الليكود حزب المستوطنين ..وماذا عن الفلسطينيين..!

حجم الخط
لم يكن خطاب النصر الذي ألقاه بنيامين نتنياهو فجر الأربعاء الماضي حين أعلنت النتائج فوزه على منافسه الوحيد والضعيف موشيه فايغلين بعيدا عما يريد أن يسمعه ناخبو الليكود حين تعهد أمامهم بالالتزام بالاستيطان، فقد سبقت تلك الانتخابات جملة من الاستطلاعات التي نشر بعضها والبعض الآخر وضع على مكتبه والتي بجميعها كانت تؤشر إلى أن نسبة كبيرة من أعضاء هذا الحزب هم مستوطنون وبالتالي كان يجب أن يهديهم لحظة النصر تأكيد ثقتهم به كزعيم للحركة اليمينية الاستيطانية . ولتأكيد ذلك فقد أفردت صحيفة هآرتس في افتتاحها أول من أمس عينة من المستوطنين المتطرفين الذين انضموا بالعشرات في الأشهر الأخيرة لليكود ولم يكونوا حالات هامشية بالتأكيد، بل أن بعضهم وصل إلى مركز الليكود وهو الهيئة التي تضع السياسة في الحزب ومنهم إيتاي هرئيل الذي انتخب بالمركز وهو مؤسس بؤرة مجرون الاستيطانية ومائير بالتر وهو من زعماء " زعران التلال " الذين أثاروا موجة من العنف والإرهاب بالاعتداء على الفلسطينيين وكذلك الجيش الإسرائيلي في الفترة الأخيرة، وهذا ربما يفسر ضعف نتنياهو في اتخاذ إجراءات ضدهم عندما هاجموا قاعدة للجيش الإسرائيلي وغيرهم . مؤسس بؤرة ميغرون هرئيل قال يجب التمسك بقيم جابوتنسكى السياسية التي تقول " ضفتان للأردن " ويقول يجب الاهتمام على أن تسير قيادة الحزب في هذا الطريق، وتعطي الأرقام دلالات هامة ربما تفسر سياسة الحزب القادمة حين نعرف أن 10 % من أمثال هرئيل من المستوطنين أصبحوا أعضاء بمركز الحزب وأن 30 % من الذين انتسبوا للحزب في الآونة الأخيرة هم من المستوطنات بالإضافة إلى المستوطنين القدامى، هذا يعني أن الحزب يتحول أكثر يمينا ويصبح بجدارة حزب المستوطنين، وهو ما يقوله أعضاء المركز من المستوطنين أن هدفهم التأثير على سياسة الحزب من الداخل. العودة للحديث عن المشروع الاستيطاني بهذا الوضوح واستعادة مقولات جابوتنسكى ربما تستوجب البحث في تاريخ هذا الحزب الذي اعتقد للحظة أنه يمكن التوصل معه إلى تسوية، فهذا الحزب هو وريث الحركة التصحيحية التي تزعمها الأب الروحي لليمين الصهيوني في نهاية عشرينات القرن الماضي الذي لم يؤمن بوجود فلسطيني غرب نهر الأردن ويعتبر أن المكان الطبيعي للشعب الفلسطيني هو الضفة الشرقية للنهر، وبالمناسبة كان جابوتنسكى هذا صديقا شخصيا وتوأما سياسيا فكريا لوالد بنيامين نتنياهو البروفسور بن تسيون نتنياهو ويعتبر رئيس الحزب الحالي وريثا طبيعيا ليس فقط بالمعنى البيولوجي بل بالفكر السياسي لوالده وصديقه. حين تشكل الليكود عام 73 كان قد تشكل من عدة أحزاب وقوى يمينية أهمها حزب حيروت الذي كان قد تشكل من منظمة اتسل العسكرية الإرهابية برئاسة مناحيم بيغن بعد حلها ودمجها، وقد كانت مبادرة تشكل الليكود من أرئيل شارون الذي انضم لحزب الأحرار عام 73 بعد تركه للجيش ليكون حزب شارون وحيروت أهم كتلتين في الليكود بالإضافة لحزب القائمة الرسمية والمركز الحر ومجموعة عمالية يمينية تنتمي لـ "أرض إسرائيل " وكان هدف هذا التكتل هو إزاحة حزب العمل عن السلطة والحلول محله لتنفيذ برنامج اليمين السياسي، ولم يستطيع الفوز في الانتخابات الأولى لتشكيله عام 73 ولكنه نجح بعدها عام 77 وحينها تلقت حركة الاستيطان دفعة هائلة جداً، ويمكن القول أن المشروع الاستيطاني بدأ بالتحقق وخصوصاً مع تسلم شارون وزارة الزراعة. العلامة الأبرز في تاريخ هذا الحزب اليميني هو انشقاق أرئيل شارون عن الحزب عام 2003 مشكلا حزب كاديما حين أعلن عام 2002 في مؤتمر هرتسيليا الثالث قبوله حل الدولتين وفقا لتصور بوش لتحاصره الأغلبية الليكودية برفض خطته السياسية والتي اعتبرتها خيانة لمبادئ الحزب اضطر حينها لترك الحزب بعد أن استندت تلك الأغلبية برئاسة نتنياهو إلى القرار الذي اتخذه مركز الليكود عام 2002 الذي نص على أنه " لن تقوم دولة فلسطينية غربي نهر الأردن" هذا كان قبل أن تصبح قوة المستوطنين 10 % في المركز. إذن حزب الليكود هو حزب استيطاني بامتياز لم يعد ذلك خافياً بعد الخطاب الأخير لبنيامين نتنياهو والذي نسف خلاله خطاب بارايلان وهو حزب يعارض الأسس التي قامت عليها التسوية، لكن الغريب في الأمر أن هذا الخطاب الفج الذي كان يجب أن يشكل تحدياً للعالم وصفعة كبيرة في وجه الولايات المتحدة الأميركية والرباعية الدولية طالبت بوقف الاستيطان واعتبرته مدمراً للتسوية وخروجاً على قواعدها، لوحظ صمت الجميع دون تعليق، أما حين تعلق الأمر بالفلسطينيين بعد انتخابات 2006 تطوع الجميع لاعتبار مواقف حركة "حماس" خروجاً عن أسس التسوية، يا لهذا العالم الرائع الذي يعرف حكمة "السكوت من ذهب" حين يتعلق الأمر بإسرائيل. وكزعيم ومخلص للمشروع الاستيطاني ولأعضاء حزبه فقد شكل نتنياهو الأسبوع الماضي لجنة من خبراء القانون برئاسة القاضي المتقاعد أدموند ليفي، وتهدف هذه اللجنة للالتفاف على القانون الإسرائيلي الذي اعتبر أن بعض المستوطنات غير قانونية، وقد كلفها "بفحص وسائل سياسية ومبادئ عمل تتعلق بالبناء الذي لم تنظم مكانته في يهودا والسامرة " وذلك يعني البحث عن شرعنة الاستيطان حين استعر خلاف في إسرائيل حول بعض المستوطنات وأهمها ميغرون التي أصبح مؤسسها أرئيل عضوا بمركز الليكود وهو ما يفعله أي رئيس وزراء سابق. من الواضح أن القوة التي يتمتع بها نتنياهو داخل حزبه وقوة الحزب في الداخل الإسرائيلي وضعف الأحزاب المنافسة، وهذا ربما يفتح شهية نتنياهو لتقديم الانتخابات العامة في إسرائيل قبل أن تتمكن الأحزاب من تقوية نفسها وتحالفاتها، ربما أن ذلك الوضع يؤكد فوز نتنياهو والليكود في الانتخابات القادمة مرة أخرى والتي تتوقع الأوساط في إسرائيل أن تجري نهاية هذا العام، فقد نجح نتنياهو في ولايته الحالية كما قال الكاتب أربيه شابيط في إسقاط قناعة اليسار في إسرائيل بالسلام، وهو في طريقه لإسقاط إيمان العالم بالسلام، ومن الواضح أيضا أنه استطاع أن يقنع الفلسطينيين بذلك من خلال سلوكه العملي وشعاراته والتي وصلت ذروتها فجر الأربعاء مع خطاب النصر، فماذا سيكون في الولاية المرشح الفوز بها. هذا سيناريو القابل للتحقق ربما يطرح على الفلسطينيين سؤالا حول برنامج المواجهة بعد إسدال الستار على عملية التسوية وهم المشغولون بمواجهات داخلية نخرت عظم المشروع الفلسطيني فيما إسرائيل تطبق برامجها بارتياح شديد ودون معارضة داخلية أو حتى خارجية، وفوق ذلك فهي تعبث بالداخل الفلسطيني وآخر ذلك الحديث عن رفع الحصار عن غزة في محاولة لإجهاض المصالحة والعمل على جعل غزة كيانا مستقلا حسب توصيات مؤتمر هرتسيليا التاسع، ومع تعثر المصالحة تبدو الحالة الإسرائيلية في أسعد لحظاتها فيما حالة الفلسطينيين يرثى لها، وهذا يفتح على أسئلة كبيرة جدا سواء مستوى القيادة لدى الفلسطينيين أو مستوى الإرادة والبرنامج الغائب تماماً، وقدرة من يضع البرنامج وأيضا كفاءة الإدارة ...!