كبير مفاوضي "عايدة"

حجم الخط

في مخيم "عايدة" في بيت لحم، "سرياليات" لا تنتهي؛ هنا يقطن الأسير المحرر الذي ذهبت زوجته وعضو خليته للعملية العسكرية قبل ساعات من موعدها. يخفق قلبها، تريد تجنيبه القيام بها، فاستشهدت، وقضى هو ربع قرن في المعتقل. وهو الذي اشترطت شقيقته على من تقدم لخطبتها أن تشاركه عملية مقاومة، وتشارَكا وقاَوَما؛ اعتقلا وتزوجا، ويعيشان ويتنفسان الوطن ودعم الأسرى كل لحظة.
في "عايدة"، جاء بابا الفاتيكان العام 2009، فأعد له الشباب والأهالي الذين اجتمعوا في مؤسسة "لاجئ" للتحضير للزيارة، استقبالاً وأقاموا مدرجاً صغيراً ملاصقاً لجدار الفصل العنصري، في منطقةٍ يفصل فيها الجدار بين اللاجئين في المخيم ومزارع وشجر وأرض خصبة، وشياه ترعى، كانوا يعملون فيها، تستحضرُ للذاكرة حقل الرعاة زمن المسيح عليه السلام. ورفض الإسرائيليون السماح باستخدام المدرج، وقرروا منع ذلك بالقوة، فاجترح أبناء المخيم فكرة مضادة. قالوا: سيكون الاستقبال في ساحة صغيرة في مدرسة تبعد خطوات عن المدرج/ الجدار. وفي اللحظات الأخيرة، ومع أنّ طبيعة بناء المكان تقتضي وقوف البابا مواجهاً للجدار، وخلفه مبنى المدرسة، فإنّ الشباب قرروا تركيب منصة تجعل الجدار خلف البابا، لتراه كل كاميرات التلفزة والعالم، وكان ذلك، وإن قامت محطة تلفزة عالمية صهيونية الهوى، بدبلجة الصور لمسح الجدار من المشهد.
في عايدة، مجسم مفتاح عودة عملاق، جال به اللاجئون العالم يقولون لهم سنعود، ثم قاموا بتركيبه فوق قوس كبير، كقوس نصر كبير يمر اللاجئون تحته باتجاه الغرب وأراضي الاحتلال الأول، إلى حيث بيوتهم وقراهم الأصلية. ومقابل القوس، وعلى بعد مئات الأمتار، برج عسكري، مزود بكاميرات، وبنادق، ورشاشات تطلق مياهاً عادمة ضد المتظاهرين الدائمين. والبرج فوق الجدار، والجدار قَسَّم وألغى وقتل شارعاً رئيساً وطريقاً تاريخيّاً كان يوما تجاريّاً حيّاً يصل بيت لحم بالخليل.
في عايدة، أطفال من سن سبع سنوات وأكثر، يصرون على المواجهة، وإلقاء الحجارة. زادهم اشتعالا في الأشهر الأخيرة قتل الإسرائيليين لطفل منهم. والشباب الأكبر سناً، من قادة المخيم، يتساءلون ويسألون أنفسهم، عن صوابيّة "قرار" الأطفال خوض المواجهة، ويناقشونهم، ويرفض الأطفال النقاش، ويصرون على "القرار"، ويجادلونك من "مشاعر وطنية" ورفضهم لوجود الجيش.
غير بعيد عن "عايدة"، وقف البابا العام الماضي، مفاجئاً العالم والجنود، بعد رؤيته الناس والأطفال والأعلام الفلسطينية والموسيقى العالية، ونزل من موكبه. يومها، رفع طفل فلسطيني يافطة بالإنجليزية تقول "للاجئين الفلسطينيين حق العودة"، ورفعت طفلة صغيرة، بابتسامة عريضة وشعر مربوط "ذنبة فرس"، ورقة كتب عليها أيضاً بالإنجليزية "أطفال فلسطين يجرؤون على الحلم". يومها صلى البابا عند الجدار.
شاهدت في فيلم قصير تداولته شبكات التواصل الاجتماعي، منذر عميرة، حاضراً كعادته في الميدان، يواجه الجنود الذي "يجرّون" طفلا صغيراً، وهو يلحق بهم وهم ينسحبون؛ يصرخ، ويجادلهم، حتى اعتقلوه وأعتقوا الولد.
ولكن ككثير من الأفلام المتداولة، هذا هو رأس الجبل الجليدي، والقصّة أكبر.
قبل أشهر، جاء صحفي إسرائيلي وشاهد "عايدة". ومما شاهده يومها، كيف اعتلى قنّاص صهيوني احتلالي، منزلاً وصار يستهدف الأطفال، وكيف تسلل منذر حتى وصل القناص الذي أُسقِطَ في يديه، فما الذي جاء بهذا إلى هنا؟ وكيف صعد ومعه الصحفي؟ وجاء الضابط، وجادله منذر: "كيف تنام ليلاً وأنتم تفعلون ما تفعلون بهؤلاء الأطفال"؟ ويغضب الضابط، ويقترب برأسه من رأس منذر ويجري نقاش صاخب، ويبتسم منذر وهو ذاهب، ويسأل الضابط عن سر الابتسامة، فيخبره "جعلتك تغضب وتناقش وتدافع عن نفسك، إذن أنت تهتم، إذن عندما تصل "للبيت" ستفكر".
قبل عام أُحرق بيت منذر من الاحتلال بقنابل الغاز.
ما لم يخبرنا إياه الفيلم القصير، أنّ الجنود جاؤوا بوالد الطفل وأمه وجدته وشابين آخرين هرعوا نجدةً للطفل، فأوقفهم الجنود، مرغمين، في المنتصف بين "الجيش" المدجج، والأطفال المنتفضين بالحجارة، أي جعلو الآباء والأمهات والأهالي، لقرابة عشرين دقيقة، درعاً بشرية لردع الأطفال الواقفين تحت مفتاح العودة وخلفه، من رمي حجارة، والوصول للبرج والجنود. وعملياً، دارت مفاوضات بين بعض أهالي المخيم والأطفال ليتوقفوا، فقط "أهالي المخيم بمونوا على بعض".
هذا مشهد من هذا الأسبوع.