عن «داعش» وغزة والانقسام

حجم الخط

«داعش»، ( كأصله «القاعدة»)، تنظيم إرهابي تستخدمه أجهزة استخبارات مختلفة، وهو أيضاً فكرة تكفيرية تتلقفها جماعات «إسلاموية» متعددة الجنسيات، ما يفسِّر سرعة تعاظم قوته وتحوله إلى أخطبوط تمتد أذرعه في معظم دول المنطقة، حتى بات يضرب انطلاقاً من العراق وسوريا في كل من لبنان واليمن والسعودية والكويت وتونس وليبيا وسيناء وقطاع غزة. ولئن كان من الطبيعي أن تدخل ««إسرائيل»» على خط عصابة «داعش» و«أخواتها» في جميع الدول العربية، وفي «دول الطوق» خصوصاً، فإن من البداهة أن تدعمها وتستخدمها، بل وتعمل على تخليقها، في فلسطين من بوابة قطاع غزة، حيث تتوافر التربة الخصبة والتداخل الحدودي مع شمال سيناء الذي أعلنته عصابة «أنصار بيت المقدس» ولاية ل «الدولة الإسلامية» المزعومة، عدا التداخل الحدودي الواسع بين ليبيا وسيناء وشبكات الأنفاق المعقدة بين الأخيرة وقطاع غزة.
لكن حركة «حماس»، لم تأخذ الأمور على محمل الجد، بل وسمحت لمجموعات سلفية «جهادية» بتنظيم مسيرات أعلنت تبنيها لفكر تنظيم «داعش» ورفعت راياته السوداء. هنا، بمعزل عن النوايا، ارتكبت قيادة حركة «حماس» خطأ سياسياً كبيراً، حين ظنت أن مجموعات «داعش» في القطاع مجرد مجموعات هامشية، وأنها قادرة على إبقائها تحت السيطرة، ناسية، أو متناسية أنها مجموعات تكفِّر كل ما عداها، وأن بعضها خرج من عباءة الحركة أو انشق عنها، ومتجاهلة أن «داعش»، الفكرة والتنظيم، قابل للتكاثر تكاثراً بكتيرياً، خاصة في ظل ما يعانيه القطاع من فقر وبطالة وحصار خانق ودمار شبه كامل، بينما يتحكم الاحتلال في درجة كبيرة في «لعبة» «السلطة» فيه، خاصة في ظل غياب إرادة سياسية فلسطينية جادة لإنهاء الانقسام الداخلي المدمر، اتصالاً بإمعان قيادتيْ «فتح» و«حماس» في تعميقه لدرجة أن يصبح سيناريو «دولة غزة»، أي فصل القطاع عن الضفة وقلبها القدس، بل وعن مجمل عناوين القضية والحقوق والنضالات الفلسطينية، خطراً فعلياً وداهماً.
وأكثر، تجاهلت قيادة «حماس» التفجيرات التي شهدها القطاع مطلع العام الجاري لمنع إحياء مناسبتيْ انطلاقة «فتح» واستشهاد الرئيس ياسر عرفات، ولم تكشف عن مرتكبيها، بل وانساقت وقيادة «فتح» إلى تبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عنها، وتجاهلتا جرس الإنذار الكبير الذي دقته تلك التفجيرات، ولم تتوقفا كما ينبغي أمام حقيقة أن الاحتلال هو المستفيد الأول من نشر الفوضى في القطاع، وأغفلتا أن تسجيل تلك التفجيرات ضد مجهول يتيح للاحتلال وأجهزته الأمنية وعملائه وأدواته، ومنها العصابات التكفيرية، استغلال التناقض بين «فتح» و«حماس» لضرْب قيادات وشخصيات ومقدرات ومواقع وممتلكات وطنية. في حينه لم تكن التحذيرات الوطنية من وقوع تفجيرات جديدة تهويلاً أو مبالغة، بل تعبير عن حس وطني مسؤول يعي دور «إسرائيل» في دعم واستخدام وتخليق مجموعات تكفيرية إرهابية تنشر الفوضى وتضرب قيادات ونشطاء حركات مقاومة وطنية تخوض صراعاً سياسياً وميدانياً مفتوحاً وشاملاً مع احتلال استيطاني عنصري إقصائي، ديدنه ارتكاب المذابح والمجازر بأشكالها في إطار سياسة هجومية لتحقيق المزيد من الأهداف الصهيونية، ولطمس حقيقة أن القضية الفلسطينية هي جوهر الصراع في المنطقة، على طريق تحقيق الهدف الصهيوني الأساس: إسقاط حق عودة اللاجئين و«الاعتراف ب«إسرائيل» دولة للشعب اليهودي».
ومن أسف، عوض أن يدفع وقوع تلك التفجيرات نحو تطوير «حكومة التوافق» الشكلية إلى وحدة سياسية وميدانية لتلبية استحقاقات مجابهة الاحتلال ومحاربة الإرهاب التكفيري الناشئ في القطاع ووأده في مهده، أعادت قيادتا «فتح» و«حماس» الحالة الفلسطينية إلى مربع ما قبل تشكيل «حكومة التوافق»، بل وتبادلتا التهديدات العلنية بالعودة إلى مربع استخدام السلاح لحسم قضايا الخلاف السياسي. فماذا كانت النتيجة؟

كما كان متوقعاً، تكرر مشهد التفجيرات التي استهدفت في مطلع العام الجاري منازل ومركبات قيادات «فتحاوية» في التفجيرات الأخيرة التي نفذتها وأعلنت المسؤولية عنها مجموعات «داعش» في القطاع، واستهدفت منازل وسيارات لقيادات ونشطاء في «كتائب عز الدين القسام» الذراع العسكرية لحركة «حماس»، و«سرايا القدس» الذراع العسكرية لحركة «الجهاد الإسلامي». هنا، بداهة أن تكون «إسرائيل» ضالعة في هذه الجريمة، طالما أن حروب الإبادة والتدمير الثلاث التي شنتها على القطاع لم تحقق هدفها السياسي الأساس: «غزة خالية من السلاح»، وطالما أنها تتشبث، برعاية أمريكية، بتحويل فشلها الميداني، رغم اختلال ميزان القوى، إلى انتصار سياسي، وطالما أن قيادتيْ «فتح» و«حماس» أضاعتا فرصة تحويل الإنجاز الميداني الذي حققه الشعب الفلسطيني بصموده الأسطوري ومقاومته الباسلة وتضحياته الجسيمة إلى إنجاز سياسي يصعب، بل يستحيل، بلوغه من دون وحدة وطنية حقيقية قائمة على برنامج سياسي موحَّد يمكِّن الشعب الفلسطيني من التصدي للمهام الوطنية في محطة ما بعد الحرب العدوانية الأخيرة على القطاع، سواء المهام العاجلة: رفع الحصار عن قطاع غزة وإعادة إعماره وحماية مقاومته ومحاربة عصابات الإرهاب التكفيري فيه، أو المهام المرحلية: دحر الاحتلال إلى حدود 67، وبما لا يغلق باب النضال لتحقيق كامل الحقوق الوطنية والتاريخية الفلسطينية، وجوهرها حق اللاجئين في التعويض والعودة إلى ديارهم الأصلية وفقاً للقرار الدولي 194.
مجمل القول: تستطيع قيادتا «فتح» و«حماس» التلاوم وإشغال الشعب الفلسطيني في خلافاتهما الفئوية وانقسامهما المدمّر، لكن ليس بوسعهما، وليس من حقهما، إخفاء مسؤوليتهما المشتركة عما آلت إليه حالة الشعب الفلسطيني، خصوصاً في قطاع غزة الذي يغرق في بحر من الدماء، ويلفه حصار شامل وخانق، ويعاني دماراً شبه كامل، بما يوفره كل ذلك من تربة خصبة لنشوء وتعاظم قوة عصابات الإرهاب التكفيري التي من الطبيعي، بل من البدهي، أن يستغلها الاحتلال لإشاعة كل أشكال الفوضى والتخريب والتدمير بهدف اجتثاث المقاومة وتسهيل طريق تنفيذ مخطط «دولة غزة». ذلك يعني أن المهم لا يكمن في حجم عصابات الإرهاب التكفيري في قطاع غزة وما قامت به من تفجيرات حتى الآن، بل في أن «داعش»، التنظيم والفكرة التكفيرية، قد وصل إلى فلسطين من بوابة قطاع غزة، ما يفرض على الحركة الوطنية الفلسطينية بمكوناتها السياسية والمجتمعية التوحد لمحاربة هذا السرطان واجتثاثه قبل انتشاره واستفحاله.