لماذا يتكرر فشل احزاب وفصائل اليسار العربي في الانتخابات الديمقراطية
(النيابية والبلدية والنقابية وغيرها)؟
غازي الصوراني
منذ إنطلاقة أحزاب وفصائل اليسار في البلدان العربية، -رغم الفروق الزمنية بينها- فقد صاغت وقدمت مشاريع وطنية تحررية وديمقراطية تخطت –في معظمها- المستوى الوطني نحو المستوى الإنساني الأرحب عبر مسيرة نضالية وكفاحية شاقة ضد القوى الاستعمارية والامبريالية والرجعية المحلية ، لكن المفارقة أن هذا المظهر النضالي الساطع، لم يصمد طويلاً أمام انهيار التجربة الاشتراكية، وما نتج عنها ورافقها من تحولات عالمية إقليمية ومحلية عززت السيطرة الطبقية الرجعية والتابعة عبر التحالف الكومبرادوري البيروقراطي في الانظمة العربية ومن ثم تكريس السيطرة الامبريالية والصهيونية في بلادنا، حيث شهدت الأحزاب والفصائل، اليسارية العربية، حالة من الإنكفاء التنظيمي والترهل الفكري والتراجع والانحسار الشديدين في الأوساط الشعبية، وكانت تجربة الانتخابات في بعض البلدان العربية عموماً، وفلسطين خصوصاً، دليلاً وبرهاناً ساطعاً على حجم الأزمة العميقة التاريخية المتراكمة في بنيان هذه الأحزاب على كافة المستويات، الفكرية، والتنظيمية، والسياسية، بدءاً من أزمة النظرية والمنهج إلى أزمة الممارسة والتطبيق التي حملت في داخلها أشكالاً من تعدد الرؤى وتباين الإجتهادات –دون عمق نظري في معظم الأحوال- بين كل من المنهج الماركسي والليبرالي وفلسفتهما من ناحية، وغياب الوعي بطبيعة التطور التاريخي الاقتصادي الاجتماعي وأنماطه المتداخلة في بلادنا من ناحية ثانية الأمر الذي أدى إلى عجز أحزاب وفصائل اليسار عن متابعة القضايا المطلبية لجماهير الفقراء وهمومها ومعاناتها، وفي هذا السياق فان هذا القصور أو العجز عن التعاطي والتواصل مع الوعي العفوي في الشارع الفلسطيني –كما في الشارع العربي- لم يكن صدفة، ذلك أن القاعدة الاجتماعية لأحزاب اليسار، كانت –وما زالت- في مساحة كبيرة منها – تتكون أساساً من فئات البرجوازية الصغيرة وبعض المثقفين الذين لم ينسلخ معظمهم عن انتمائه الطبقي أو العشائري أو الحمائلي، كما كان تبني هذه الأحزاب والفصائل للمنهج الماركسي الجدلي والفكر العقلاني عموماً، شكلياً ومظهرياً هشاً قابلاً للاختراق الليبرالي، والأصولي، بسبب فشل فصائل وأحزاب اليسار في مراكمة الوعي بالواقع المعاش من جهة أو تعميق المنهج العلمي الجدلي، والفكر العقلاني في صفوف أحزابها وكوادرها، من جهة ثانية، مما ادى الى انتشار حالة الهبوط المعرفي و تفكك أو غياب الهوية الفكرية –الماركسية ومنهجها تحديداً- وسيادة أشكال متنوعة فيما يمكننا تسميته بالليبرالية الرثة وما رافقها من مظاهر الفوضى والإرباك، والشللية والتكتلات الضارة، الأمر الذي عزز حالة الرخاوة التنظيمية، التي ترافقت مع تراجع الهوية الفكرية أو التخلي عنها لدى البعض، وهي عوامل أفسحت المجال لتراكم وتفاقم الأزمات الداخلية، التي أدت إلى مزيد من إضعاف دور اليسار على الصعيدين الوطني التحرري، والديمقراطي والمطلبي الداخلي. وبالتالي لم تستطع تطبيق مضامين وآليات ذلك الفكر في أوساط الجماهير الشعبية الفقيرة، رغم حملها لشعاراتها.
على أي حال، تظل الإجابة على سؤال لماذا أخفقت وفشلت – وما زالت تخفق وتفشل – احزاب وفصائل اليسار في الانتخابات النيابية والنقابية ، قضية مثارة لمزيد من البحث والتفكيك ومن ثم إعادة البناء، لازاحة التراكمات السلبية وحالة الترهل والجمود والتراجع السياسي والفكري والتنظيمي والجماهيري التي أفرزت مجموعة كبيرة من أسباب الفشل التي أدت إلى عزوف الجماهير الشعبية، نورد هنا بعضاً منها:
1- غياب الوعي بالنظرية ومنهجها المرتبط بوعي الواقع المعاش، وانتشار الأزمة التنظيمية الداخلية بمختلف مظاهرها ومكوناتها وتنوعها، الى جانب غياب العلاقات الديمقراطيه داخل هذه الاحزاب والفصائل .
2- فشل احزاب وفصائل اليسار في تحويل أي قضية من القضايا التي تتبناها في برامجها وأدبياتها إلى قضية عامة، بسبب عدم اندماجها في اوساط الجماهير الفقيرة وعجزها عن وعي القضايا الاقتصادية الاجتماعية والثقافية لمجتمعاتها الامر الذي اودى بها الى العجز عن تحقيق مطالب الجماهير الفقيرة او الاجابة على اسئلتها.
3- عجز قوى اليسار في تحويل الرفض الجماهيري لمظاهر التخلف والفساد والاستبداد السائدة في الانظمة الحاكمة الى قوة جماهيرية في محيط هذه الفصائل والأحزاب. مما أدى إلى ما نشاهده اليوم من تمحور الحالة السياسية المجتمعية الفلسطينية والعربية ضمن قطبي الصراع الرئيسيين : القطب اليميني الحاكم وقطب اليمين الديني بكل تلاوينه التي نجحت – في اطار مخططات عدوانية خارجية – في تنظيم عشرات الالاف من اوساط الجماهير الفقيرة عبر استغلالها عفويتهم وبساطتهم ..
4- الفشل في بلورة الفكرة المركزية الواضحة والمرشدة لبناء التيار الديمقراطي التقدمي أو الطريق الثالث اليساري الواضح في هويته الماركسية ونهجها الجدلي كطريق وحيد لوعي الواقع من جهة وتجاوزه وتغييره من جهة ثانية.
5- فشل اليسار في تفعيل دوره كحضور فعال في إطار الأطر النقابية العمالية والمهنية وغيرها من المؤسسات.
6- عجز قوى اليسار العربي والفلسطيني عن تنظيم أو إكتشاف قيادات جديدة طبيعية، نابعة من بين الجماهير وتحويلها إلى كوادر حزبية.
7- تزايد حالة الإرباك الفكري الداخلي بين صفوف قادة وكوادر وقواعداحزاب وفصائل اليسارالعربي، ويبدو أن هذا الإرباك أو اللبس قد أصاب مفهوم اليسار أيضاً،حيث لم يعد مدركاً بوضوح من هو اليسار اليوم؟ هل هو الماركسي أم الناصري أم القومي، أم الليبرالي؟ الأسئلة كثيرة ما يؤكد على اتساع الفجوة –بدرجة كبيرة- بين الهوية الفكرية اليسارية من ناحية وبين الغالبية من كوادر وأعضاء قوى اليسار من ناحية ثانية، وقد أدت هذه الحالة من غياب الوعي، الى استمرار تغريب الواقع، حيث لم تعد افكار واهداف قوى اليسار، اهدافا شخصية لاعضاء الحزب وكادراته، وغاب التلازم الجدلي والثوري بينهما بصورة مفجعة.
سبل نهوض احزاب وفصائل اليسار العربي.....
إنني أتحدث عن واقع مأزوم منتشر بضراوة داخل فصائل وأحزاب اليسار العربي .لذا يجب أن تتم العملية الاستنهاضية ، وعياً وممارسة ،عبر إعادة تجديد وبناء ودمقرطة كل احزاب وفصائل اليسار بوصفها صيرورة تقوم بوظيفتها عبر رؤيتها وبرامجها الثورية ودورها المحدد ،من خلال مراكمة عوامل النهوض والإزاحة المتتالية لكل العوامل المؤدية إلى التراجع أو الفشل ، لذلك لابد من وقفة مراجعة جدية لاستنهاض أحزاب وفصائل اليسار العربي ، بالمعنيين الموضوعي والذاتي ، خاصة وأن ما ينقص معظم كوادر وأعضاء قوى اليسار هو الدافعية الذاتية أو الشغف والإيمان العميق بمبادئه عبر امتلاك الوعي العلمي الثوري في صفوف قواعده وكوادره ، فبينما تتوفر الهمم في أوساط الجماهير الشعبية واستعدادها دوما للمشاركة في النضال بكل إشكاله ضد العدو الامبريالي والصهيوني ، وضد العدو الطبقي المتمثل في أنظمة التبعية والتخلف والاستغلال والاستبداد والقمع ، إلا أن أحزاب وفصائل اليسار لم تستثمر كل ذلك كما ينبغي ولا في حدوده الدنيا ، لأنها عجزت – بسبب أزماتها وتفككها ورخاوتها الفكرية والتنظيمية - عن إنجاز القضايا الأهم في نضالها الثوري ، وهي على سبيل المثال وليس الحصر: أولا – عجزت عن بلورة وتفعيل الأفكار المركزية التوحيدية لاعضاءها وكوادرها وقياداتها واقصد بذلك الفكر الماركسي وصيرورته المتطورة المتجددة وتكريسه في خدمة واقعنا بكل تفاصيله الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ...الخ.
ثانيا-عجزت بالتالي عن تشخيص واقع بلدانها ( الاقتصادي السياسي الاجتماعي الثقافي ) ومن ثم عجزت عن إيجاد الحلول أو صياغة الرؤية الثورية الواضحة والبرامج المحددة ، كما عجزت عن صياغة البديل الوطني والقومي في الصراع مع العدو الامبريالي الصهيوني من ناحية وعن صياغة البديل الديمقراطي الاشتراكي التوحيدي الجامع لجماهير الفقراء وكل المضطهدين من ناحية ثانية .ثالثا - عجزت عن بناء ومراكمة عملية الوعي الثوري في صفوف أعضاءها وكوادرها وقياداتها ليس بهويتهم الفكرية الماركسية ومنهجها المادي الجدلي فحسب بل أيضا عجزت عن توعيتهم بتفاصيل واقعهم الطبقي ( الاقتصاد، الصناعة ، الزراعة ، المياه ، البترودولار ، الفقر والبطالة والقوى العاملة، الكومبرادور وبقية الشرائح الرأسمالية الرثة والطفيلية ، قضايا المرأة والشباب ، قضايا ومفاهيم الصراع الطبقي والتنوير والحداثة والديمقراطية والتخلف والتبعية والتقدم والثورة ...الخ ) فالوعي والإيمان الثوري (العاطفي والعقلاني معا ) لدى كل رفيقة ورفيق، بالهوية الفكرية وبضرورة تغيير الواقع المهزوم والثورة عليه ، هما القوة الدافعة لأي حزب أو فصيل يساري، وهما أيضاً الشرط الوحيد صوب خروج هذه الأحزاب من أزماتها ،وصوب تقدمها وتوسعها وانتشارها في أوساط جماهيرها على طريق نضالها وانتصارها قبل ان يسدل الستار عليها وولادة الجديد من بين احشائها ومن خارجها .
