اثنان وعشرون عاماً ويزيد مضت من جولة مفاوضات إلى مفاوضات . إلى تفاهمات على إدارة المفاوضات . ومن رهان خاسر على إمكانية إحداث تغيرات في مشهد الخارطة السياسية في كيان الاحتلال الإسرائيلي يستجيب للحد الادني لمتطلبات عملية التفاوض . إلى رهان عبثي آخر على إمكانية إحداث تصدع أو خلخله في قوة بنية علاقات البيت الأبيض الأمريكي مع حكومات اليمين الصهيوني .
اثنان وعشرون عاماً من التنازلات المجانية تحت عنوان " كسب الرأي العام الدولي عامة والأمريكي خاصة" عبر مواقف وبيانات وتصريحات شكلت في مجملها مقامرة بمصير حقوق شعبنا وثوابته الوطنية تجلت إما في الحديث عن تعديلات يمكن القبول بها على حدود الدولة الفلسطينية لحل قضية الكتل الاستيطانية في إطار ما سمى " بالتبادلية " .
أو بالحديث عن عودة للاجئين إلى داخل حدود الدولة الفلسطينية .. وقبول عودة بعض العشرات إلى ديارهم كحل إنساني وفقاً للمعايير " الإسرائيلية " . وفي المساس بمبدأ السيادة الكاملة بقبول مراعاة ما يسمى الحاجات الأمنية لدولة الاحتلال وخاصة فيما يتعلق بالحدود الشرقية لفلسطين وإمكانية نشر قوات أمريكية . وليس أخيرا ما يتعلق بالقدس وقبول التعاطي مع المقترحات الأمريكية التي استجابت للواقع الاستيطاني الذي فرضه الاحتلال في المدينة .
اثنان وعشرون عاماً من خيبات الأمل حصدها فريق نهج التفاوض مع كل بيان أو تصريح صادر عن البيت الأبيض يثني فيه على امن دولة الاحتلال وحقها في الدفاع عن نفسها أي تقديم غطاء لاستباحة الدم الفلسطيني وإدانة ورفض وتعطيل أي تحرك فلسطيني خارج عن إرادة الإدارة الأمريكية . خيبة مع كل فيتو أمريكي يعرقل إدانة الاحتلال على جرائمه المستمرة بحق الإنسان الفلسطيني وأرضه وكرامته . خيبة تلو خيبة يجرها فريق التفاوض مع كل شجرة زيتون تقلع . وكل بيت أو مؤسسة تُهدم وتصادر في مدينة القدس . ومع كل مستوطنة تقام وتبتلع ألاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية . ومع كل اقتحام لقوات جيش الاحتلال للمناطق المصنفة " أ " الخاضعة للسيطرة الأمنية الفلسطينية .
اثنان وعشرون عاماً ألحقت أضرار بالعديد من المكتسبات والانجازات الوطنية التي عمدت بدماء ومعانات وألام عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى . وأهمها تغيب دور منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني في كافة أماكن تواجده . وتهميش دور مؤسساتها الوطنية السياسية التي كانت دوماً تشكل حاضنة لكافة قوى جماهير شعبنا . و إلى جانب ذلك تعطيل دور مؤسساتها الاقتصادية المعززة لصمود أبناء شعبنا في كافة أماكن تواجده . وإعطاء مساحة أوسع لحضور سلطة اتفاق أوسلو التي شُكلت دون توفير ادني مقومات تعزز هيبتها وقيمتها السياسية الوطنية وحصر دورها في الوظيفة الأمنية .. وما ألحقته أيضا أعوام التفاوض من ضرر باستقلالية القرار الوطني الفلسطيني في دهاليز جامعة الدول العربية . وكواليس ما تسمى رباعية السلام العربية تارة بممارسة الضغوط السياسية ، وتارة أخرى بممارسة الابتزاز المالي .
اثنان وعشرون عاماً من الرهان والمقامرة حصدت خيبات وأضرار وانتكاسات .. لم تُشعر القيادة المهيمنة على القرار الوطني .. بالمخاطر المحدقة بالمشروع الوطني ،، ولم تحفزها على ضرورة التراجع خطوة للوراء . نحو أعادة تقييم وترميم أضرار حصاد ما يزيد عن عقدين من التفاوض العبثي .. بل وعلى الرغم من وضوح وجلاء الموقف الأمريكي الذي عبر عنه اوباما بتجاهله التام للموضوع الفلسطيني في خطابة الأخير في الجمعية العمومية للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي.. وغياب الملف الفلسطيني عن جدول أعمال الزيارة الأخيرة لنتنياهو للبيت الأبيض ولقاءه اوباما . وما صدر عنها من تصريحات شكلت في مجملها انجازات ودعم لم يتوقعها نتنياهو ولا حكومته اليمينية بتأكيد أدارة اوباما على إستراتيجية وعمق ومتانة العلاقة بين الولايات المتحدة ودولة " إسرائيل " وإعطاء الإدارة الأمريكية الضوء الأخضر لحكومة نتنياهو لاستباحة الدم الفلسطيني في سياق تأكيد حق إسرائيل بالدفاع عن أمنها . وتنديده بالانتفاضة الفلسطينية ووصفها بالإرهاب ، وتجاهله التام للخطوة الاستباقية الاستيطانية للقاء التي قررها تنياهو بإصدار الاومر ببناء 2200 وحدة استيطانية جديدة . كل ذلك الفشل ولا زال الإصرار على المضي قدماً بالبحث في دهاليز التيه العربي عن نافدة أو بارقة أمل تعيد الحياة لنهج التفاوض الذي بغطائه تمكن الاحتلال من فرض واقع استيطاني سرطاني ممتد ومتواصل جغرافي مقطع كل سبل إمكانيات تحقيق فكرة إقامة الدولة الفلسطينية " القابلة للحياة ". ولعل التصريحات والبيانات الصادرة بشأن اللقاءات المرتقب عقدها مع القادة العرب للتشاور في شأن قرار وطني ومطلب شعبي " وقف التنسيق الأمني " " ووقف العمل باتفاقية باريس الاقتصادية " ما هي إلا ذر للرماد وتهرب من المسؤوليات الوطنية التاريخية اتجاه انتفاضة جماهير شعبنا بضرورة العمل على توفير الحاضنة السياسية الوطنية لها . وحمايتها بقرارات وبرنامج وطني جامع يدفع باتجاه تصعيدها وتطوير مفاعيلها الشعبية العنيفة للتخلص من الاحتلال وتحقيق الحرية والاستقلال .
