من شكل الحرف والمعنى في قلمي؟

حجم الخط

بين شظايا الروح المتكسرة، تبقى هناك زاوية ظليلة يحل فيها مرتاحا وبأمان، رجل كان حرفي الاول ومعناي الاول الذي خطته يداي بوحي، تلك الظهيرة التي آويت فيها الى شجرة حور باسقة على ضفة بردى.

كنت احاول قتل ملل انتظار طال ، وكان الشوق يهيم بي للعودة الى القرية، يائسا من مدينة جميلة لم اعشق في حياتي مدينة مثلها. انها دمشق التي لم تشعرني بالغربة، وانا الفلاح القادم من قرية تنهشها الجرافات الى ساحات تملأها الحياة، وأحجار كل نقش فيها له قصة. وكان أن امتدت يدي الى كتاب على طاولة صديق استضافني، لأبدأ تجربة نحر الملل به.

ما ان بدأت حتى صرت في مكان غير المكان وفي زمان غير الزمان، بت التهم الحروف والكلمات والمعاني، كنت احاول ان ارسم صورة الابطال، وحكايا القرى، وصراع الغربة، فمن محمد علي أكبر، الى عالم ليس لنا، الى البرتقال الذي لا يزال حزينا، بل بات باكيا يجهش، الى العروس، والوالد الذي تمنى لو كان ابنه حصانا.

كانت الشمس تهوي هناك تختفي وراء جبل اجرد وكنت الملم نفسي سريعا.. كي استكمل تحت النور تلك الصور المعاني، لم يعن الطعام على بالي ولا فكرت بشيء، سوى ان سحبني من روحي هذا الكتاب ليطلع الفجر علي مع نهاية الصفحة الأخيرة من حكايا عن منفى وبلد ولاجيء، ومقاتل، ومخذول وبطل، عن سارق للقمة العيش، ورجل دق المسامير في اصابعه  وهو فكر بقوت العيال، عن خدش كالاخدود في وجه خائن، ورجل تمزفت قدماه الحافيتان  من الشوك والصخر، وصاحب طربوش، يخطب في الناس باسمه.

غسان كنفاني، ليس ايقونة للتعبد، بل محراب يمكن ان تتصوف فيه وترتقي الى مراتب من روح صافية تعانق الحقيقة، هو من حاول سبك الكلمة، كي تكون اكثر انسانية، تسري في الروح كالماء الزلال لمن اعياه عطش الصحراء.

من هنا كونت حروفي الاولى، التي حددت اختياراتي في الحياة. من هنا صار لليافع الذي ترك القرية وتغرب في المدينة عينان أخريان تختلفان عما كانتا قبل العلاقة بحرفه ومعناه. ومن هنا.. بدأت رحلة شقاء عذبة.. رحلة مع الحرف والمعنى والالتزام... رحلة مع الموقف الذي يكلف غاليا.. ورحلة مع دروس الشهادة.

ورغم تكسر الروح، وانثيال الهزيمة كي تغطي مساحة امة... لا زال غسان في تلك الزاوية، يلكز الضمير والوجدان، اذا ما راودتني النفس على التخلي. .. غسان في وعيي شيء لا يذهب.

- See more at: http://www.wattan.tv/ar/news/139530.html#sthash.F16MsH1x.dpuf