الشاعر الفلسطيني محمود درويش قامة ثقافية وشعرية كبرى. وقد رحل إلى الأبد. وإن نقد مواقفه السياسية اليوم، كما يفعل البعض منا على قاعدة خصومة سياسية قديمة أو محاولة فتح حوار مع الرجل، بأثر رجعي، صار " متأخر شوي "، وبالإنجليزي too late ، لقد انسحب صاحب " أحمد العربي " من عالمنا في مثل هذه الأيام في ( 09-08- 2008 ) وترك لنا، ما يتركه عادة الشعراء : ما يختاره الناس، طوعاً، من كلمات القصيدة !
مع ذلك، لا أحد خارج شرعية النقد. لا أحد.
وإذا كان يحق للشاعر ما لا يحق لغيره، في الشعر، فهذا القول لا ينطبق على الوظيفة والدور والأفكار والموقف السياسي. المثقف الفلسطيني الكبير وقع في أخطاء وربما ارتكب خطايا سياسية، وأكثرها بسبب علاقته الوثيقة والمُلتبسة مع المؤسسة الفلسطينية الرسمية. لكن كان الحوار معه ونقده وحتى الهجوم عليه، وهو بيننا، أجدر وأصدق وأنفع. هذا بالضبط ما فعله الشهيد ناجي العلي، عاتبه في البدء، ثم لطشه، ثم لسعه مرّتين على الأقل. حنظلة لم يتعب وظل يمنح الشاعر حقه في الدفاع عن نفسه، يحاوره تارة، ويحاصر تارة أخرى! كانت هذه هي حدود العلاقة، فلماذا يريدنا البعض أن نعقد محكمة للشاعر، كأنه مجرم وقاتل هدد وخطط وشارك في إغتيال ناجي العلي !؟
ارحمونا..
وهل المطلوب أن نذكر، مع كل قصيدة للشاعر الكبير توفيق زياد، أنه كان عضواً في الكنيست وأننا اختلفنا معه حول كذا وكذا؟ هذا العبث بعينه. لكل مقام مقال وبحث. شعبنا لم ولن يعترف بشرعية الكنيست الصهيوني، سيظل يعتبره برلمان الكيان الصهيوني الغاصب. لكن بعد رحيل الشاعر الوطني يجب أن نحمي حصتنا فيه. الحصة الأجمل، تلك التي يكرهها العدو تحديداً، وإلا، فإن خلافك مع الرجل كان شخصياً جداَ جدا. تريد تبديد ثروة وطنية وثقافية.. وفقط.
حال شاعرنا، محمود درويش، هو حال المثقف والأكاديمي إدوارد سعيد وآخرين كثر. ارتبط اسم هؤلاء بالمؤسسة / القيادة الفلسطينية، ودافعوا عنها، برروا كل مواقفها وكوارثها حتى ارتفع ياسر عرفات إلى حيز "الأسطورة " ومقام الأنبياء. أصبح نقد القيادة = كفر + خروج عن الشرعية الوطنية!
مع ذلك، ورغم كل ذلك، وصلنا الى جدار الحقيقة الأخير في العام 1993، فانتقلوا إلى موقع الناقد للمؤسسة وقيادتها بعد توقيع اتفاقيات (أوسلو) احترموا عقولهم وعقولنا، رفضوا الاتفاق المسخ، قبل ان يرحلوا. ألا يحسب هذا الموقف لهم، على الأقل؟ ما معني النقد الذاتي؟ ما معني سؤال الشاعر: لماذا تُطيل التفاوض يا ملك الاحتضار !؟
ننسى مثلاَ أن عشرات المثقفين الفلسطينيين الذين " نظّروا " لاتفاقيات أوسلو، كانوا بوق السلطة بين 1993 -2000، تملصوا من تلك المواقف وغسلوا أيديهم بعد وصول التسوية إلى مأزقها. هذا جيد على كل حال. وليس المطلوب تذكيرهم كل صبيحة وعشية أنهم كانوا " غلط " ؟! للأسف هناك من تمسح واخترع معادلة جديدة، يقول لك مثلاَ: أنا مع السلطة، ومع " الرئيس"، ولكن أنا ضد أوسلو ؟! الأخ مع الحوار الوطني ولكنه يبرر الاعتقالات السياسية والتنسيق الأمني. هذا المثقف الفلسطيني العجيب يريد أن يأكلها على كل الجهات. سلطوي وديموقراطي. (معاَ) !؟
لا تستطيع حشر هؤلاء في سلة واحدة مع سعيد و درويش.. هذا ظلم وحرام !
حين يرحل شاعر/ة من أبناء وبنات شعبنا، كاتب، فنان، مبدع، من امتلكوا الموهبة الشخصية - بحق - واشتغلوا على جبهة الثقافة والفكر والفن وتركوا بصماتهم على خطابنا ومشهدنا الثقافي، وأصابوا وأخطأوا، حين يرحل مثل هؤلاء يجب أن نشعر بالحزن والخسارة والفقد، حتى لو اختلفنا معهم في السياسة. لأن ما تبقى منهم، خير ما فيهم، ابداعهم. وثانياً لأنهم لم يكونوا يوماَ في موقع صاحب القرار، والأهم: تعالوا نترك الذاكرة الشعبية الفلسطينية، تحكم وتقرر، ذاكرة شعبنا أكثر عدلاً. تحفظ من تشاء وتسقط من تشاء.
الأمر في أحد جوانبه يُذكرنا بمواقف بعض مثقفي اليمين واليسار المصري على حد سواء، ظلوا يسلخوا جلد طه حسين 50 سنة بعد وفاته، ثم اكتشفوا أن " الليبرالي الأعمى " كان يرى الأشياء في وضوح وصفاء أكثر منهم. وكان طه حسين ينتصر-في الجوهر – إلى حقوق ومصالح الطبقات الشعبية وما ينفع بلده وشعبه، لأن استراتيجية التعليم وبناء مؤسسات الدولة لا تحتاج إلى " عيون زرقا "، ولا تسعفها عدد الرايات ولا قوة الشعارات، بقدر ما تحتاج إلى رؤية وعلم وإرادة وتخطيط و إمكانيات وضمير .
ونبقى في مصر.
إذ يسأل جمال عبد الناصر رفاقه في الأيام الأولى للثورة عن المبررات في وقف أغاني السيدة أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وآخرين؟ لماذا تُمنع من البث في الإذاعة الوطنية؟ قيل له: هؤلاء كتبوا وغنوا ولحنوا للملك في العهد البائد! كان رده: طيب يلا ندمر الاهرامات، وأبو الهول بالمرة، لأنها تنتمي هي الأخرى للعهود البائدة! هذه حكمة الفلاح الصعيدي. درس في احترام الصوت الاخر، في حماية الثروة الثقافية والفنية من التبديد والضياع والتشويه، فضلاً عن ممارسة ثورية لفكرة العفو عند المقدرة.
الأعداد المليونية التي خرجت للشارع وشيعت أم كلثوم وجمال عبد الناصر وطه حسين أكدت أن الحدس الشعبي أعمق وأصدق من الكتب أحياناً.
وأخيراً ..
في ذكرى رحيل الشاعر العربي الكبير محمود درويش لنوقد له شمعة جديدة ونحتفي به أكثر، دون أن نمسخ الأشياء والبشر. هذه ليست دعوة للتسامح المجاني مع " أخطاء الموتى " ولا دعوة للكف عن الاستفادة والبحث في العبر والدروس عن المثقف وعلاقته بالسلطة والسلاطين، لكن لنفعل ذلك دون تنصيب أنفسنا حُكاماً وقضاة وجلادين.
وبعد:
خديجةُ! لا تغلقي البابْ
لا تدخُلي في الغياب
سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل
سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل
سنطردهم من هواء الجليل.
