دور الثقافة والمثقف في التغيير الاجتماعي والبناء والتنمية!

حجم الخط

[تنويه: "إقرأ باسم ربك الذي خلق" ......هذه مقالة طويلة (تقريبا 7500 كلمة يعني مش تعليق)...... أعيد نشرها من جديد... والسبب هو أن الاهتمام بالشأن الثقافي عندنا أصبح كمواسم الموضة مرتبطا بموسم الصيف... حيث تزداد النشاطات والمهرجانات وغير ذلك يعني مثل موسم رمضاني... مع أن المواجهة الثقافية يدور رحاها ليل نهار وعلى مدار الساعة... حيث الوعي العربي مشرع على مصراعيه لكل أنواع الغزو الثقافي من الظلامي والاستعماري من التجهيل إلى التغريب والاستلاب... والأخطر أن الناس لم تعد مشغولة بأسئلة الثقافة ودورها بل أصبحت تقارب الفعل الثقافي كعرض أزياء... لهذا أعيد نشر هذا المقال... ]
*** 
طبيعة الأسئلة والتحديات التي يثيرها موضوع هذه الورقة تستدعي التعامل معها كجزء من عملية أو حلقة في سلسلة، بمعنى ضرورة مقاربتها في سياق التفاعل حول واقع حال الثقافة الفلسطينية في أنساقها المختلفة ( الثقافة في السياق الاجتماعي، الثقافة في السياق السياسي، جدل الثقافة والإعلام، الثقافة والحرية، الثقافة والسلطة، الثقافة والتعليم، دور الثقافة في الجامعة، البعد القومي في الثقافة، الثقافة والعولمة...). 
يحيل عنوان الورقة إلى ثلاثة مفاهيم أو حقول هي: الثقافة، التغيير الاجتماعي، البناء والتنمية، وكل منها يشكل مجالا مفتوحا للتفاعل بمستوياته المختلفة، فالنسق الثقافي يتشكل ويتحرك في سياقاته التاريخية – السياسية – الاجتماعية – الاقتصادية المحددة، وكذا عملية البناء وعملية التنمية، لتعود كلها لتتفاعل فيما بينها ضمن أنساق في منتهى التنوع والتشابك، حيث تتحدد أدوارها وأهدافها وصيروراتها بناء على الأولويات والإمكانات وطبيعة الخيارات السياسية والاجتماعية التي تتحكم بها وتوجهها. بعد ذلك تنتقل المقاربة إلى المستوى الملموس في الحالة الفلسطينية بكل تشابكاتها وأبعادها. 
يمكن الدخول في الموضوع بصورة مباشرة والبدء بسرد سلسلة طويلة من المهام والأدوار التي يجب على الثقافة والمثقف القيام بها، أي وكأن الحالة الثقافية الفلسطينية يكفيها مجرد التنويه أو لفت النظر لتنطلق بكل حيوية لتأدية دورها ووظيفتها بدون معوقات. هذا ما يشي به عنوان الورقة المشار إليه "دور الثقافة/ المثقف، في التغيير الاجتماعي، والبناء والتنمية" غير أن ذلك العنوان مراوغ وخادع، لأنه يفترض مسبقا بأن الثقافة والمثقف في الحالة الفلسطينية هما في وضع يمكنهما من ممارسة دورهما في التغيير الاجتماعي والبناء والتنمية بفاعلية وقوة، وكأن الثقافة تفعل خارج الزمان والمكان وبالتالي هي خارج دائرة المأزق أو الأزمة، الأمر الذي يعني امتلاكها لشروط الفاعلية والتأثير، ولكن ماذا لو كانت الثقافة والمثقف بحد ذاتهما هما من يحتاجان لإعادة بناء وإعادة تحرير من سطوة المستوى السياسي المأزوم؟!.
هذه الإشكالية تدفع بالنقاش إلى مستوى آخر، مستوى الأسئلة الصعبة الأمر الذي يجعل من ذلك عملية تندرج في سياق مقاربة الأزمات العامة التي نواجهها كشعب فلسطيني وأمة عربية على كل المستويات بما في ذلك واقع حال الثقافة الذي يشكل موضوعيا وذاتيا جزء من الأزمة العامة، في ضوء ذلك تتحدد ممكنات وآفاق الثقافة والمثقف الفلسطيني والعربي، أي ارتباطا بمدى قدرتهما على لعب دورهما أولا في وعي واقع أزمة الثقافة ذاتها بأبعادها وتجلياتها المختلفة. 
إذن تحديد دور الثقافة أو المثقف في التغيير والبناء والتنمية ليس مجرد عملية ميكانيكية مباشرة، فأي ثقافة نقصد وأي عملية تغيير اجتماعي وأي تنمية، هنا نجد أنفسنا أمام خيارات ونقاط انطلاق متباينة إن لم تكن متناقضة ومتصارعة.
في هذه المداخلة لست في موقع من يقدم أجوبة أو حلولا للأسئلة المثارة، أقصى ما أطمح إليه هو المساهمة في إثارة الاهتمام ومحاولة تأصيل النقاش والمقاربات والعودة بها إلى جذورها على صعيد تفاعل حقول مثلث الثقافة، التغيير الاجتماعي والتنمية في محاولة لإضاءة فضاء هذا التفاعل وتلمس أسئلته وتحدياته وما يترتب على ذلك من خيارات واشتراطات إذا ما أردنا ( كقوى سياسية، نخب ثقافية، مؤسسات مدنية، مؤسسات أكاديمية، إعلام...) أن نحتل وضعية الفاعل المنتج وليس المفعول المتلقي الذي يكتفي - بوعي أو بدون وعي- بلعب دور الكومبارس المفروض بقوة السقف السياسي الخاضع لعلاقات القوة، سواء على المستوى الخارجي أو الداخلي، بكل ما يترتب على ذلك من تباين في الأجندات، الدوافع، الأولويات والأهداف التي يتناقض بعضها مع الحد الأدنى لوجودنا كشعب له أهدافه وأولوياته وطموحاته. 
في هذا السياق سيتركز النقاش على ميدان الثقافة، ذلك لأن ذات الأسئلة المنهجية تسحب نفسها على مفاهيم التغير الاجتماعي والتنمية والسياسة والإعلام وغيرها.
حول مفهوم الثقافة: 
أقرت اليونسكو في مؤتمرها الذي عقدته في المكسيك عام 1982م وكرسته للثقافة، تعريف الثقافة على النحو الآتي: " الثقافة بمعناها الواسع يمكن أن ينظر إليها اليوم على أنها جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعا بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها. وهي تشمل الفنون، والآداب، وطرائق الحياة، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان، ونظم القيم، والتقاليد، والمعتقدات"
فيما يرى محمد سليمان أن الثقافة هي "ذلك المركب المتجانس من الذكريات والتصورات والقيم والرموز والتعبيرات والإبداعات والتطلعات التي تحتفظ بها الجماعة البشرية وتشكل هويتها الحضارية، في إطار ما تعرفه من تطورات بفعل ديناميتها الداخلية وقابليتها للتواصل والأخذ والعطاء. وبعبارة أخرى، إن الثقافة هي المعبر الأصيل عن الخصوصية التاريخية لأمة من الأمم، عن نظرة هذه الأمة إلى الكون والحياة والموت والإنسان ومهامه وقدراته وحدوده، وما ينبغي أن يعمل وما لا ينبغي أن يأمل". 
أما بعض علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الاجتماع فقد عرفوا مفهوم الثقافة البشرية بأنها سلوك تعلمي يكتسبه الأفراد كأعضاء في جماعات تعيش في المجتمع الواحد، وفي المحصلة أجمعوا على أن الثقافة هي ذلك الكل المعقد الذي يتضمن المعرفة ، والمعتقد ، والفن ، والخُلق ، والقانون ، والعادات الاجتماعية وأية إمكانيات اجتماعية أخرى بل وطبائع اكتسبها الإنسان كعضو في مجتمعه" ( سليمان، 2008).
إذن الثقافة هي مجمل الموروث الشعبي المتراكم في مختلف الحقول الاجتماعية، وهي تعبر عن سمات وجوهر حضارة الشعب أو الجماعة أو الأمة، وبهذا المعنى تعكس التفاعل المعرفي والإنساني الخاص لتلك الجماعة مع بيئتها الجغرافية وفضائها الجيوسياسي ومعتقداتها. ولهذا فالثقافة عابرة للزمان والمكان في سياق تاريخ الجماعة المحددة، إنها تعكس خلاصة التجربة بكل تراكماتها السياسية الاقتصادية الاجتماعية الفكرية اللغوية وبناها ومقارباتها المعرفية. بكلمات أخرى إنها خط فعل الجماعة الممتد في الماضي المتقاطع مع الحاضر العابر نحو المستقبل، وبهذا فهي عملية نفي وتراكم لا تتوقف ارتباطا بالتحديات والتهديدات والطموحات التي تحدد خيارات تلك الجماعة في السياقات التاريخية المحددة، إنها جزء من البناء الفوقي الاجتماعي الذي يؤثر مباشرة في اتجاهات البناء الاجتماعي التحتي.
وبسبب خطورة دور الثقافة على المستويين الداخلي والخارجي كانت دائما عنوانا وحقلا للتدخل والفعل بهدف الهيمنة والسيطرة على وعي المجتمع بما ينسجم وأهداف الطبقة المسيطرة أو القوى الاستعمارية.
في مرحلة الاستعمار الكلاسيكي ظهر علم الأنثروبولوجيا كعلم استعماري بهدف دراسة ثقافة وعادات وتقاليد ومعتقدات وأنماط تفكير الشعوب والجماعات لصياغة أفضل الوسائل للتأثير فيها وإعادة صياغة وعيها ولهذا كانت تتم استمالة النخب الثقافية والعلمية لاستخدامها وإعادة بناء وعيها وفق الأهداف الاستعمارية، كما كانت تجري عملية إرسال الطلاب للدراسة في الدول الاستعمارية لتشريبهم بثقافة المجتمع المستعمِر ليتحولوا لا حقا إلى أداة في خدمة مشاريع الهيمنة الاستعمارية، كما كانت تجري عملية نشر لغة المستعمِر كوسيلة لتسريب ثقافته ولإحكام القبضة على وعي وثقافة الشعب المستعمَر وكل ذلك في سياق الشعار العنصري الشهير"حمل أو مسؤولية الرجل الأبيض" في تمدين الشعوب والأمم المتخلفة.
غير أن ما تقدم من تعريف عام لمفهوم الثقافة، في ظل الاستخدام الاستعماري لها كوسيلة لتكريس هيمنته السياسة والاقتصادية، واستخدامها من قبل الطبقة المسيطرة في المجتمع لتعزيز وتكريس سيطرتها الطبقية، يثير إشكالية جدية ترتبط بمفهوم "الهيمنة الثقافية" حسب تعبير غرامشي على المستويين التاريخي والراهن.
على المستوى التاريخي، يعتبر الموروث الثقافي المتراكم عبر الأجيال هو حاصل تجربة المجتمع المذكور سلبا وإيجابا بما هو حاصل ما استقرت عليه حركة علاقات القوة في ذلك المجتمع وهي الحركة التي تعكس تناقض / صراع أو تقاطع مصالح المكونات الاجتماعية المتباينة، والتي تتجلى في الهيمنة الثقافية للطبقة أو الفئة الاجتماعية المسيطرة في كل مرحلة تاريخية وما يترتب على تلك الهيمنة من استخدام للثقافة لتبرير خيارات وسياسات وأولويات تلك الطبقة.
أما على المستوى الراهن/المعاش فإن مفهوم الهيمنة الثقافية يرتبط بمصالح الطبقة المهيمنة اقتصاديا وسياسيا وما يستدعيه ذلك من توظيف للثقافة والمثقفين في كافة الحقول بهدف تكريس السيطرة السياسية لتلك الطبقة.
وفي كلا المستويين ليست الثقافة خارج دائرة الصراع، بهذا المعنى لا يعود التعريف العام للمفهوم كاف، الأمر الذي يثير تلقائيا السؤال حول أي ثقافة نقصد في كل مرحلة؟ وتلقائيا السؤال حول دور الثقافة والمثقف: وهل يتحدد دورهما في الدفاع عن الواقع القائم، أم تعزيز الثقافة البديلة؟
هذا بالضبط يتضح ما قصده غرامشي بقوله " إن كل جماعة اجتماعية تظهر إلى حيز الوجود في عالم الإنتاج الاقتصادي، حيث تؤدي وظيفتها الجوهرية، تخلق معها عضويا شريحة أو أكثر Strata من المثقفين، تمنحها التجانس والوعي بوظيفتها، لا في الميدان الاقتصادي وحده، بل في الميدانين الاجتماعي والسياسي أيضا. فالمنظم الرأسمالي يخلق إلى جانبه الفني في الصناعة، والمتخصص في الاقتصاد السياسي، ومؤسسو الثقافة الجديدة، ومبدعو النظام القانوني الجديد، الخ"(غرامشي، 1978 ).
وهذا أيضا يتجلى ما قصده د. محسن بوعزيزي رئيس الجمعية التونسية لعلم الاجتماع في كتابه "السيميولوجيا الاجتماعية" بقوله عن الثقافة " بأنها أكذوبة، خاصة إذا تخفت خلف حرف التاج "ال" لتخفي ما فيها من هيمنة ومن روابط القوة ، بينما إدغار موران يراها محتالة ، مخادعة، مراوغة، منومة، ملغزة، فيما يرى بارت أن الثقافة أي ثقافة هي نتاج تاريخي قائم على الصراع والهيمنة، وعلى شروط اجتماعية أنتجتها" (بوعزيزي، ص66-73، 2010).
ويضيف بوعزيزي في ذات السياق: في حين ينشغل الغرب بسؤال ما بعد الحداثة بما يشمل تكسير الأنساق التي بناها اجتماعيا وثقافيا فإن الواقع الثقافي الاجتماعي العربي - حيث تنتمي الحالة الفلسطينية بكل دراميتها- لا يزال بحاجة إلى بناء أنساقه الاجتماعية والثقافية ما قبل الحداثية، ولهذا ليس لدينا ما يمكن هدمه أو تكسيره (المصدر السابق).
التبعية السياسية وما يلازمها من قهر وكبت داخلي تغذيه التدخلات الخارجية باستمرار بما ترتب على ذلك من احتلال مساحات واسعة من وعينا، هو ما قاد إلى المأزق التاريخي للثقافة العربية حيث اكتسح الدال في النسق السياسي وسواه للمدلول الاجتماعي والثقافي في تجلياته الأكثر حرية وإبداعا عبر تعويم الوعي الجماعي بالاستعارة والإيحاء في محاولة للالتفاف على النظم القمعية والبوليسية الأمر الذي أفضى – كما يقول بوعزيزي - إلى تمزق علاقة التجانس البنيوي بين الواقع ومختلف أشكال الوعي بهذا الواقع، فتعمق الاستلاب وتشنج الهوية الاجتماعية والثقافية ولم يبق على السطح إلا الدوال التي يعوزها العمق ولا يسكنها إلا الفراغ لابتعادها عن المرجع الحي أي الواقع الاجتماعي ( المصدر السابق).
هنا نلاحظ سطوة السياسي على الثقافي لدرجة تحويله من فاعل حيوي في البناء والحماية وتعزيز الإبداع إلى مطية لتبرير وتمرير الخيارات السياسية الهابطة والمحبطة.
الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش يعبر عن هذه المعضلة بكل وضوح في مقابلة مع الفضائية اللبنانية LBC "...أنا أنزعج من شيء واحد، أن تعرف بطاقتي الشعرية بالبعد السياسي... نحن نعيش في مناطق متوترة ومتأزمة أصبحنا فيها رقباء على أنفسنا، فكثرة التعامل مع الرقابة والإدمان عليها قد تحول الشخص إلى رقيب على نفسه، لكن في الشعر يبدو أن الإحساس بوجود رقيب قد يطور جماليات الشعر، وأنا في رأيي إن أي قصيدة يفهمها الرقيب ويمنعها يكون العيب في القصيدة وليس في الرقيب، على القصيدة أن تكون أذكى وأكثر جمالية وحرية، ملتبسة على فهم الرقيب المباشر لها، فالشعر الجميل والشعر الحقيقي هو الذي يعتمد على حركة المعنى وليس المحدد، والذي يتناول الأشياء تناولا غير مباشر، يستعصي على الرقيب، وربما يحبب الرقيب بالعمل" ( درويش، 1997). والرقيب هنا لا يقتصر على البعد الأمني بل يتخطاه إلى مستوى الخضوع لرقابة السياسي على الثقافي الأمر الذي يجرد الأخير من كل خيارات التجريب والإبداع والنقد الذي يشمل أيضا تعاسات السياسة. لقد ملّ محمود درويش من هذا الإحساس، فحاول الالتفاف عليه عبر التعامل معه باعتباره تحديا يدفعه لتحسين جمالية النص عبر اللجوء إلى الغموض والاستبطان. 
هذا الواقع هو الذي أحدث عملية إزاحة متراكمة في حقول الفعل الثقافي وهي تتجلى في ميدان الأدب والفنون على شكل مراوغة وهروب نحو التخفي والاستبطان والاستعارة ليس باعتبارها من ضرورات وجماليات العملية الإبداعية وإنما كرد فعل على النظم البوليسية والاستبدادية، هكذا يتحول القهر السياسي إلى قهر بوليسي وكل ذلك إلى قهر ثقافي مما يفقد أي عمل ثقافي الشرط الأولي للإبداع أي الحرية كقيمة مطلقة وليس تعسفية.
هذا المأزق الثقافي الشامل يعكس المعضلات البنيوية التي نواجهها كمجتمعات عربية ومجتمع فلسطيني، وهو ما يفتح النقاش على مفهوم الحرية والمواطنة واحترام العقل وتنوع الخيارات وجدل المصالح الفردية والطبقية والمصالح الوطنية أو القومية العليا. هذا الاختلال يفسر بصورة معينة المعادلة التي تحكم العلاقة بين مجتمعات الجذب المركزي ( المجتمعات المتطورة والكولونيالية) و مجتمعات الطرد المركزي ( مجتمعات العالم الثالث) على صعيد العقول والكفاءات الثقافية والعلمية وغيرها. 

ما تقدم يثير الأسئلة والنقاش أيضا حول علاقة الخصوصيات الثقافية واستجاباتها في ظل العولمة والنظام العالمي الجديد، حيث تجري محاولة فرض نموذج ثقافي عالمي مهيمن كاستجابة لمفهوم نهاية التاريخ وصراع الحضارات والثقافات والأديان، الأمر الذي يدفع النقاش نحو مفهوم الاستقلال أو الانعزال الثقافي في مواجهة التفاعل الثقافي وكل ذلك ارتباطا بمعادلات الهيمنة الاقتصادية والسياسية التي حولت أغلبية شعوب العالم إلى مستهلكين لمنتوج الدول المتطورة على المستويين المادي والثقافي، حيث تتموضع "هايدرا" برؤوسها الثلاثة : تحالف رأس المال الإعلام والسياسة لتشكل قوة مرعبة وساحقة. 
ومفهوم الاستهلاك يتخطى هنا - كما يقول جين بودريار - الممارسة المادية أو فينومينولوجيا الوفرة في الأشياء(سيارة، لباس، أكل... إلخ) إلى ضرورة رؤية ووعي الاستهلاك كنشاط من التلاعب النسقي بالعلامات، لا يثيرنا إلاّ متى تحول إلى علامة تستهلك في اختلافها دون ماديتها، فنحن لا نستهلك الشيء بل علامة الشيء، أي العلامة الإنسانية الممكنة من المنتوج، حيث كل الأهواء والفنتازمات والعلاقات تشترى وتستهلك حينما تلبس لبوس الشيء والعلامة، فدوامة الاستهلاك أدت إلى خلق غائية مختلفة للأمتعة ابتعدت عن غائيتها الأصلية، في هذا السياق يصبح الاستهلاك نمطا يبنى على أساسه كل النظام الثقافي للمجتمع، إنه يتحول إلى أسطورة يتحدث فيها المجتمع المعاصر عن نفسه، إذ هي الطريقة التي يتكلم بها المجتمع ويفكر (بوعزيزي، 2010، ص 90-91). والاستهلاك بهذا المعنى يصبح سلوكا شاملا متعدد الأنساق ويشمل إلى جانب السلع المادية بكل أطيافها السياسة والثقافة وما يرتبط بهما من مفاهيم وقيم.

الثقافة في السياق الفلسطيني: 
• الثقافة وجدل التاريخي/الاجتماعي/السياسي/الاقتصادي: 
يمكن القول أن الثقافة هي فاعل عابر للبنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بهذا المعنى هي حقل مفتوح لفعل وتأثير وتدخلات القوى الاجتماعية والسياسية ومراكز القوى بناء على موقعها ودورها في حركة التناقضات الاجتماعية بكل مستوياتها. إذن نحن أمام حقل في منتهى الخطورة والحساسية ذلك لأنه في ضوء دوافع وأهداف وموازين القوى التي تحكم حركة تلك القوى الاجتماعية والسياسية ستتحدد اتجاهات وخيارات المجتمع.
السياق الثقافي الفلسطيني بكل خصوصياته هو جزء عضوي من السياق العربي، وبالتالي فهو يعكس ما يعانيه ذلك السياق الأشمل من مأزق وتشويه وما يتعرض له ذلك الواقع من تذرير (من ذرة) للثقافة والفعل الثقافي منذ اتفاقيات سايكس- بيكو وحتى الآن، تلك الاتفاقيات التي رسخت الأساس ل "الثقافة القطرية كبديل عن الثقافة القومية" وذلك عبر التأسيس لبناء تاريخ قطري مفترض أو متخيل وبالتالي ثقافة قطرية مفترضة (ثقافة كنعانية، فرعونية، فينيقية، نبطية...) الأمر الذي فتح الباب لرياح العشائرية والطائفية .. وكل ذلك في سياق إعادة صياغة تاريخ المنطقة باعتباره تاريخ جماعات متنافرة ومتناحرة ( الملفت أن القوى الاستعمارية التي أطلقت شياطين التفتيت والتمزيق القطرية في جسد وروح الأمة العربية ذات التاريخ واللغة والحضارة والجغرافيا المشتركة هي ذاتها التي تحاول كتابة تاريخ مشترك للجماعات اليهودية المهاجرة إلى فلسطين رغم تباينها الثقافي، اللغوي، الجغرافي والتاريخي والحضاري). 
في هذا الإطار تتحرك أسئلة الثقافة العربية ومن ضمنها الفلسطينية وتتفاعل مع سياقاتها عبر ديناميات الدفاع/الهجوم، وهي الديناميات التي تحكم صراع وتناقض الثقافة السائدة والثقافة البديلة، عوامل وقوى التدخل الخارجية وتقاطعاتها الداخلية. والثقافة بهذا المعنى ليست بناء فوقيا معزولا إنها تبقى في كل الأحوال وبالرغم من قدرتها على التحرك المستقل نسبيا مرتبطة بمرجعياتها الموضوعية أي الواقع الاجتماعي الذي تقوم عليه وتتفاعل مع أسئلته وتحدياته المباشرة والمضمرة الراهنة والبعيدة وكل ذلك في إطار الزمان والمكان المحددين.
إذن تتحرك الثقافة والفعل الثقافي والمثقف في سياق البنى الاجتماعية وعلاقاتها وأنساقها المختلفة.
في هذا الإطار يمكن مقاربة واقع ودور الثقافة والمثقف في الحالة الفلسطينية، بمعنى ضرورة وعي البيئة والمحددات التي تلقي بتأثيراتها على الواقع الفلسطيني بما في ذلك وعي خصوصيات ذلك الواقع وما يحفل به من تحديات كبرى وأسئلة كبرى تطال يوميا الوجود الفلسطيني.
عند هذا المستوى يتقدم السياسي بكل سطوته وجبروته ليمارس تأثيره كما يحضر الاقتصاد وما يرتبط به من قوى طبقية واجتماعية وما يحكمها من توازنات وعلاقات قوة يحاول كل منها فرض هيمنته وخياراته وأولوياته بصورة موضوعية واعية أحيانا وعشوائية في أحيان أخرى، وبكلمات أخرى لا تعود المقاربات هنا اعتباطية حيث لا وجود للعموميات التي ليس لها تمثلات محددة في الواقع فكل خيار وكل فكرة وكل فعل ثقافي له حوامله الاجتماعية التي يجب أن تكون منسجمة قدر المستطاع مع أهداف وطموحات الجماعة التي يمثلها، والعام هنا هو نتاج تقاطعات المصالح في المساحة المشتركة فيما بين تلك الأطياف الاجتماعية بكل تلاوينها وتعبيراتها السياسية، هنا بالضبط تبدأ غيوم الأزمات بالتكون حيث تضيع التخوم والفواصل وتنفجر التناقضات وتتأسس أرض الصراعات الاجتماعية وشروطها، أي عند ذلك المستوى حيث تعجز النخب السياسية عن رؤية وتوسيع المساحة المشتركة التي تحافظ على وحدة النسيج المجتمعي الذي نعرفه في الخطاب السياسي الفلسطيني بمفهوم الوحدة الوطنية، التي يخطئ من يعتقد أنها مجرد نداء عاطفي أو أخلاقي، لأنها في الواقع يجب أن تشكل التعبير السياسي والاجتماعي والثقافي والتنظيمي الملموس الذي يعكس حل التناقض بين العام والخاص دون أن يغتصب أحدهما الآخر.وأي محاولة لتجاوز هذه الإشكالية أو المعادلة الدقيقة بصورة تعسفية وبوليسية ( أمنية) أو تكفيرية إقصائية سيدفع بالتكوينات الاجتماعية وتعبيراتها السياسية نحو الصراع والصدام المروع الذي سيدفع أثمانه الباهظة في النهاية كل من الخاص والعام على حد سواء. هنا تتشابك الشرعيات وهنا تجري عمليات الإقصاء القسرية لمكونات سياسية،اجتماعية، طبقية، إثنية أو قومية هي في واقع الحال مكون طبيعي في الواقع الاجتماعي. 
فشل أو عجز أو قصور النخب السياسية الفلسطينية في التعامل مع هذه المعادلة أدى إلى حالة الانقسام المتواصلة وحالة الانحباس السياسي والإحباط الاجتماعي العام وبالتالي الأزمة التي يحاول الفلسطينيون عبثا إيجاد الحلول لها من خارج السياقات الفلسطينية، وهو ما جعل من الواقع الفلسطيني واقعا هشا أمام التدخلات الخارجية وبالتالي فقر وهزالة أداء القوى السياسية الفلسطينية في مواجهة التحديات الكبرى التي تطرحها قضية بمستوى وخطورة القضية الفلسطينية. 
أقول ذلك وفي الذهن حالة الهبوط وسلوك الاستخدام الآني وضيق الأفق للثقافة الذي يهيمن على عقل نخبنا السياسية، بحيث أصبح دور الثقافة والإعلام محصورا في عملية تسويغ وتبرير الخيارات السياسية باسم الواقعية أو تبرير تمزيق الوحدة الوطنية باسم المصالح العليا، وكلا الاستعمالين ينم عن بؤس معرفي هائل. 
هنا نعود لمقاربة بوعزيزي حول مراوغة الثقافة واستخدامها كوسيلة لتبرير الخيارات وإعادة ترتيب الأولويات بعيدا عن مساحة التقاطع المشتركة التي أشير لها أعلاه. 
في هذا السياق يمكن تفسير الإزاحات التي حصلت تاريخيا في الأداء الثقافي الفلسطيني، بمعنى أن أفضل وأجمل الأسماء والإبداعات الثقافية كانت مترافقة مع زمن الأحلام والتمثلات السياسية الكبرى في الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي، فالأحلام والأهداف والطموحات الكبرى هي التي تستثير وتستفز الوعي وممكنات الإبداع الثقافي لكي تكون بمستوى تلك الأحلام والتمثلات الكبرى، حينها كان الفلسطينيون يحملون راية التحرر والتغيير التي التف حولها كل ما هو جميل وخلاق في الواقع العربي بل وكل المناضلين من أجل الحرية في العالم (كان ذلك زمن مجلة فلسطين الثورة، الهدف، الحرية، شؤون فلسطينية، الكرمل، الكاتب، مركز الأبحاث الفلسطيني..) وعندما انحدرت الطموحات إلى مستوى سقف المساومات السياسية المرهونة بسقف وقيود عملية السلام بكل تفاصيلها المتناقضة مع الحد الأدنى من الطموحات الوطنية، حينها بدأت الأحلام والتمثلات الكبرى بالانكسار والهبوط، لتخلي المكان لتمثلات فقيرة، أنانية وضيقة. 
بهذا المعنى يمكن إدراك ما قصده درويش بقوله " كنت أعتقد أن البيت أجمل من الطريق إلى البيت، لأكتشف لاحقا أن الطريق إلى البيت أجمل من البيت" بمعنى أن رحلة الطريق إلى البيت كانت نتاج الأحلام والتمثلات والتصورات التي تغذي رحلة التحرر والعودة وتمد أرتال المناضلين بالرؤية، بالإصرار والإرادة، كون الوطن في المخيال الفلسطيني كان يعني النقيض لكل الإحباطات والمعاناة والقهر، لقد ارتقى الوطن والطريق إلى الوطن والنضال من أجل الوطن إلى مستوى الحلم واليوتوبيا والمقدس، وكل ذلك دفع بالفعل الثقافي إلى مستوى الذروة، ولكن عندما تبين أن واقع الحال في البيت قد تردى إلى مستوى مريع عندها فقد المخيال ألقه وانحدر نحو اليأس والإحباط، واتجه السلوك الاجتماعي نحو مستنقع الأنانية وضيق الأفق والانتهازية وثقافة الاستهلاك والاستخدام والتكسب، لينعكس كل ذلك على الممارسة الثقافية التي انكفأت أمام هيمنة الفكر اليومي على حد تعبير مهدي عامل، الأمر الذي عبر عن ذاته بإطلاق ديناميات التشظي في النسيج الاجتماعي باسم الدين، الواقعية، العشائرية، الطائفية، الجهوية، العصبوية، لقد اندحر العام وتهاوى تحت وطأة الخاص بكل تمثلاته.
الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي: يعطي الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي الممتد على مساحة زمنية تجاوزت الستة عقود خصوصية فريدة لدور ووظيفة الثقافة، حيث لعبت و تلعب دورا حاسما وخطيرا لتبرير وخدمة المشاريع والأهداف السياسية التي يجري تنفيذها على كل المستويات.
فمنطلقات وأساسيات هذا الصراع تقوم على المواجهة والتناقض الجذري بين روايتين؛ الرواية الصهيونية – الإسرائيلية، والرواية الفلسطينية العربية. حيث تحاول كل من الروايتين الاتكاء على خصوصية المكان (فلسطين) برمزيته الدينية والحضارية والتاريخية لتبرير وجودها واستمرارها.
فالمشروع الصهيوني انطلق، ومنذ البداية، لتحقيق أهدافه السياسية عبر الاستحضار والاستخدام الكثيف للرواية الدينية اليهودية التي ترى في فلسطين أرض الميعاد لكل اليهود في العالم. في إطار هذه الإستراتيجية أصبحت فلسطين ميدانا مباشرا لإعادة صياغة المكان والفضاء والرموز، بحيث تستجيب لسياقات ومتطلبات الرواية الصهيونية، بمعنى بناء منظومات تراثية وثقافية تتناغم مع الرواية التوراتية التي تحاول بناء مشروعية تاريخية لتبرير الاستيلاء على المكان، بهدف تكريس المشروع في الوعي اليهودي وخلق رأي عام عالمي متفهم ومساند لترجماته السياسية.
الترجمات العملية لهذه الإستراتيجية منذ عام 1948 اشتغلت بطريقة منهجية ومنظمة في مختلف الحقول والمستويات، فتضافرت المخططات السياسية والعسكرية والفكرية في حزمة واحدة لصياغة الواقع وإعادة كتابة تاريخ فلسطين بحيث يتحول إلى نص سياسي، تراثي وثقافي يلبي أهداف المشروع الصهيوني ويؤمن له عمقا تاريخيا مقنعا. لقد كان هذا المشروع المستمر الذي يغطي مختلف جوانب المشهد الفلسطيني من أكبر عمليات الشطب والتزوير والتشويه التي شهدها التاريخ البشري ولا يزال. حيث يتم شطب تاريخ وحضارة ووجود شعب بكامله واستبداله برواية بديلة تستهدف الاستيلاء الكامل على ذاكرة المكان وتاريخه وخصوصياته الحضارية وإعادة تقديمها في سياق مختلف تماما لتتناغم وتبرر مشروع احتلال فلسطين. 
إذن لكي تستعيد الثقافة دورها ووظيفتها في الحالة الفلسطينية فهي مطالبة أولا بإعادة بناء هذا الدور وتأصيله وهذا يشترط توفر إطار سياسي اجتماعي واقتصادي إستراتيجي يتجلى في مشروع واضح ومقنع يعكس إرادة الشعب الفلسطيني ويستجيب للتحديات التي يواجهها ويحمل في ذات الوقت آمال وطموحات هذا الشعب لمستقبله المتخيل. في الواقع الفلسطيني، وفي ظل ما تعرض له من اهتزازات وتمزقات وما تركته الخيارات والممارسة السياسية من آثار عميقة على الوعي الجمعي الفلسطيني يصبح من الضرورة إعادة تأسيس الرؤية السياسية الفلسطينية بالاستناد إلى حقائق وبديهيات الصراع التي لا يجوز إخضاعها لرهانات اللحظة، في هذا السياق الواضح تتجلى قيمة الفاعل الثقافي كمعادل حماية وبناء هائل الدور والدلالة في صراع البقاء الذي يخوضه الشعب الفلسطيني منذ أكثر من مئة عام في مواجهة المشروع الصهيوني وما ترتب عليه من احتلال طويل المدى يبذل قصارى جهده لفرض روايته للتاريخ والواقع. إذن نحن في قلب مواجهة هائلة وشاسعة بكل المقاييس أين منها أدائنا الثقافي، وأين منها ضيق أفق معظم نخبنا الثقافية؟
ولهذا فإن أي مقاربة لدور الثقافة أو المثقف الفلسطيني مع مفاهيم التغيير الاجتماعي والتنمية والبناء في الحالة الفلسطينية يجب أن تجري بالاستناد لأسئلة الواقع الفلسطيني السياسية والاجتماعية، وهذا غير ممكن إلا إذا كان الإطار السياسي العام (كعامل محدِّد) واضح تماما، وبدون ذلك سنذهب بأقدامنا إلى مصيدة المراوغة، التبرير، التشويه، والالتباس. في هذا السياق لا يغدو السؤال عن دور أي ثقافة ومثقف نتحدث، وأي بناء وتغيير اجتماعي نقصد، عبثيا أو عدميا، بل يغدو سؤالا واقعيا بامتياز، لأنه يعيد التذكير ببديهيات الواقع الفلسطيني من جديد.
ومن أبرز بديهيات ذلك الواقع تشابك مهام مرحلة التحرر الوطني ومهام البناء الديمقراطي والاجتماعي:
هذا التشابك يعكس وبعمق الأسئلة والمهام والتحديات التي تطرحها السياقات المختلفة للخصوصية الفلسطينية أمام الممارسة الثقافية، حيث الشتات واستمرار الصراع على مساحة زمنية ممتدة، الأمر الذي يجعل من تأمين احتياجات الإنسان الفلسطيني الفردية والجماعية مسألة راهنة ودائمة، وبهذا المعنى تصبح مهام البناء الديمقراطي والاجتماعي ذات طبيعة مزدوجة؛ فهي من جانب تقوم بتأمين متطلبات الصمود الاجتماعي والحاجات الأساسية، ومن جانب آخر تعزز قدرة المجتمع الفلسطيني على تأمين شروط التحرر الوطني، أي بقدر ما تلبي عملية البناء الديمقراطي احتياجات الناس فإنها تعزز في ذات الوقت من قدرتهم على الصمود والمقاومة لنيل حريتهم واستقلالهم وتحقيق تحررهم الوطني. في ضوء الإقرار بهذا المحدد ينفتح أمامنا معنى ودور ووظيفة الثقافة والمثقف في الحالة الفلسطينية كما تتحدد تخوم ودوافع وأهداف عملية التنمية والبناء بحيث ترتبط موضوعيا بهذا المحدد ولا تلتف عليه وتتخطاه لخدمة مشاريع سياسية تتناقض مع أبجديات التحرر الوطني. 
جدل الثورة والسلطة:
تأسيسا على ما تقدم تتحدد الفواصل والتخوم بين وظيفة الثورة ووظيفة السلطة، وهو التناقض الذي لعب الفشل في حله والتعامل معه دورا هائلا في دفع أكبر حركتين سياسيتين في التاريخ الفلسطيني الراهن (حركة فتح وحركة حماس) نحو الأزمة، فإذا سلّمنا وبقناعة بأن الشعب الفلسطيني لا يزال يعيش في مرحلة التحرر الوطني ولم ينجز مهامها بعد، إذن من الطبيعي أن يواصل التنظيم السياسي عمله باعتبار تلك المهام هي إستراتيجيته الناظمة بكل ما يترتب عليها من شروط، وأي سلطة سياسية تنشأ في هذه الإطار يجب أن تكون في خدمة السياق العام وليس العكس.
لقد جاءت تجربة السلطة الوطنية على بعض أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة في الفترة التي أعقبت توقيع اتفاقيات أوسلو لتشير إلى أن المعادلة الناظمة المشار إليها أعلاه قد تم انتهاكها، حيث قامت السلطة وبصورة ما بإغراق حركة فتح ولاحقا حركة حماس في بناها بحيث بدت الحركتان وكأنهما في خدمة السلطة وليس في خدمة المشروع التحرري كإستراتيجية ناظمة، هذا الواقع أدى إلى تحول جوهري في بنية الحركتين بحيث نجحت السلطة في ربط مصير هاتين الحركتين ودورهما بمصير السلطة، بينما كان المطلوب أن تحافظا على وظيفتهما كقوى تضبط وتوجه أداء السلطة بما يخدم الإستراتيجية السياسية التحررية، دون أن يضرب ذلك بالطبع دور السلطة وأدائها لوظيفتها المدنية والاجتماعية البنائية وتعزيز العملية والقيم والممارسة الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني. عمّق من تأثير هذا الخلل الأداء البائس للسلطة في كثير من الجوانب، الأمر الذي قدم نموذجا سلبيا للنظام السياسي القادم في أذهان الجمهور الفلسطيني المتعطش لنموذج سياسي وإداري وخدماتي وسلوكي يرتقي إلى مستوى طموحاته وتضحياته ومعاناته الهائلة.
هكذا ببساطة ولد التناقض بين الثورة والسلطة وخرج عن نطاق السيطرة، في حين لو حافظت قوى الثورة على مسافة موضوعية أو مسافة أمان كافية من السلطة، لما وصل الصراع على تلك السلطة المحكومة بالسقف والصلاحيات المنصوص عليهما في اتفاقيات أوسلو وملاحقها إلى حدّ المساس بوحدة الشعب الفلسطيني وتهديد مشروعه الوطني عبر رهانات أظهرت تجربة العشرين عاما الأخيرة مدى عقمها وفشلها كما أظهرت هول تناقضها مع طموحات الشعب الفلسطيني وما قدمه من تضحيات كبرى على دروب حريته واستقلاله.
ما تقدم ليس سجالا مفتعلا، كما أنه ليس إسقاطا ذاتيا، بل هو في الجوهر عودة إلى الأصول التي تاهت في مراوغات السياسة التي لم تزل تواصل الرهان والتكيف مع اشتراطات النقيض باسم الواقعية أحيانا وباسم الظروف الموضوعية وموازين القوى في أحيان أخرى.
وحتى لا تنزلق المدلولات من جديد نحو العماء والضبابية فإن المقصود بالنقيض هنا هو المشروع الصهيوني بكل مكوناته واستراتيجياته وتحالفاته، بما يعنيه ذلك من: 
- كونه تاريخيا جزء عضويا من المشروع الاستعماري في المنطقة والعالم.
- ومن كونه مشروعا اقتلاعيا يستهدف شطب وجود الشعب الفلسطيني ليس من الجغرافيا فقط بل ومن السياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية ( شعب من اللاجئين).
- ومن كونه احتلالا طويل المدى ( أكثر من ستين عاما) بما يعنيه من قدرة على تشويه تاريخ وموروث فلسطين على كل المستويات، إلى جانب تشويه الوعي الجماعي الفلسطيني (خلق الحقائق الجديدة على الأرض من سرقة التراث والآثار، تهويد المكان، طمس تاريخ الوجود العربي الفلسطيني). 
- ومن كونه يستهدف السيطرة على المصادر الطبيعية؛ الأرض، المياه، الثروات... تغذية سياسة التبعية والاعتماد عبر إلحاق الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي، بما يترتب على ذلك من ظهور شريحة اجتماعية تتشابك مصالحها مع مصالح الاحتلال.
هذا المشروع يعي ذاته بعمق مذهل، ويشتغل وفق آليات وعمليات متشابكة ومتكاملة بما يحافظ على إستراتيجيته في إدارة الصراع بحيث يستخدم المعطيات والنواتج بأقصى فاعلية ممكنة ليعود ليوظف التراكمات لفرض حقائق جديدة منتقلا من مستوى إلى آخر ومن مجال إلى آخر بحيوية وفاعلية، متيقظا لضرورة عدم وضع أهدافه التكتيكية في تناقض مع الاستراتجيا أو الراهن مع البعيد، أو البراغماتية مع الأيديولوجيا التي تغذي بناه الاجتماعية وتدفعها للفعل بأعلى طاقة إبداعية، وإن حدث مثل ذلك التناقض فيتم حله بحيث لا يجري انتهاك الأهداف والمخططات الكبرى والبعيدة.