حــوارية بروة القاسم ورامة درويش

حجم الخط

يعرك آب هزائمــه في أجسادنا ..

يسحب من ظلّنــا احتمــال التجدد في طفولة مباغتة ويــرمي بنــا في جواب مدهش : لماذا تقتلهم وتتركنا ؟

لكّن آب شهر مدلل ، يواري جفـافـه قدرتــه الفظيعة على الحبّ والحياة .

هل يحدث أن يموت العمالقة كلّهم في شهر آب ؟ .

ربما تتــزاحــم الأســاطير في رأس المشيــّع وتتســاوى في مخيّلــة الميت الجديد ، أو ربما تتاخم غيرة الأشهر من بعضها فترى آب يصنع من نفسه أسطورة يحــّك بــها أنفــة تمــوز المنثــور على عشب الذاكرة أسطورة يجبل ماؤها سنديانــة الخرافة و سروة الرواية ، و يؤرق بهـا أيلول الذي يزعم لنفســه صفا لا نهائيا من العشّاق ..

لعلّنــا ضحايا النزاع بين شهرين أو أكثــر .. لعلّنــا ضحايا هذا المزاح الذي كلّما اشتد اختار أحدنا قربانا ينضب بها الثأر في الشهر الفتيّ ويشبع شيخوخة الأشهر التي سغبت من المديح .

الآن ..

 فرّ النص الجديد من كاتبه ، وفرّ النص من النص . انطفأت الشخوص مع الجمهور المشيّع وغاب كل شيء

كل شيء ..

لــم يعــد ما يليق بالنسيان سوى شواهد تدّل على حادثة القربان و رمزية الضحيّة ، شواهد تختزل الجلل الذي حلّ في رقم سرعان ما يمّر .

يلوح الصديق ـ الشاعر ( هو أيضا ) ينبش في آثار صديقه الشاعر ـ الراحل ليرتجل البكاء المرّ على تقاسيمه أمـام كاميرات الذكرى التي تحترم موعدها كل سنة ساعة ، تحدجك المفارقة وأنتَ تقنع نفسك بالارتباك وبأن مداركك أصابها الوهن : ألم يكونا صديقين لدودين ؟ ، ثم تمضي إلى تأويل آخر : الشعر ما فرّق بينهما لكّن الموت جمعهما في زنزانة واحدة .

تقترب الريح من قبر الفقيد ، لــِمَ لا يثير صفيره جمهور المشيعين كما أثارتــه الجنــازة ؟

يبتسم لكَ السؤال الفلسفي ــ الذي يرهبه الشعر دائما ــ : كم يعيش كل شاعر بعد وفاتــه ؟ ، هل يتمكن شعره من جعله يموت على دفعات أم أنــّه يتلاشى مع وشيش النسيان مرّة واحدة ككوب من الماء يدلق في هذا الزمن الغــث ؟ (1)

ربمــا لهذا انتبه سميح القاسم إلى لعبة الشعر الكبيرة الخطرة ورأى ــ حين كان فتيا ــ شمعدانات الزيف حول جثمانه المسجى (2)

يربكني المسرح الجديد الذي يقيمه المــوتى ، ويدهشني نمّوه ونضجه مع كل عملاق يفّر من راية الحياة الناقصة

هل تمحّص التجربة شعراء على مسرح الحياة و مسرحيين على شَعر الغمام حيث أوهمتنا طمأنينة الفجيعة أنهم    يصعدون ؟

..

يقول أحد المسرحيين المتقاعدين من مسرحية الشعر : " (..) أخيــرا لا تسألني عن قبرك ، مادام المهد قضيّة معلّقة فسيظل القبر سؤالا محرجا يتيم الإجــابة (..) الأمر المؤكد الوحيد هو أن حــواجز الشرطة المحيطة بمطار اللّد لن تقوى على احتجاز قلب الوطن الذي ينتظر عودتك ساعة بساعة ودهرا بدهر" . (3)

يضحك شيطان الشعر من مكر زميله الشيطان الذي علّم هذا المسرحي الكتابة قبل أكثر من نصف قرن ، يسخر من هول المفارقة ، ويصرخ : ولكنّك قد عدّْت .

يضحكان معا ويستدرك مجيبا بتهكّم ــ بينما يفتح الشيطان الأول زجاجة نبيذ تمكّن أحد المشيعـين الأوفياء من دسّها في التابوت ــ : أنـــا لــم أغــــادر أصلا  !

يصل الآن النص إلى يديْ مسرحيّ متقاعد آخر : " ( ..) ولكن شجرة الخروب إياها التي دلّت على المستوطن الأجنبي (البريء) عليّ وعلى أجدادي ، هي هي غلاف هويتي ، وهي أيضا جلد روحي ، وإذا كان للروح جلد . هنــاك ولدتُ .. هناك ولدتُ وهنــاك أريد أن أدفن . ولتكن تلك وصيتي الوحيدة ! " (4)

ــ هل تحّــب الليل ؟

ــ ليس دائما لكنّــه هادئ

ــ إنّــه على الغيم شعر لم يــمس أحد مادتــه الخام ليصقل هدوءه قصيدة أو نايا

( قاربت زجاجة النبيذ النصف )

ــ نحن محرومون حتى من حقنا في وصيّة

ــ أنتَ على الأٌقل كنتَ أحرص مني على وصيتي فلم تغادر وأرى وصيتي حيّة فيكَ كما دسستها في رسالتي إليكَ قبل أكثر من ثلاثين عاما .  .. " يا سميح ، يا سفر قلبي إلى الشجر كلّه (..) سلام عليك يا عزيزي ، يا حارس الخروبة من أغاني الآخرين ، أرجوك .. أرجوك إن مررتَ بها غدا أن تعانقها وأن تحفر على جذعها اسمك واسمي ..و لا تتأخر ! "(5)

ــ اسقني داءنـا وداوني هذا الغياب كأسا .. للنبيذ الهارب في التابوت طعم أشهى ، فيه طعم أرضنا الهاربة وقصائدنا المؤجلة ولاجؤونا العائدون خلسة في توابيت مختلفة .. ( يضحك ) : تصّور معي أن يستحيل كل العائدين زجاجة نبيذ ، ستوافق كل الأمم على عودتنا .. حتى المستوطن ( البريء) ! و .. " أرجوك أن تعذرني . لن أزور شجرة طفولتك في البروة ولن أحفر اسمينا عليها .. ببساطة وصراحة تامة : لا أستطيع . شيء آخر أستطيعه من أجلي وأجلك هوأن أحفر اسمينا على الريح وأن أنقش الريح على الوطن وأن أكتب الوطن على لحمي وأن أنثر لحمي في القصيدة " (6)

ــ أما زال هناك لحم لتنثره ؟ لأنثره ؟ لننثره ؟ .. لحمنا منذ البدء معّــد للنهش ، ينهشه المستوطن ـ البريء والشرطية المدججة على حاجز في صحراء النقب وامرأة في مطار بعيد و ينهشه المنفى وتهّده الحقائب و ينهشه الحنين إلى أكثر من شجرة .. وينهشه المرض ! .. أتساءل أحيانا : هل يشبه هذا " موت المؤلف " الذي جاء به رولان بارط ؟ .. البروة والرامة وحيفا وعكّا ( بالمناسبة أما زالت تخاف هدير البحر ؟ ) كلّهــا ، هل تعني شيئا دوننا ؟ أما زلنا نعني لها أي شيء .. ؟ لو بقيتُ أنــا ورحلتَ أنتَ .. هل كنا نصير إلى هذه النهاية الشعرية ؟

ــ" (..) وآنذاك شددت اللحاف إلى ما تحت أنفك مودعا : ( بخاطرك ! ) .. لماذا أتوقف عند هذه الكلمة ؟ ـ حتى بعد أكثر من نصف قرن ـ  آه صحيح ، لأنك لم تقلها لي حين أرهقتك ليلة ما في موسكو فشددت مصر إلى ما تحت أنفك . لقد أحزنني رحيلك أكثر مما أغضبني . كان في رحيلك قسم من الأنانية بقدر ما كان قسط مماثل من الأنانية في سخطي عليك" (7)

ـ هذا خروج تام عن النص .. المسرحية ستعرض دون جمهور لكن علينا أن نحترم مساحة الأغاني من هذا البكاء ، لا تعد يا سميح إلى ما مضى .. نحن لم نعد أكثر من ضيفين على غمامة واحدة مع زجاجة نبيذ نجت من مراسم التشييع المضجرة.. أريد أن أكتب .. لستُ أريد من هذه الحياة الجديدة أكثر من سيجارة وقهوة مُرّة ــ آه يا سميح لو كانت على نار الحطب(8) ــ تصور النار على الغمام ! سيقولون " تبت يدا الشعر وتب ! تبّا .. تبّا ، " هل يصيبك العقم المفاجئ ؟ هل يجتاحك الإحساس بالهزيمة النهائية إذا توقفت أسبوعا واحدا عن الكتابة ؟ (9)

ــ لا أعرف سوى أننــا شيطانيْـــنا هرما .. وأن الله تخلّى عني  .. وعنك وأني مأخوذ بهذه الأرض ، و لا أريد أن يتاخم البحرَ بحر آخر ، خلال عيني حبيبتي أطيل النظر ، إلى جبال بلادي المشعرة (10)  يفتــكُ بــكَ " العقم المفاجئ " " .
لستَ أول من انتــبه إلى أن العقم يمكن أن يكون مفاجئا ولستَ أول ضحاياه لكنّك مع ذلك تتحسس كل ثنايا جسمك علّك تشّم سمات حمل
يفتك بتفاصيلكَ : يجمّد قدوم النوم إليكَ كلّما حاولت استدراجه إلى مخدعك ، يطرد عنكَ شهيّة الرحيل إلى كتابة غامضة ، يجففُ ماء حبركَ ويجعل من النظر إلى شجرة الشعر مرادفا للمستحيل وارتجالا لنهاية مؤجلة .. يفتكُ بكَ هذا العقم ويفتكُ بما يحمله الفعل من مجاز 
تظل أمــامــه إمراة رقوب .. تفرك أحلامها القديمة كصبيّ ينظر إلى كتاب لا يسعفه خياله النضر ليفّك طلاسمه أو إمراة واله تتحسس خوفها المتكور في بطنها أن يموت كسابقيه .
الكتابة مهما كانت لغتها فعل حرون ، تكّر وتفّر وتدبر .. لكن هذا العقم شيء آخر : هل ترحل ؟ ، إلى أين ؟
يحمل هذا العقم في ملامحه صفات والدته الحياة في قسوتها ، يشّتد كلما هي طلبت ذلك ويلين كلّما رأى نفسه قد نهشكَ كما يحلو لهما على حدّ السواء : الحياة و العقم
والعقم يطال مقاييسك الجمالية : تنفر من مرآتك ومن قلبكَ ، والعقم يضرب ذوقك الشعري فتبيت عاجزا أمــام جمـالية مقطع روائي أو عبقرية أقصوصة أو سيّدة أنيقة !
والعقم اجتماعي ، يدفعك نحو العزوف عن قبول فنجان قهوة أو النظر إلى صاحب الاتصال
والعقم له أشهر يمتد فيها ويزهر منها الحرّ والجدب .. تذوب معه الحروف ويسيل النعاس تحت نخلة الجرح و يجزر كلما اقترب أيلول وكلّما جففت المطر دموعنا . يحزنك وشيش هذا الليل العقيم ، لأول مرّة تكره صمته و هدوءه ،لأول مرة تعاف نجوما هرمت وُلِدت ولا تلد ، يضجرك أن يمتد العقم من أبعد نجمة إلى أصغر حبّة رمل منسيّة مثلك في هذه الحلكة ، تهمس به : أيها الشتاء هلاّ أتيتَ لتمنح الطفل القادم تربة ندية ينحت منها إلها دائما للخصب  

ــ "(..) حيفا حارة في الصيف ورطبة . لا تنس أن تزور محطة الشرطة وأنتَ في طريقكَ إلى البحر . لا تنس أن تسأل الضابط عن موعد الاعتقال القادم . قدّم له سيجارة واطلب منه سجنا أنظف من سجن الشهر الفائت " (11)

ــ (..) في أعقاب زيارتك إلى الرامة أهديتَــني قصيدة كان مطلعها : في حضن حيدر ترقد ... حيث الجمال مغّرد (12)

ــ هل مازلت تذكر .. ؟ ياه كم مرّ زمن ! و " شيطانك أنثى وشيطاني ذكر "! (13)

يعود آب فرحا بما غنــم وما إيانا حرم .. لم نكن سوى منفضة آب التي فيها عرك سجائره

صباح الخير حيفا .. انتبه للكرمل يا سميح !

لم يعد الشعر شعرا بعدكَ يا أبا الوطن الضائع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

( *) في الأصل عنوان لسميح القاسم ، الأعمال الشعرية الكاملة ، الجزء الرابع

(1)من قصيدة " إلهي ، إلهي ، لماذا قتلتني " ، سميح القاسم ، الأعمال الشعرية الكاملة ، الجزء الرابع

(2)نفس المصدر

(3)" الرسائل " ، محمود درويش ، سميح القاسم ــ دار توبقال للنشر  ( رسالة سميح القاسم ـ حيفا )

(4)نفس المصدر ( رسالة محمود درويش ــ باريس )

(5) نفس المصدر ( رسالة محمود درويش ــ باريس )

(6) نفس المصدر ( رسالة سميح القاسم ـ الرامة )

(7) نفس المصدر ( رسالة سميح القاسم ــ الرامة )

(8) ذاكرة للنسيان ، محمود درويش

(9) نفس المصدر ( رسالة محمود درويش ــ باريس )

(10) من قصيدة " إلهي لماذا قتلتني " ، سميح القاسم ، الأعمال الشعرية الكاملة

(11) " الرسائل " ، محمود درويش ـ سميح القاسم ، ( رسالة محمود درويش ــ باريس )

(12) نفس المصدر ، ( من رسالة سميح القاسم ـ الرامة )

(13) عجز بيت لشاعر جاهلي مجهول !