عودة بطرس الأكبر

حجم الخط

ند رجوع القيصر الشاب من رحلة تدريب عسكرية استوقفه مصنع ريفي صغير للسلاح.

فحص منتجاته بشيء من الاستخفاف بينما كان يمسك في يده مسدساً ألمانياً حديثاً بدا معجباً به للغاية... باغته صاحب المصنع بما لم يتخيل أن يسمعه: «أستطيع أن أصنع أفضل من هذا المسدس الذي في يدك».

لطمه على وجهه غاضباً: «لا تتحدث فيما لا تعرف ولا تستطيع». رد عليه: «وأنت لا تضرب حتى تجرب وترى».
في تلك اللحظة البعيدة، قرب نهاية القرن السابع عشر، تغير التاريخ الروسي، وبدأت أسطورة «بطرس الأكبر».
ألعاب السلاح استحالت إلى حقائق قوة، وصناعاته الحديثة بمعايير زمنها أضفت عليه مهابة افتقدها في بداياته. غير أن أعظم إسهاماته تبدت في رؤيته الاستراتيجية للدور الروسي التي أسست لمفاهيم أمنه القومي، وقد رسخت عبر القرون في ردهات الكرملين.

في لحظات الضعف تخفت صورته وفي لحظات القوة تعود إلى الواجهة.

بمعنى أوضح هو رمز «العظمة الروسية».

وفق وزير الخارجية الأمريكي الأشهر «هنري كيسنجر» فإن الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» يتصرف ك«القيصر بطرس الأكبر».

الوصف في محله بأي معنى تاريخي.. في العهد السوفييتي لم تغادر صورة «بطرس الأكبر» مخيلة حكام الكرملين الجدد الذين أطاحوا عام (١٩١٧) حكم القياصرة.
كانت تلك مفارقة كبرى بين الثورة والدولة.

الأولى، تحكمها نظريات وعقائد.. والثانية، ترسم خطاها رؤى للموقع الجغرافي واعتبارات أمنه ونفوذه.

حاولت التجربة السوفييتية التي امتدت حتى نهاية الحرب الباردة عام (١٩٨٩) أن تمازج بين الالتزام الإيديولوجي والاعتبار الاستراتيجي في إدارة سياستها الخارجية، أو بين «بطرس» و«لينين».
في نفس المفارقة الكبرى كان أول «مفوض» للشؤون الخارجية الروسية هو «ليون تروتسكي»، صاحب نظرية «الثورة الدائمة»، الذي أطيح به واغتيل تالياً بعد صدامه مع رجل الكرملين الحديدي «جوزيف ستالين».

يجلس الآن على مقعد «تروتسكي» رجل من طبيعة مختلفة تماماً في زمن جديد كلياً هو «سيرجي لافروف».

اختفى الاتحاد السوفييتي السابق، لكن إرثه طاغ في الخارجية الروسية التي تحاول أن تمزج في عصر جديد بين استراتيجية «بطرس» وطموح «بوتين».

لا يمكن فهم الأخير بلا قراءة جدية في إرث التاريخ. عند تفكيك الاتحاد السوفييتي انهارت المكانة الروسية وفقدت الإمبراطورية السابقة احترامها، تفشت المافيا في الاقتصاد والإعلام وبدا المشهد العام كله فاسداً.

كان ترنح سلفه «بوريس يلتسين» بأثر إدمان الكحول أمام الكاميرات تعبيراً مباشراً عن ترنح روسيا في أوزانها الاستراتيجية وتماسكها الداخلي معاً.
تجربة «بوتين» مثيرة للجدل وبعض أوجهها الداخلية مزعجة، غير أنه نجح في وضع بلاده من جديد على خريطة القوى العظمى الأكثر تأثيراً ونفوذاً.
في صعود دوره اعتمد على قوة السلاح ووضوح الأهداف، كما تجلى في أزمتي جورجيا وأوكرانيا...لم يكن مستعداً للتفريط في نفوذ الكرملين في دول الاتحاد السوفييتي السابق.
جازف بالقوة لحسم مصير شبه جزيرة القرم التي تنازل عنها الزعيم الراحل «نيكيتا خروتشوف» لأوكرانيا التي كانت جزءاً من الدولة السوفييتية. تعرض لعقوبات اقتصادية ونقطة ضعفه الرئيسية اقتصاد بلاده، فهو يحتل المرتبة العاشرة دولياً ولا يضارع الاقتصادات الأمريكية والأوروبية.
رؤية «بطرس الأكبر» حكمت مجازفته، حيث لا يمكن لروسيا أن تكتسب أي قوة استراتيجية دون سيطرتها على البحر الأسود.

للاعتبار نفسه يسعى لتمركز مقارب في البحر الأبيض عند الشواطئ السورية.

بوضوح كامل، أوكرانيا هي القضية الأكثر أهمية والتدخل بالملف السوري طلباً لإغلاقها..كانت الأزمة السورية ميداناً مفتوحاً أمامه لاستعراض السلاح وإرباك الأطراف الأخرى بالدبلوماسية.
المهمة الأخيرة تولاها الثعلب الروسي «لافروف». هو أكثر وزراء الخارجية في العالم كفاءة ومهارة، وخبرته على مقعده تجاوزت أحد عشر عاماً.
في كل يوم اتصال وتحرك وتفاوض ومفاجأة. البراغماتية سيدة الموقف، لكنها تعرف أهدافها في خدمة المصالح العليا الروسية.
مرة يقول إن الرئيس السوري «بشار الأسد» خط أحمر، ومرة أخرى يقول إن بقاءه في السلطة ليس أمراً حتمياً..في المرتين التزام بأن مصيره يحدده الشعب السوري وحده.

القدرة على المناورة من سمات الأداء الدبلوماسي ل«لافروف». انتزع أوراقاً تفاوضية من إيران التي وجدت نفسها تعود خطوتين أو ثلاثاً إلى الخلف.

المصالح المشتركة بين البلدين تفضي بالضرورة إلى تأجيل أي نزاع محتمل لحين اتضاح الحقائق في مفاوضات الغرف المغلقة.
بمواريث التاريخ، السياسة الروسية لا ترتاح لتركيا، التي عادى «بطرس الأكبر» إمبراطوريتها العثمانية. لكنها تحاول أن توازن بين طهران وأنقرة، تحالف الأولى من دون أن تغلق الأبواب مع الثانية.
ألحت على حضور مصري وإيراني في مشاورات فيينا، كأنها تتعمد أن تمسك بالخيوط الإقليمية كلها.. وانفتحت على الخليج بصورة غير مسبوقة بحثاً عن أي نقطة التقاء.
تجاوزت التحفظات الأوروبية التي تصرخ وتحتج على عملياتها الجوية، ومدت في الوقت نفسه خطوطها مع الإدارة الأمريكية حتى يكون القرار الحاسم ثنائياً في النهاية.
إلى أي حد يتمكن «لافروف» من أن يدير كل هذه التناقضات ويمسك بكل هذه الخيوط؟

التصور الاستراتيجي الروسي لإدارة الأزمة السورية يستبعد- على نحو قاطع- أي تورط عسكري بري والتجربة الأفغانية رادعة.

فقد أفضى التدخل العسكري السوفييتي في أفغانستان إلى إلحاق هزيمة استراتيجية بها كانت من أسباب انهيار قوتها العظمى.
كل ما تطلبه العمليات الجوية الروسية تغيير معادلات القوة على الأرض قبل الذهاب إلى موائد التفاوض.
في مشاورات فيينا مناورات واتصالات خلفية واحتمالات لفتح حوارات عربية مع إيران، إذ لا يمكن تسوية الأزمة السورية من دون تسويات مماثلة في أزمات إقليمية أخرى أو على الأقل فتح الأبواب المغلقة أمام مثل هذه التسويات.
هناك حالة سيولة دبلوماسية لم تستقر بعد على أوضاع صلبة. كل شيء محتمل وكل السيناريوهات مفتوحة.
في سؤال «لافروف» عن قائمة الأطراف المدعوة لتشكيل حكومة انتقالية في سوريا والأطراف المستبعدة من أي تسوية سياسية باعتبارها إرهابية، دخول إلى التفاصيل.
المعنى أن روسيا تستعجل الحل السياسي، ولا تريد تمديد أدوارها العسكرية، فللقوة حدودها ومخاطرها.
استعادة «بطرس الأكبر» لا تعني أن الزمن هو الزمن. واستعادة هيبة القوة العظمى لا تعني أن روسيا هي الاتحاد السوفييتي ولا أن الحرب الباردة عادت... هذا عالم جديد.