ثلاثة شهداء.. قصص حدثت قبل أيام

حجم الخط

هناك مهمة تقوم بها وأنت تدرك أنّك ستفشل جزئياً، وهي الكتابة عن الشهداء. فعندما تذكر شهيداً، لا بد أن تجهل، أو تَغفَل، شهيداً آخر سقط قربه زمنياً أو مكانياً. والعذر أنّهم جميعاً يغزلون ثوباً واحدا، يطرزونه سويّاً؛ فإنْ أمعنت النظر في واحدٍ منهم، فأنت تبصر جزءاً من ثوب تتكامل زخرفته، ليبصرهم الفؤاد جميعا.

أمامي، بصدفة اللقاء اليومي للشهداء، قصص ثلاثة شهداء، اهتديتُ هذا الأسبوع إلى فقرات جديدة تضاف إلى سِفرِهم.

غسان كنفاني، أعرف قصتي معه، وأنا أنتحي مكاناً قصيّاً في المنزل الدافئ في عمّان والثلج ينهمر في الخارج، مطلع التسعينيات، بُعيد نكسة حرب الخليج والشعور بانعدام الجدوى، وأنّ المقاومة الفلسطينية تمضي بعد مؤتمر مدريد للسلام بعيداً عن نهجها. وأنا أقرأ على وقع موسيقى "فاطمة" لعمر خيرت، قصص غسان التي اغتالوه لأجلها في بيروت في 8 تموز (يوليو) 1972. وأعرف فتاة أصغر سناً، روت لي كيف أهداها "رجل طيب"، كان صديق والدها اليساري و"رفيق" نضاله، قصص كنفاني. ولكن بقدر ما يُثير أدبه من قشعريرة الوطن، وجدت الألم الممتع هذا الأسبوع. ففي الذكرى الثالثة والأربعين لذكرى استشهاده، قرر الفلسطينيون "هناك"، ما يلي: "نجتمع على دوار غسان كنفاني في مدخل عكا القديمة لنضيء الشموع إحياء لروحه الطاهرة". ويقول الصديق جهاد، ابن سخنين، الذي ولد تقريباً عند استشهاد غسان: "ما يزال حيّاً يُرزَق في أزقة مدينة عكا التي ولد فيها في الثامن من نيسان (إبريل) 1936". ويكمل: "الحجر وبلاط البيت و"درابزين" الشرفة والعمارة، بفنها الشرقي، باقية وشاهدة على ولادة غسان كنفاني الأديب والمناضل".

يوم الأربعاء الماضي، وقف الفلسطينيون هناك ورفعوا علماً فلسطينيا وصورة غسان، وسمّوا الدوّار باسمه.
الشهيد الثاني، جهاد العمارين. فبعد اعتقال دام عامين، أُطلِقَ في عام استشهاد غسان، ليعاد اعتقاله بعدها بعام ويبقى في المعتقل الصهيوني حتى العام 1985، ففاتته بذلك "ملحمة" بيروت. والملحمة هنا بمعنى انبثاق العرق من مسامات الجسد في قمة تدفق الأدرنالين، أثناء رفع البندقية بجانب الكتاب الأكاديمي والعلمي والرواية، ونظرة الحب في العينين، والغناء والثورة. وكتب جهاد قصته؛ يبعده الصهاينة من المعتقل إلى سويسرا، فيعود إلى الأردن ويتزوج من مخيم الوحدات، وينسج من هناك خيوط إعادة الثورة وإدامتها في الداخل، ويساهم في إطلاق تنظيم "سرايا الجهاد". ويذهب مع أبي عمّار إلى تونس، ويحاول العام 1991 التسلل إلى غزة سراً فيعتقل مصريّاً، ويعود لتونس.

ويخبرني، قبل أيّام، صديق لجهاد أنّه عندما ثار الجدل هل نعود بعد أوسلو إلى فلسطين؟ حسم الأمر بإخبارهم: "أنا ذاهب، بندقيتي سبقتني هنا"، فيؤسس كتائب "شهداء الأقصى". تمر هذا الأسبوع ذكرى اغتياله العام 2002. وفي العام الماضي قصفت القوات الصهيونية برج الظافر في غزة، حيث تسكن عائلته؛ أم رمزي والأولاد، فيُدمر البرج، ويبحث الأهل عن مكان جديد، وتؤلمهم مفارقة ذكريات البرج.

أعترف أني كنت أجهل الشهيد الثالث (وما أزال إلا قليلاً)، حتى شاهدت صورته قبل أكثر من عام، إنّه الحاج حسن الطوباسي (عبدالإله دراغمة)؛ واحد ممن تركوا العمل في دول الخليج العربي نهاية الستينيات، وجاء يقاتل؛ يقصف مصنع البوتاس الإسرائيلي من جنوب الأردن مراراً. ثم صار قائداً لوحدة "أبطال الموت" في قطاع الجولان، يطلق الصواريخ باتجاه طبريا. قاد عشرات العمليات العسكرية ضد الاحتلال، واستشهد (في 5/ 7/ 1976) وهو يفك الحصار عن مخيم تل الزعتر في لبنان. شاهدت صورته في قاعة في طوباس ونحن نهنئ أسيراً محررا من أقاربه، اعتقل نهاية الثمانينيات، وكان الحاج حسن واحدة من القصص التي تربى عليها. وعدت هذه الأيام أقرأ شذرات عن الحاج حسن في كتاب معين الطاهر "الكتيبة الطلابية"، وكيف كان مهتماً بالطلاب؛ ينسق معهم تأسيس تنظيم ثوري مختلف فكرياً ومسلكياً. كان قائد منطقة الشمال في لبنان: "استشهد، وأرسلوا مكانه نعيم وأبو الوفا والدكتور أبو عمر حنا، والثلاثة استشهدوا أو فقدوا على الطريق في البحر".

ثلاثة شهداء، قصصهم متواترة، متشابكة، تنسج الثوب ذاته؛ تعود كل عام ومعها الجديد.