ما بعد صدمة العزوف

حجم الخط

بدت لجان الانتخابات النيابية أشبه بشواهد القبور في اليوم الأول من جولتها الأولى.
رغم ارتفاع أرقام المشاركين في اليوم التالي إلا أن النسبة العامة النهائية نحو نصف الذين شاركوا في أي استحقاق أمام صناديق الاقتراع بعد ثورة «يناير».
كانت تلك رسالة احتجاج صامتة تطلب تغييراً عاجلاً يوسع المجال العام وينتصر للعدل الاجتماعي.
في طلب التغيير احتجاج على عودة الماضي بوجوهه وسياساته، كأن شيئاً لم يتغير في مصر بعد ثورتين. غير أن ذلك لا يصح أن يؤسس ليأس عام من أي تغيير وإحباط من أي تقدم. اليأس قراءة متعجلة للصراع على المستقبل المصري.
شيء جوهري قد تغير في بنية المجتمع يجعل من أي رهان على عودة الماضي تجديفاً ضد التاريخ.
الثورة الفرنسية شهدت تجربة مماثلة. العصر يختلف والبلد يختلف، غير أن الدرس لا يمكن تجاهله.
بعد انكسار زخم الثورة الفرنسية أطل الماضي بقوة في أول انتخابات برلمانية، وتسيد الملكيون نتائجها في أغلب المناطق الريفية.
التوغل في قطع الرقاب من على المقاصل لم يمنع هذه العودة، لكنها كانت مؤقتة. وسط الفوضى الضاربة تراجعت الفكرة الجمهورية، وأعلن «نابليون بونابرت» نفسه إمبراطوراً، استناداً إلى شعبية هائلة اكتسبها من انتصاراته العسكرية.
غير أنه بعد وقت طويل ومعاناة بالغة استقرت قيم الثورة الفرنسية في دستور ينتسب إليها.
الشرعية الدستورية تحكم الآن كل شيء في فرنسا، رغم الخلافات التي ما زالت ماثلة في المساجلات العامة بشأن الثورة وأحداثها الدموية.
الثورات مشروعات تغيير، وأفكار تلهم وتضحيات تبذل. لا الأفكار تتبدد ولا التضحيات تنسى في أي تجربة عميقة. فاليأس هزيمة مبكرة والانسحاب جهل بالتاريخ.
إطلال الماضي جملة عابرة بقدر ما تنهض القوى الحية لتقول كلمتها ويكون خطابها مقنعاً وفعلها مؤثراً. في رفع منسوب السياسة تتأكد قوة الدولة والقدرة على صنع التوافقات العامة بصورة طبيعية لا اصطناع فيها.
بقدر الانفتاح السياسي يتماسك المجتمع في حربه ضد الإرهاب. المجتمع المفتوح يؤكد التنوع الطبيعي، والقواعد الديمقراطية تؤكد انتساب الدولة إلى عصرها.
غياب البرامج السياسية من أسباب العزوف.. وفقر الرؤى والأفكار والتصورات يجفف أي قدرة على التجديد ويحجب أي أمل في المستقبل.
ما تحتاجه مصر أن تفتح مجالها العام لكل تنوع في الرأي وكل اجتهاد في الفكر. ولا يصح أن تتحول جماعة «الإخوان المسلمين» إلى فزاعة تمنع الديمقراطية، فقد تراجع أثرها في الشارع المصري بفداحة بسبب انخراطها في العنف.
بتلخيص ما، كانت القضية الأمنية على رأس كل الأولويات بعد 30 يونيو، فالحدود بحالة انكشاف كامل، والإرهاب يطل برصاصه وعبواته الناسفة وسياراته الملغمة، وسيناء تحت تهديد وجودي.
الآن الصورة اختلفت، تقوضت جماعات الإرهاب إلى حد كبير في سيناء وفي الداخل المصري على حد سواء. الأولوية في هذه اللحظة الاقتصاد ثم الاقتصاد ثم الاقتصاد. الأمن في المركز التالي، والأزمات الإقليمية تحل بعدها على سلم الأولويات الرئاسية.
في كل الأولويات تكاد تخفت تماماً الأزمة السياسية. الاقتصاد والأمن والإقليم مسائل سياسية على درجة عالية من الخطورة والحساسية.
البداية دائماً من الأفكار والتصورات. في فقر الأفكار أزمات مؤجلة مرشحة للانفجار. السيولة تجتاح المشهد كله بصورة يصعب أن تستمر، فالحقائق سوف تنزل على الأرض.
في العزوف عن صناديق الاقتراع شهادة احتجاج على هذا المستوى من التدهور السياسي.
كل ما هو مصطنع لا يصمد أمام الاختبارات السياسية. أول اختبارات الأحزاب الجديدة التي قد تحظى بنسبة نواب معقولة مدى التزام نوابها.
في غياب الرؤية المشتركة يصعب الحديث عن الالتزام الحزبي. الأحزاب تقوى داخل البرلمانات بقدر ما تطرح من رؤى وتصورات.
الاستهتار البالغ بفكرة البرامج سوف يفضي إلى فوضى كبرى داخل البرلمان المقبل. وبحكم تشكيلته المتوقعة لن يتبنى قضية واحدة في العدل الاجتماعي. وهذا مشروع اضطراب ينقل التفاعلات من تحت القبة إلى الشوارع مرة أخرى. هناك قوتان اجتماعيتان لم تبديا حماساً كبيراً للانتخابات يأساً من أي تغيير في جودة حياتها.
الأولى الطبقة الوسطى المدينية والثانية الفئات الأكثر فقراً وعوزاً. هذه حقيقة لا يصح إنكارها ولا التهوين منها.
في الإنكار تجهيل بالأزمة وفي التهوين لف ودوران حولها. كما كان عزوف القطاع الأكبر من الشباب ترجمة لنوع آخر من الاحتجاج على البيئة السياسية العامة. في الاحتجاج الأول أبدت الرئاسة نوعاً من الاقتراب الرمزي وفي الثاني غاب حتى الآن أي اقتراب.
في يوم إعلان نتائج الجولة الانتخابية الأولى أعلنت الرئاسة قبول استقالة محافظ البنك المركزي «هشام رامز». وبدت الاستقالة في توقيتها استجابة ما لغضب في الشارع من خفض قيمة الجنيه المصري مرتين على التوالي.
لم تكن هناك ضرورة ملحة لإعلان قبول استقالته قبل أكثر من شهر من انتهاء ولايته لكن الأسباب السياسية غلبت كل شيء. غير أن تحميل المحافظ المنتهية ولايته المسؤولية وحده في تخفيض قيمة الجنيه المصري قد يكون إجحافاً بالحقيقة. فهو لا يمكن أن يصدر مثل هذه الإجراءات السيادية قبل أن يستطلع الرأي ويستأذن فيه.
إذا لم يكن قد استطلع فإن ذلك ينال من كفاءة الأداء العام داخل مؤسسات الدولة.
السياسة النقدية ترتبط بالضرورة بالسياستين الاقتصادية والمالية، وإلا فإنها فوضى. خفض قيمة الجنيه المصري يعني بالضبط رفع أسعار السلع الرئيسية التي يئن المصريون العاديون تحتها، وزيادة معدلات التضخم بما لا يحتمل في مجتمع يعاني بقسوة.
لا يكفي أن يدعو الرئيس محافظ البنك المركزي الجديد إلى المضي قدماً في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، مع عدم المساس بمحدودي الدخل والفئات الأولى بالرعاية والعمل على توفير جميع سبل الدعم لها.
هذا يتجاوز صلاحياته التي ليس من بينها رسم السياسات الاقتصادية العامة ولا التدخل في أعمال الحكومة وبرامجها. إذا لم يبدأ الآن حوار جدي عن المستقبل وتحدياته وسبل صناعة توافقات عامة واسعة يقوده الرئيس بنفسه فإننا داخلون لا محالة إلى هزات لا تحتملها مصر.
أي حوار جدي لا بد أن يتطرق بالضرورة إلى الأولويات الاقتصادية، ما هي بالضبط وما جدوى بعض المشروعات الكبرى. كما لا بد أن يتطرق بكل وضوح إلى الانحيازات الاجتماعية وملفات الفساد وتغول الحيتان الكبيرة على المقدرات العامة.
والأهم من ذلك كله تغيير البيئة السياسية التي أكدت صدمة العزوف أنها في حالة انكشاف خطير.