أتون المنفى ليحرق الصقيع المتراكم في قلوبنا لثلاثٍ وستين عاماً ويذيب ثلوجها..
ليكبر قصةً بعد قصة.. ويكبر معهُ سؤالٌ يستمرّ تضخمه كلما كبُرت الأحلام، وتتعمق جذوره في أعماقنا كلما تواصل نغم الأرغن الوطني المعزوف في المنفى.. ليغدو السؤالُ مواجهةً مؤلمةً ينحني لها كتفا جدي الذي لم يركعه اللجوء وذلّه.. ويقع مدوّياً كصاعقة الموت الذي يغتالُ أملنا بشكل مباغت..
" لماذا تركت الحصان وحيداً؟ "
فترتسمُ فلسطين أخاديد حزنٍ لا يرممها الفرح هنا مهما عظُم.. وتنتفض في صدره عصفوراً مرتعشاً برداً و جوعاً ويبقى مصراً على إضرابه متضامناً مع الرفض المتنامي لكل يومٍ يمرّ في قفص المنفى الذهبي ..
" لماذا تركت الحصان وحيداً؟"
" ليؤنس البيت.. فالبيوت تموت بغياب أصحابها .."
" لكن للحيطان ذاكرةٌ و للأبواب عنفوان.. فلا مفتاح معكم سيفتح أقفال قلوبها بعد أن رحلتم في الغياب.. وابيضّت عيناها لذاك الغياب.. يا من تركتموها ليغتصب طهر حجارتها الأغراب..
ارموا مفاتيحكم فبيوتكم هناك أخذت شكل السراب .."
" لماذا تركت الحصان وحيداً؟ "
" لكي لا نموت.. لكي من جديد هنا تُبعثون .."
" ومن قال في المنفى حياة..! فلا زيتون يعشق ولا برتقال يحزن..
سنبقى جياع لحريةٍ نقتاتها على مائدة الوطن ..
فالمنفى موتٌ وإن لبس ثوب الحياة.. رحيلٌ سيبقى وإن غنّى أغنية البقاء.. وانتظارٌ لوطنٍ
مهما انتظرناه فلابدّ آت.. "
" لماذا تركت الحصان وحيداً"؟!
" كفى يا بني.. نحملُ وزر الوطن المسلوب وإثم تشردكم إلى يوم الحشر ..
غباءٌ كان فعلُنا.. وهمٌ كان ما وُعِدنا.. يومان و نعود فيمتدّ اليوم عمراً تجرّعنا مرّهُ بصبر ملّ منه الصبر..
هرمنا يا ولدي في انتظار فلسطين القمر..
من قال أنّا نريد أن نكون فيَلَةً تعود لموطنها فقط كي تموت ..
من قال أنّا نريد لدود المنافي أن يُحيلنا رميماً.. و هم هناك يموتون ألفاً كي فلسطين لا تموت ..
ذلٌّ هو المنفى و مازلنا ندفع ضريبة جبننا.. و نقشنا الوطن وشماً على الجباه حتى فينا لا يموت ..
لن نقول قدرٌ كان تغربنا ومن نحن كي نردّ القضاء ونوقف القدر..؟
فلسطين آلهةٌ ولم نبقى كي ندفع دمنا قرابين الآلهة التي عبدنا بل فررنا أمام دمائها هاربين ..
وأنتم يا صغيري من ستحررون يسوعها من قتلته وتكسرون الصليب ..
بالبندقية تعيدون الأقصى ليسري إليه محمدٌ في يوم نصرنا القريب ..
لتضحك قدسنا البتول.. وترقص الناصرة رقصها المهيب.. عند شروق الحرية.. وعند الغروب ..
* لاجئة فلسطينية تقيم في سوريا. -