أين الغرابة ..؟؟

حجم الخط

تماماً مثلما لم يكن غريباً أو غير متوقع ما أقدم عليه رئيس الإدارة الأمريكية اوباما بالأمس القريب من تقديم دعماً عسكريا واقتصاديا وسياسيا سخياً لرئيس حكومة الحليف الاستراتيجي ، رغم الاختلاف "الكبير" في وجهتي النظر الأمريكية والإسرائيلية التي بدت ظاهرة بشأن شكل الحلول لملفات إقليمية أهمها الملف النووي الإيراني والذي ذهب البعض بعيداً في توصيفها  .                                               لم يبدي  في حقيقة الأمر القارئ والمتتبع للمواقف والسياسات الأمريكية  في المنطقة أي استهجان اتجاه تصريحات كيري الفضة التي سبقت لقائه بعباس وحملت إدانة للطرف الفلسطيني ، وتجاهلت بالمقابل بشكل تام الإشارة من قريب أو بعيد لإرهاب الدولة الذي تمارسه "إسرائيل " وحكومتها وقادة جيشها اتجاه أبناء شعبنا، بل وفرت الغطاء السياسي لهذا الإرهاب وشرعتنه .                                                                                             لذلك ليس مفاجئا على وزير خارجيتها أن يطلق لنفسه العنان بهذه التصريحات التي تحمل في طياتها وقاحة وفجاجة سياسية ولا أخلاقية اتجاه ما يمارس من جرائم بشعة بحق أبناء شعبنا . تصريحات اعتقد أنها جاءت كمقدمة للتعبير عن حقيقة هدف هذه الزيارة والرامي إلى ممارسة الضغط  على قيادة السلطة الفلسطينية للقضاء على الهبة الجماهيرية التي باتت تشكل عبئ اقتصادي وامني وأخلاقي على كيان الاحتلال هذا من ناحية ، والعمل على تجنيب المنطقة عواقب تطوير الهبة الشعبية وإيصالها إلى مرحلة " انتفاضة ثالثة " لما لذلك من انعكاس خطير على مجمل العملية السياسية التي قادتها الإدارة الأمريكية طوال الأعوام الماضية ، خاصة في ظل الظروف الملتهبة التي تعيشها المنطقة وتحديداً على الحدود الشمالية " لإسرائيل" ، وانشغال الولايات المتحدة الأمريكية ومحورها الإقليمي بمعالجة الملف السوري وحاجات هذا المحور في تحقيق توازن في مواجهة محور الدب الروسي _الإيراني السوري الذي بات يحقق نجاحات متقدمة في ميدان المعركة ، استشعرت بخطورتها دول الإقليم المنضوية تحت العباءة والمظلة الأمريكية .                                                                                  لكن الغريب هنا والمستهجن استمرار مراهنة فريق فلسطيني على مسار تسوية سياسية برعاية إدارة  تتنكر للحقوق الوطنية الفلسطينية وتشكل على الدوام غطاء سياسيا لجرائم الاحتلال في كافة المحافل الدولية .  فريق يؤكد إصراره وتمسكه بمسار تسوية لم تثبت الإدارة الأمريكية ومنذ ما يزيد على عقدين من الزمن مصداقيتها وحياديتها وإمكانية أنصافها للطرف الفلسطيني ، أو بالحد الأدنى  قدرتها على ممارسة الضغط باتجاه ألزام حكومة الاحتلال بوقف وتجميد النشاط الاستيطاني، لحفظ ماء وجه هذا الفريق ولتشكل مقدمة نحو تطبيق حل رؤية " الدولتين " . تلك الرؤية اللفظية التي تخلو من أي ملامح أو مضامين وعناوين محدده سياسياً تعبر عنها ، ولا تستند في حقيقة الأمر على أي التزام خطي ، لذلك لن تتجاوز هذه الرؤية والمعطيات السياسية القائمة عربياً وإقليميا وفلسطينياً حدودها اللفظية .                                                                  والأكثر غرابة أن يعقد اجتماع يتجاوز الثلاثة ساعات دون  صدور أي تصريح  يفيد أن القيادة عبرت للزائر عن رفضها واستنكارها للتصريحات التي أطلقها . بل جاء بما هو عكس ذلك  تجميل الوجه القبيح للإدارة الأمريكية بما عبر عنه " بالالتزام بحل الدولتين ".

 

وأياً كان عدد الملفات خمسة أم عشرة التي حملها كيري لن تكون ذي شأن لدى الإدارة الأمريكية طالما لم يتم استعادة الهيبة للمشروع الوطني ومؤسساته واداوته النضالية ، ودون أطلاق العنان لجماهير شعبنا بتفجير طاقاتها في مواجهة الاحتلال وسياساته القمعية العنصرية .. واستعادة الوحدة الوطنية وإنهاء حالة الانقسام ، وصم الأذن وقطع الطريق على مشروع التسوية الأمريكي الذي لن يحقق أدنى الحقوق الوطنية  وتشخيص العيون  نحو إحداث تغيير في منهجية وأدوات العملية السياسية الفلسطينية وترتيب البيت الداخلي وتطوير وتفعيل الهبة الجماهيرية بما يضمن استمراريتها وتوسعها ، لتشكل أداة قوة لتحريك الملف الفلسطيني في المحافل الدولية ليتصدر الملفات الدولية القائمة .                                                                             وما نخشاه ربما أن نتفاحئ في أعقاب هذه الزيارة و وفي ضوء ما سمي بالتزام الإدارة الأمريكية بحل"الدولتين" .. ورزمة التسهيلات الاقتصادية التي تعهد بها نتنياهو للإدارة الأمريكية بتقديمها للسلطة كبادرة "حسن للنوايا " والتي حملها كيري  وعرضها في الاجتماع مشترطاً تنفيذها بتحقيق التهدئة مسبقاً ، أن يفتح شهية هذا الفريق ويجري العمل باتجاه تصفية الهبة الجماهيرية . تحت مصوغات حقن دماء شبابنا وفتياتنا مستثمراً بذلك حالة تصعيد وثيرة عمليات الإعدام الممنهجة التي يمارسها الاحتلال من ناحية ، والخطاب الإعلامي غير الواعي لبعض التيارات والقوى الذي يثير المخاوف والشكوك حول نواياها وأهدافها الذي يصدر بين الفينة والأخرى ويدفع بالفتية نحو مرمى رصاص جنود الاحتلال وقطعان مستوطنيه  من ناحية ثانية .