1.
كان قلبه " الفولاذي " يذوب على مَهله مثل قطعة ثلج صغيرة في كوب ماء. هذا العجوز القويّ، الفدائي العنيد، القديم، مُعلمنا في المعسكر، ويَحّن إلى قريته، هناك، خلف البحيرة، فتسقط كل ملامح الغضب ويهوي العبوس الذي يلبسه مثل الوشم. ينصهر الحديد في صدره. يتحّول، ويتبّدل حاله، ذات مرة رأيناه يتكأ على بندقيته و يبكي، مثلما يبكي الذئب الجريح في البراري. ارتعش حين اكتشفنا، ثم صرخ في وجوهنا: انتبه!
لكن لماذا يَكز على أسنانه الآن؟ هكذا، كِزّززززززززّ ؟
هذه عادة قديمة. عمرها الآن سبعة آلاف سنة تقريبا. كلما ذكروا اسمها أمامه، يقف الزمن وتصطك أسنانه، فيما نحن الأشبال الفقراء نصغي إلى هذا الصرّير الحاد الذي يشبه النداء المُرّ، المُررررررر. كصوت المُحرّك في الحافلة القديمة وهي تحملنا من بيوت الطين والتنك في المُخيم إلى المُعسكر .. لم يكن لدينا صواريخ، مثل هذه التي تحت قدمك. الآن.
طيب، خذ سيجارة.
2.
هل مات العجوز؟
لا..
واليوم؟
اليوم كبرنا. وعرفنا الحقيقة الوحيدة واليتيمة: القرية والبحيرة هناك ونحن والعجوز لما نزل هنا!
والباقي؟
الباقي تفاصيل صغيرة. علمنا كل شئ يعرفه. بما في ذلك كيف نكز على أسناننا!
3.
والآن؟
الآن مرّت تسع حروب وثورتين يا رفيق. مرّت مياه كثيرة في النهر. مرّت دماء كثيرة تحت جسرنا. مرّت جيوش وسقطت إمبراطوريات وانقلب العالم ألف مرة!
والعجوز؟
العجوز يقول انه سوف يواصل الثورة، ولو وحده.
مجنون؟
ربما.
رغم الحصار؟
حيّ.
