السياسة بين الأدب والثقافة… ومقاومة «الإنجيل المسلّح»

حجم الخط

السياسة: هي فن إدارة شؤون الدولة الداخلية والخارجية، وتُعرّف إجرائيا حسب هارولد لاسويل، بأنها دراسة السلطة التي تحدد من يحصل على المصادر المحدودة متى وكيف، أي دراسة تقسيم الموارد في المجتمع عن طريق السلطة ) ديفيد إتسون).
وعرّفها الشيوعيون بأنها دراسة العلاقات بين الطبقات، وعرّف الواقعيون السياسة بأنها فن الممكن (غورباتشوف)، أي دراسة وتغيير الواقع السياسي موضوعيا! لكن التعريف الأخير هو خضوع للواقع السياسي وعدم العمل لتغييره، بناء على حسابات القوة والمصلحة. من وجهة نظر كارل ماركس فإن السياسة هي اقتصاد مكثف، لذلك فإن السياسة تفرض ذاتها على مناحي الحياة المختلفة.. بالتالي وفي الموضوع المحدد لا يمكن للأديب أو المثقف أن يبتعد عن السياسة حتى لو أراد ذلك. إن الخلاص من الاشكاليات الكبيرة، والصراعات المذهبية والطائفية والإثنية التي تنخر جسد اكثر من بلد عربي، إضافة إلى أشكال أخرى من الصراعات: سياسية تصل حدود التناقض التناحري في الكثير من الأحيان، وصراعات مختلفة تتخذ أشكالا متعددة، مرهون بإطلاق المشروع النهضوي العربي.
إن هذا المشروع يعتمد في تحقيقه واقعا ليس على السياسيين العرب فقط، وإنما على كل المثقفين والأدباء، باعتبارهم الاداة المهيأة لحمله على كواهلهم، والانطلاق لتنفيذه.. ولذلك، ولكي تؤتي الثمار أكلها لا بد من استعراض واقع المثقف العربي في ملامحه السياسية الرئيسية، ذلك ان المثقف النهضوي العربي الاصيل، ومن خلال قراءة الواقع بكل أبعاده السياسية والاخرى الاقتصادية والاجتماعية والبنيوية.. يصاب بحالة من الانفصام بين الحقيقة والشكل المُتصوّر او المُتخيّل في الذهن، لما يتوجب ان يكون عليه هذا الواقع، في الوقت الذي تقتضي فيه عملية التغيير المأمولة، دقة استعراضه كأساس راهن ومستقبلي لا بد من الاستناد إليه.. إلى كل عناصره الإيجابية الكامنة في الذهنية الجماهيرية، التي يمكن مخاطبتها على طريق محاولة استنهاضها، من أجل ترسيخ الوعي الوطني والقومي كعامل اساسي وشرط رئيسي لانجاح المشروع.
وحتى اللحظة، فان تعريفا محددا للمثقف لم تجر صياغته، انطلاقا من الزوايا العديدة التي يتم النظر من خلالها إليه، وانطلاقا من رؤية دوره، إن بالمشاركة في عملية التغيير السياسي او في سياسة التغيير المجتمعي، فلطالما تحدث الفلاسفة والمفكرون عن تعريفات وأدوار شتى للمثقف، ومن بينهم ابن خلدون، الذي أطنب في استخدام مفاهيم مثل (اصحاب القلم) و(الفقهاء) و(العلماء) والذي أفرد فصلا كاملا من مقدمته أكد فيها: أن العلماء من بين البشر، هم أبعد ما يكونون عن السياسة ومذاهبها.
ولعل من اقرب التعريفات إلى الواقع، ما ذكره غرامشي في تعريفه لمعنى المثقف، منطلقا مما هو خاص بنمط الانتاج، إذ يرى غرامشي المثقف، من خلال وجوده الاجتماعي… وإذ ذاك فإن نقل الثقافة من عالم الافكار واهتمامات ذوي الاختصاص إلى عالم الصراع الاجتماعي، هو الذي يعيد صياغة المثقف عند المفكر الإيطالي. غرامشي لا يرى المثقف الا في وظيفته النضالية، التي تجعل من الممارسة لحظة داخلية في مجمل عملية التغيير وهكذا دواليك. ووفقا لجمال الدين الافغاني، فان دور المثقف يتمثل في التأمل في الحاضر من اجل تفسير النبل الانساني واضاءة الطريق لأبناء امته، على قاعدة التمتع بالروح النقدية، واستخدامها في مراجعة الماضي. والمثقفون مرتبطون ايضا في نتاجاتهم، بمدى معايشتهم للواقع من حيث إدراكه ومدى التأثير فيه.
واجب المثقف في متغيرات ما بعد العولمة، التصدي للعولمة الثقافية، التي لا تستهدف الحوار بين الثقافات، بل تسييد الثقافة الغربية، لأن منظومة علاقاتها هي التي اثبتت كفاءتها وفقا لفوكوياما، وفقا لصراع حضارات هنتنغتون، بالطبع بدون التمترس وراء شعارات مثل: دعوى المحافظة على الاصالة التراثية، واغلاق العيون عن كل جديد، بل يمكن المواءمة ما بين الاصيل القديم والبعض من العناصر الايجابية الجديدة. كذلك فإن العلاقة بين الأدب بمختلف فروعه وبين السياسة هي علاقة عضوية حميمة… إذ لا يمكن فهم الأدب وفق الفهم الأفلاطوني له «الفن للفن». الأدب ومنذ بلزاك وفلوبير وكل المدارس النقدية، مروراً بديستيوفسكي وليف تولستوي وغيرهما، وصولاً إلى الواقعية الاشتراكية، أرسى دعائمه ورسالته الاجتماعية في الحياة بمدى معايشته للواقع. أبعد ذلك يمكن للأدب أن يكون حيادياً؟ إذا كان المطلوب أن يكون كذلك فما هي رسالته الإنسانية؟ هل يمكنك كأديب أن تتحلى بالحيادية تجاه ما يمس سلباً قضيتك الوطنية؟ كل هذه الأسئلة وغيرها التي أطرحها، قضية في غاية الأهمية. من أجمل من كتب، الادب السياسي، لويس أراغون، بابلو نيرودا، مكسيم غوركي، ناظم حكمت، لوركا، نيكوس كازانتزاكيس، غسان كنفاني (الذي كانت بالأمس ذكرى اغتياله عن طريق تفجير سيارته)، محمود درويش، سميح القاسم وتوفيق زياد…ظلّ كل هؤلاء خالدين، أكثر من أي سياسيين، سواء في بلدانهم أو على صعيد العالم، وذهب الذين أعدموا البعض منهم وأسيادهم، إلى مزابل التاريخ. لوركا كان يلقي شعره في لحظة إعدامه، بابلو نيرودا عندما جاء قطعان بينوشيت (بعد انقلابهم الأسود على الرئيس المنتخب سلفادور ألليندي) جاؤوا ليفتشوا بيته بحثا عن السلاح؟ طردهم وقال جملته الشهيرة: سلاحي هو شعري. كازانتزاكيس يقول عن المقاومة، وعلى لسان الراهب «ياناروس» في رائعته «الإخوة الأعداء»، ذلك بعد أن ذهبت كل دعواته إلى الإخاء والمحبة والسلام من إخراج المحتلين من اليونان، وصل إلى نتيجة، مفادها: «أيتها الفضيلة تسلّحي.. أيها المسيح تسلّح.. إني سأعلن الإنجيل الجديد في كل مكان إنجيل السلاح». يقول محمود درويش «هزمتك يا موت الفنون جميعها.. هزمتك يا موت.. الأغاني». أما سميح القاسم فيقول..»يا عدو الشمس إني.. لن اساوم.. وإلى آخر نبض في عروقي سأقاوم».توفيق زياد يقول بدوره «حملت دمي على كفي…وما نكست أعلامي». أما صرخة (أبو) الخيزران في رائعة غسان كنفاني «رجال في الشمس»، لتحميل الموتي الذين قتلهم في الصهريج، المسؤولية عن وفاتهم، من خلال توجيه السؤال إليهم أمواتا: «لماذا لم تدقوا جدران الخزان»؟ لقد قرعت هذه الجملة جدران ذاكرة شعبنا ،وساهمت في إيقاظه من سبات استمر طويلا وفي انطلاق الثورة الفلسطينية.
ولو فصلنا ما سبق على أرض الواقع، نرى انتشارا متسارعا للثقافة الهابطة، التي لا تحمل اي معنى، سوى الاستهتار بالقيم ومحاولة تحويل وتحوير اتجاه معركة الثقافة والأدب الرئيس، الى اتجاه معاكس نقيض، تحت دعاوى كثيرة: الحرية، التقدمية، الانفتاح على الاخر.. وغير ذلك من الشعارات. للأسف تجد من بين المثقفين العرب، وتحت يافطة تلك الشعارات، من يروجّون لمثل هذا السقوط الثقافي، أيضا، فان مقولات مثل: اللاجدوى من المقاومة، عبثية المقاومة، اللايقين، وغيرها من المقولات كانت قد أخذت تنتشر منذ سنوات، والذي حد من اندفاعة افتراشها لقطاعات عريضة في الواقع العربي، تجربة انتصار المقاومة اللبنانية على العدو الصهيوني في عدوان اسرائيل على لبنان عام 2006، كذلك ما حققته المقاومة الفلسطينية من صمود في وجه عدوان 2014، وما تُنجزه حاليا على الصعيد الكفاحي. نقول ذلك لأن المدخل الثقافي، جرى استعماله من اجل تنفيذ المؤامرات على الشعوب، وكان ذلك منذ اربعينيات القرن العشرين… وما زال يُستعمل مدخلا حتى اللحظة: سواء من خلال ما يقدم من دعم غربي لكم هائل من المنظمات غير الحكومية، التي اخذت تنتشر مثل نبات الفطر في العالم العربي، تحت دعاوى وشعارات كثيرة ، تبدو تقدمية في مظهرها، أو من خلال اشكال اخرى كثيرة وللأسف، تجد من بين المثقفين العرب من اصبحوا يدافعون عن مثل هذه الظواهر، وتجد من بينهم من اصبحوا يطلقون على المقاومة المشروعة للشعوب… «ارهاباً»، وكذلك من يدعون إلى التغريب الكامل بدعوى الحداثة، ومن (يفتخرون) بدفاعهم عن التطبيع الثقافي مع العدو الصهيوني، والتقارب التام والتواءم مع الاستهدافات الامريكية والغربية ثقافيا للعالم العربي.
ولأن المثقف جزء من مجتمعه، والمجتمع يعيش اجواء الدولة التسلطية والديكتاتورية الرسمية، ومع بروز الدولة العربية القطرية الحديثة، فإن البنية الفوقية لها، جعلت من نفسها بديلاً للفرد والمجتمع، وتحاول ان تنوب عنه في كل المسائل، ما أضعف روح المبادرة لدى المثقف، وأدى في كثير من الاحيان إلى اغترابه في وطنه او إلى اغترابه الفعلي إلى الخارج، والى وجود رقيب داخلي في ذاته.
من زاوية ثانية، وقع بعض المثقفين العرب في حبائل النظام الرسمي العربي، وحصروا مهمتهم في خطاباته وترويج سياساته المختلفة. إن من أكثر الديكتاتوريات تسلطا هي «دكتاتورية المثقفين»، أستعرض ما قاله مٌلهم ثورة أكتوبر عنها: «إن المثقفين هم الأقدر على الخيانة.. لأنهم الاقدر على تبريرها».

٭ كاتب فلسطيني