تونس والتطبيع : المسكوت عنه

حجم الخط

بعيداً عما يعتقده اليهود وما يمارسونه من طقوس واحتفالات لا شأن لنا بها باعتبارها حقا أساسيا من حقوقهم. صدرت عن رئيس هيئة الغريبة بيريز الطرابلسي تصريحات مثيرة للجدل لوكالة تونس افريقيا للأنباء يقول فيها أن عدد الزوّار لكنيس الغريبة بجزيرة جربة يقدّر بألفي يهودي كما ذكر أن أغلب الوافدين جاؤوا من فرنسا في حين قدّر أن يكون عدد حاملي الجنسية "الإسرائيلية" بين مائة وأربعين ومائة وخمسين. تصريحات أعادت للسطح نقاشا حول مسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني وقد تحمل الأيام القادمة جدلا طويلا حول هذه المسألة.

- السلطات والتطبيع : القديم المتجدد

ليست هذه المرة الوحيدة التي يدخل فيها شخص حامل للجنسية "الاسرائيلية" الأراضي التونسية فقد سبق للمغني "بيزاليل رافيف" زيارة تونس والدخول عن طريق حدودها الجوية بجواز سفره "الإسرائيلي" وهو أول من تمكن من ذلك لمدة طويلة ، وقد كان في استقباله رئيس الحكومة التونسية آنذاك وأمين عام حركة النهضة علي العريض الذي أبدى حماسا منقطع النظير في لحظة خيانة بطعم "الاختلاف والتسامح". وتزامن ذلك التطبيع التنفيذي مع تطبيع تشريعي مبطّن حيث رفضت الأغلبية التي تقودها حركة النهضة إدراج فصل في الدستور التونسي ينصّ على تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني متقدمين بحجج واهية وتافهة لعل أتفهها ما جاء على لسان راشد الغنوشي الذي قال أن التنصيص على اسم دولة أخرى في الدستور التونسي غير ممكن ولا يستقيم ، وكأن الشعب طلب من الغنوشي التنصيص على اسم "دولة أخرى" في حين أن الصيغة المطروحة كانت تنصص على "الكيان الصهيوني" لا على اسم دولة، وقد وعد الغنوشي أنصار حزبه-الذين كانوا مع تجريم التطبيع- بأن يتم ذلك في قانون. في حين ذهب سمير ديلو وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية في حكومة الترويكا إلى التساؤل خلال حوار تلفزيوني في استهزاء قائلا :"نحن نريد كتابة دستور يدوم لأكثر من مائة سنة فماذا لو ضمّنا هذا الفصل في الدستور وتحررت فلسطين ؟ سيصبح دستورنا غير صالح" وكأن السيد الوزير قبل أن يدخل مقر الأستوديو للتصوير أصدر أمرا للجيش التونسي بالتحرك لمقاتلة العدو الصهيوني ومسألة تحرير فلسطين رهينة ساعات على أقصى تقدير!!!

تواصل مسلسل السلطات التونسية مع التطبيع في حكومة مهدي جمعة التي ضمّت في تركيبتها وزيرة سبق لها أن زارت القدس المحتلة وهي وزيرة السياحة آمال كربول ، وعلى الرغم من الجدل الذي قام حينها حول الموضوع داخل قبة المجلس إلا أن الحكومة حصلت على تزكية الاغلبية لتتسلم بذلك آمال كربول حقيبتها الوزارية وتتحفنا بصور "السلفي" خاصتها وبفشل واضح في انعاش السياحة التونسية.

خلال الفترة الماضية طرح موضوع تطبيع السلطة مع الكيان الصهيوني لأكثر من مرّة وليس من المستبعد في ظلّ الأوضاع السياسية الراهنة والتي تعرف تشاركا بين اليمينين الديني والليبرالي في السلطة أن يطوى هذا الملف لفترة طويلة باعتباره مجرد ورقة ضغط يستعمله اليمينان في مزايدتهما السياسية وحملاتهما الانتخابية وقد ننتظر سنوات طويلة قبل أن يصادق على قانون لتجريم التطبيع هذا إن لم تتطور الأمور نحو الأسوأ ليصبح للكيان الصهيوني تمثيل رسمي على الأراضي التونسية.

- المجتمع والتطبيع : أضعف الإيمان ، تطبيع ...

لا شك في أن المجتمع التونسي في أغلبيته يرفض الاعتراف بالكيان الصهيوني كما يرفض تطبيع السلطات التونسية معه. ولكن الإشكال الحقيقي يكمن في أن هذا الرفض لا ينبع من وعي مبدئي وإنساني بعدالة القضية الفلسطينية ولكنه متأتي من خلفية دينية لا تقيم فرقا ولا تمايزا بين اليهودية كديانة والصهيونية كحركة عنصرية. إن هذا الفهم اللاهوتي للمسألة الفلسطينية وإن كان عاملا مساعدا في الحظر الدائم لها على مستوى النقاش العام (كنتيجة لحظر الدين في المجتمع) إلا أنه يخضعها لمنطق الوعد الإلهي مما يحول قضية إنسانية عاجلة إلى قضية دينية آجلة يُتعامل معها بمقولة "أضعف الايمان". فالتونسيون في أغلبهم إذا ما ذكر اسم فلسطين أمامهم بادروا بالدعاء لشعبها وبالوبال على "اليهود" ولكنهم في الحقيقة وللأسف حفظوا فلسطين في قلوبهم وأودعوها "من لا تضيع ودائعه" فأضاعوها وتناسوها.

-اليسار والتطببع : التطبيع خيانة ولكن ...

لا يمكن لأي كان أن ينكر أن اليسار التونسي كان دائما يتعامل مع القضية الفلسطينية بمبدئية خاصة وأن هذا اليسار لم يكتف بالمساندة السياسية للفصائل الفلسطينية الوطنية والتقدمية بل وتجاوز ذلك بمراحل حيث التحق العديد من مناضليه بالأجنحة العسكرية لهذه الفصائل فمنهم من استشهد على أرض فلسطين المحتلة ومنهم من استشهد على الاراضي اللبنانية إثر الاجتياح الصهيوني ومنهم من عاد إلى تونس بعد رحلة طويلة عنوانها تحرير الارض. تاريخيا كان اليسار التونسي يتبنى مقولة "تحرير فلسطين يمر عبر تحرير العواصم العربية" ومن هذا المنطلق كان يرفض ممارسات السلطة التي تعبر عن تطبيع فاضح وقد نادى اليسار التونسي بتضمين بند يجرم التطبيع مع الكيان الصهيوني (وهو ما لاقى رفضا قاطعا كما ذكرنا من قبل قوى اليمين الديني المسيطرة على السلطة). ولكن ما يمكن ملاحظته على مستوى الخطاب السياسي في الفترة الماضية هو تراجع حضور القضية الفلسطينية في الخطاب اليساري ، وهذا التراجع عائد بالاساس إلى عاملين أولهما هو تغير طبيعة اليسار التونسي ذاته فنحن لا نتعامل اليوم مع ذلك اليسار الثوري الاحتجاجي الذي يؤمن بقدرة الشعب على تعديل مواقف السلطة من خلال ضغط الشارع بل تحول اليسار التونسي الى يسار انتخابي يعمل من داخل البرلمان على تغيير ما لا يمكن تغييره إلا من خلال الضغط الشعبي (هذا لا يعني بالضرورة وجوب تخلي اليسار عن النضال البرلماني كآلية ضغط وحشد شعبي) ، أما ثانيهما فهو تركيز اليسار على القضايا الوطنية الداخلية المطروحة للنقاش في الساحة السياسية التونسية.

إذا ما أخذنا بعين الاعتبار هذين العاملين قد نتفهم صعوبة التوفيق بين ما هو وطني وما هو قومي ولكن هذا لا يبرر صمت اليسار التونسي حول ما يحصل في ما يتعلق بموضوع تطبيع السلطات التونسية مع الكيان الصهيوني ، فاليسار التونسي لم يكلف نفسه عناء إصدار بيان يحتج أو يندد فيه بممارسات السلطة.

-  اليهود التونسيون والتطبيع : "لا نحبك لا نصبر عليك"

ليس المجال هنا للتذكير بعراقة الحضور اليهودي تاريخيا في تونس ولا لنقاش حقهم في الاعتقاد وانما يجب على اليهود التونسيين أن ينظموا إلى بقية التونسيين كمواطنين وينخرطوا في النقاش العام حول سياسات دولتهم وأن يبينوا موقفهم من مسألة التطبيع فهم لطالما تشدقوا بوطنيتهم وبولائهم لتونس ولكن للأسف فممارستهم لا تدل على ذلك ولعل خير دليل هو التحاق البعض منهم بالكيان الصهيوني بل إن بعضهم جنود احتياط في جيش الاحتلال وإجمالا هم لا يرون مانعا في التعامل مع ما يسمونه "دولة إسرائيل" وعلى سبيل المثال عائلة يوهاف حطاب اليهودي التونسي الذي قتل في أحداث شارلي هبدو الإرهابية قبلت دفن جثة ابنها في القدس على اثر عرض تقدمت به سلطات الاحتلال.

إن حديث اليهود التونسيين عن الولاء لتونس يصطدم مع ما نراه من ممارساتهم وإلا فكيف يرتضي من كان ولائه لتونس أن يتعامل مع "دولة" خرقت السيادة الوطنية لبلده واعتدت عليها بغارة جوية ذات غرة أكتوبر ؟ 

- التطبيع والمهام المطروحة :

إن طرح قضية التطبيع مع الكيان الصهيوني للنقاش العام في الساحة الوطنية التونسية أضحى ضرورة ملحة لأن على الشعب التونسي تبني موقف موحد وحازم ونهائي من هذه القضية حتى لا تكون رهينة لمواقف حكومات أو أنظمة. وهنا تجدر الاشارة الى أن هذا النقاش يجب أن تقوده الاحزاب اليسارية وذلك من خلال الحملات الشعبية الموسعة للتعريف بأهمية القضية الفلسطينية والتوعية بانعكاسات الوضع في الشرق الاوسط عموما على وضعنا الوطني وكذلك مدى إمكانية تأثير الموقف التونسي من مسألة التطبيع على الشعوب العربية الاخرى وعلى الشعب الفلسطيني بالذات.  كما على نواب الشعب من اليسار أن يطلبوا جلسة مسائلة لرئيس الحكومة ووزير الداخلية حول دخول "إسرائيليين" إلى الأراضي التونسية وأن يتقدموا في أقرب وقت بمشروع قانون يجرم التطبيع مع الكيان الصهيوني ، ولكن ذلك لا يمكن تحقيقه أذا ما لم يتوفر الدعم الشعبي الكفيل بالضغط على الأغلبية البرلمانية.

وإلى أن يستفيق الشعب التونسي وقواه السياسية الثورية من دهشتهم ومن عجزهم يبقى السؤال المطروح : إلى متى سيتواصل هذا الصمت الرهيب عن سياسات التطبيع ؟