كي لا ينسى الفلسطينيون..وكي لا يستمر العجز

حجم الخط

    ثمانية وستون عاماً مضت على قرار التقسيم ليست كافية لإن تعطل ذاكرة الشعب الفلسطين بأهم المظالم التي لحقت به خلال هذا القرن..ليست كافية لأن تنسى ذلك اليوم الأسود الذي صدر فيه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين التاريخية  الى دولتين إحداهما يهودية والثانية فلسطينية مع وضع القدس تحت الوصاية (1974).

     واليوم ليس من هواية الشعب الفلسطيني المشرد إثقال النفس والوجدان بحوادث التاريخ وتجارب الماضي بقدر ما تقتضيه هذه الذكرى من إيقاظ العقل من سباته..واستنهاض الهمم والعزائم..وتماسك الإرادة الجمعية..وإعادة الاعتبار لسياق التاريخ الذي انقطع في حقبة سبات عربية..عبر إدراك أحداثه وتحليله واستخدامه في صناعة ديناميات الواقع باتجاه الأهداف الوطنية.

    إن كياناً ما يمثل واقعاً موضوعياً على مدار حقبة من الزمن لا يمكن أن يشكل التاريخ كله..والكيان الصهيوني كواقع موضوعي فوق الأرض الفلسطينية لا يمكن أن يلغي عروبة فلسطين بتاريخها وشعبها..لكنه يضيف صفحات رمادية على تاريخها تماماً كما أضاف الغزاة من الرومان والصليبين والمغول صفحات الى التاريخ الفلسطيني.. بيد أن هذه الصفحات لم تغير من مضمون وسطوع الصفحات الفلسطينية.

    وإذا كان قرار التقسيم قد شكل تشريعاً دولياً "إمبريالياً" لاحتلال فلسطين..فإنه لا يضع شكاً على عروبة فلسطين وتاريخها..إنما أسس واقعاً موضوعياً خطراً على الشعب الفلسطيني وأرضه التاريخية..وبقدر استمرار هذا الواقع وزيادة الصفحات الرمادية..تتسع دائرة الخطر على الأرض والشعب والهوية.

    لذلك تقتضي المناسبة أن نتذكر..ونتأمل..ونتدبر..ونعرف..وتعرف الأجيال حجم المؤامرة الدولية وأقطابها..وتدرك كيف يدار الصراع..وكيف يعاد الحق إلى أصحابه عبر تراكم وتكامل عوامل الفعل والإرادة..ومظاهر الوعي السياسي والوطني..وكيف نبرهن لأنفسنا ولغيرنا كيف نستحق الحق.

    لأجل هذا لا بد من إيضاح بعض الحقائق التي تتعلق بأهداف وغايات قرار التقسيم من جهة ومواقف الشعب الفلسطيني في حينه..والموقف اليوم من جهة أخرى:

أولاً: لقد شكّل التقسيم الأساس السياسي للظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني كونه أعطى الإشارة للبدء في تجسيد المشروع الصهيوني في كيان مادي موضوعي معترفاً به من قبل الأمم المتحدة..مما وفّر غطاءً قانونياً لإعلان دولة اسرائيل على أرض فلسطين..واستتباعاً فقد أعطى قرار التقسيم الضوء الأخضر لعمليات الإبادة والتهجير والمجازر الجماعية في حق الشعب الفلسطيني..ولم تمضٍ ستة شهور على صدور القرار حتى بدأت مجزرة دير ياسين في 10/ابريل /1948 واحتلال مدينة حيفا وغيرها تباعاً..وتم تهجير أكثر من 750الف من شعب فلسطين تحت الحراب الصهيونية.

وبهذا فإن قرار التقسيم لم يكن إلا دعوة استعمارية معنونة باسم الأمم المتحدة للصهاينة بإعلان الحرب وإلإعلان عن الكيان الصهيوني..مما أفقد هذه الهيئة الدولية صلاحياتها ومرجعيتها بالخروج عن ميثاقها الذي يحدد كيفية معالجة قضايا النزاع..وأضفى عليها منذ البدء صفة "الواجهة للدولة الاستعمارية" ولعل توظيف واستخدام الأمم المتحدة اليوم في اكثر من منطقة بالعالم يبرهن على سقوط هذه الهيئة في ألاعيب الأقطاب الاستعمارية.

ثانياً: إن ما عجزت عن تحقيقه الدول الأوروبية والحملات الصليبية طوال عدة قرون..حققته وشرعته الأمم المتحدة ذلك النتاج والصيغة التي أفرزتها القوى الاستعمارية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية..غير أن ما تحقق (قرار التقسيم) لم يكن إلا امتداداً لقرار التقسيم عام 1937..واستجابة لوعد بلفور عام 1917..وترجمة عملية لقرارات مؤتمر بال الصهيوني عام 1897..وتصديقاً لالتزام هرتزل بتحقيق الحلم اليهودي خلال خمسين عامأً..!! وهنا تتضح علاقة الوصل بين المحطات التاريخية في المشروع الصهيوني..وعلاقة تداعي الفكرة بتداعي الخطة الاستعمارية لتولدا معاً عبر تراكم هذه العوامل وتكاملها..هذا المشروع الاستعماري..وعليه فإن قرار التقسيم لم يكن إلا مرحلة لاغتصاب كامل فلسطين وتحقيق المطامع الاستعمارية..وهذا ما اكدته الأحداث بعد حروب الدولة العبرية واغتصاب كامل فلسطين وأجزاء من الأرض العربية..لذلك كان طبيعياً أن ترحب الحركة الصهيونية بقرار التقسيم..ويسارع المؤتمر القومي اليهودي في يناير 1948 لاتخاذ كافة الاجراءات اللازمة لإقامة الدولة اليهودية.

ثالثاً: وعودة إلى الأجواء التي أحاطت بقرار التقسيم يتضح بما لا يدع مجالاً للشكل بأن الولايات المتحدة الأمريكية لعبت منذ البداية دوراً ضد الشعب الفلسطيني ومصالحه الوطنية..إذ مارست ضغطاً على بعض الدول لأجل إنجاح مشروع التقسيم بعد التصويت الأول الذي لم ينل الثلثين من الأصوات..مما عدّل مواقف دول الفلبين وهاييتي وليبيريا في التصويت الثاني لصالح القرار..ثم يأتي الاعتراف الأمريكي الفوري بالدولة العبرية فور الإعلان عنها في 15 مايو 1948 ليكشف الزيف والانحياز الأمريكي..ويضع الولايات المتحدة جنباً إلى جنب مع بريطانيا في صنع المأساة الفلسطينية وإلحاق الظلم التاريخي بالشعب الفلسطيني..فقد تجاوزت الولايات المتحدة الأمريكية باعترافها باسرائيل قبل أن تعلن عن حدودها وفق قرار التقسيم ذاته الذي دفعت باتجاهه..إذ أن العصابات الصهيونية كانت قد سيطرت على أكثر من 78% من أرض فلسطين مع إعلان دولة "اسرائيل" وبهذا تكون أمريكا قد اعترفت بـ "اسرائيل" بالحدود التي رسمتها المدافع..وليس بالحدود التي رسمها قرار التقسيم الذي لم يكن إلا سلاحاً قانونياً دولياً صنعته الدول الاستعمارية لإنشاء "اسرائيل"..وهذا يعني أن قرار التقسيم هو فقط من أجل التشريع للكيان أولاً وتمكينه من استلاب باقي الأرض..ولم يكن من أجل التنفيذ.

ولعل التداعي الأمريكي لهذا الكيان المصطنع وحتى يومنا هذا يجعل من أمريكا عاملاً رئيسياً في استمرار المأساة الفلسطينية وتطورها نحو المزيد من التداعي.

رابعاً: رغم أن سلطة الانتداب أعلنت عن نيتها الرحيل عن فلسطين قبل عام تقريباً من الموعد المقرر في آب 1948..إلا أن القيادة الفلسطينية والعربية لم تحرك ساكناً لكسب الوقت وكسب المعركة الواقعة حتماً..واتخاذ الاجراءات السياسية والعسكرية والإدارية اللازمة للاستقلال وإعلان الدولة..حتى بدأت العصابات الصهونية بالمبادرة بالحرب والاحتلال والتهديد..وظهر هنا العجز العربي مرة أخرى في صورة مأساة..واستمر هذا العجز في قصور الرؤية السياسية للتعامل مع ما تبقى من شعب فلسطين وأرض فلسطين في الضفة والقطاع..وخسر الشعب الفلسطيني مرة أخرى فرصة الإعلان عن استقلاله وإعلان دولته ولو على الجزء المتبقي من فلسطين استناداً إلى الشرعية الدولية وقرار التقسيم 181..وإظهار الدولة الفلسطينية على الخريطة السياسية والجغرافية الدولية بما يضمن وجود كيان سياسي معترف به دولياً..وبما يضمن تاريخية فلسطين وعروبتها ويسقط حججاً واهية مفادها أن لا دولة فلسطينية عبر التاريخ..لكن التقاعس العربي كان الحقيقة الأكثر سطوعاً التي تختفي وراءها كل الفرص الموضوعية..مما يقتضي التأكيد بأن "اسرائيل" أعلنت عن كيانها من موقع متقدم سياسي واقتصادي ودولي في إطار رؤية عملية واضحة المعالم والخطوات والمراحل..في حين أن الوطنية الفلسطينية والقومية العربية لم تكن تملك ذات الرؤية لمواجهة التحدي ولا تملك فكراً سياسياً للتعامل مع تلك المرحلة.

خامساً: كان طبيعياً أن يرفض الشعب الفلسطيني قرار التقسيم كونه يشرع اغتصاب جزء من أرضه لم يزل يعيش عليها..ويمثل الأغلبية السكانية عليها حيث تجاوز تعداده إبان قرار التقسيم (1.120.000) نسمة في حين لم يتجاوز عدد الأقلية اليهودية المستقدمة من المهاجر (565.000) نسمة..فلا يوجد مسوغ تاريخي أو واقعي على الأرض..أو قانوني يدفع الشعب الفلسطيني لقبول قرار التقسيم..فالمفارقة أكبر من أن يتقبلها العقل أو الوجدان..إذ يعطي قرار التقسيم أقلية يهودية قادمة من المهاجر..مساحة تصل إلى (56.4%) من فلسطين ويعطي السكان الأصليين (الأغلبية)  (42.8%) من فلسطين وتوضع القدس برمزيتها وتاريخها ومكنوناتها الدينية والروحية تحت الوصاية الدولية..؟

إن رفض التقسيم من قبل الشعب الفلسطيني كان رفضاً موضوعياً..ومنطقياً..مرتبطاً باللحظة التاريخية ذاتها..والمكان التاريخي ذاته..فاللحظة التاريخية تشهد مقاومة ضد الهجرة والاستيطان والانتداب..وتشهد تنامي اليقظة القومية في مواجهةالاستعمار..والشعب الفلسطيني رفض التقسيم وهو لم يبرح مكانه التاريخي في قراه ومدنه وجباله وهضابه ووديانه ومروجه وبحره وصحاريه..وعليه فإن رفض التقسيم لم يكن رفضاً سياسياً قائماً على الرؤية السياسية وميزان القوى وتقديرات الموقف..بقدر ما كان قائماً على عدم واقعية ومنطقية وقانونية الاغتصاب لجزء من فلسطين في لحظة تاريخية.

إن تواتر الحديث عن منطق وجوب قبول قرار التقسيم في حينه عام 1947..فيه درجة عالية من التجريد والسذ1جة السياسية..وهو حديث نافر لم يرَ موجبات الواقع  في اللحظة والمكان المحددين..وهو انعكاس لواقع ولحظة تاريخية راهنة خسر فيها الفسطيني كل أرضه..وبدت فيه كل الحلول المطروحة ما دون قرار التقسيم..وبدت فيه آمال وأحلام الشعب الفلسطيني يكسوها صدأ الهزائم العربية وتنازلات الأمة..أي أن منطق وجوب قبول التقسيم في حينه نتاج استمرار الهزيمة وفقدان الأمل وإرهاصات الإحباط المتناثرة هنا هناك في اللحظة الراهنة..وعلى الحزب الشيوعي الفلسطيني بعد هذه السنوات أن ينتقد موقفه في ذلك الحين.

واستطراداً فإنه من قبل بيع الذات أوهاماً..القول إن قبول قرار التقسيم كان سيعني أن الأمم المتحدة ستنشئ للشعب الفلسطيني دولة على مساحة (42.88%) من فلسطين في حين أن كل الوقائع على الأرض تشير إلى الاستعدادات والاجراءات العسكرية والإدارية والسياسية لاحتلال كل فلسطين..وبدون الالتزام بقرار التقسيم..فالصهاينة أكملوا بناء قوتهم وباتوا ينتظرون لحظة صدور القرار..وبريطانيا المنتدبة تعلن بدون سابق أنذار أو ترتيبات سياسية وإدارية عن مغادرتها لأرض فلسطين على أبعد تقدير في آب 1948 تاركة وراءها عصابات الصهاينة مجيشة ومتفوقة..والمجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة ومجلس الأمن تقاعس عن دوره لفرض التقسيم رغم أن قرار التقسيم في ملاحقه يشير إلى الخطوات التمهيدية والتدابير اللازمة لإقامة حدود لـ دولتين _ اليهودية والعربية - ومدينة القدس وتخويل الأمم المتحدة سلطة ممارسة الأعمال التي يلقيها عليها هذا القرار على عاتقها.

سادساً: وإذا كانت الموضوعية تقتضي الدفاع عن موقف الشعب الفلسطيني في حينه برفض التقسيم فإن الموضوعية ذاتها تقتضي الاعتراف الصريح بأن عالم اليوم ليس عالم الأمس..ورفض التقسيم قبل ثمانية وستين عاماً ليس مدعاة لرفضه اليوم..فمعطيات اليوم السياسية والعربية والدولية والفلسطينية (أرضاً وشعباً) ليست هي معطيات عام 1947.

فالقطرية العربية تشكلت وتجذرت إلى حد تمظهر عجزها عن الدفاع عن نفسها وعن اللحاق بركب التطور والسمو..وإلى حد أنها أوجدت ودفعت القطرية الفلسطينية إلى أحط مواقعها.

وعالم الأربعينيات بكتله وتلاوينه  ليس عالم القطب الواحد المهيمن والباغي..والشعب الفلسطيني اليوم نصفه على أرضه تحت الاحتلال..ونصفه بالشتات..والأرض الفلسطينية بكاملها تحت الاحتلال يجري العمل على تهويدها واستيطانها..وعليه فإن تبدل الظروف والمعطيات تفرض نمطاً سياسياً في التعامل مع الواقع في إطار الوعي بمدى ميلاد ميزان القوى القائم الذي نناضل في ظله.. ومدى ما يمكن انتزاعه من أرض فلسطين.

فإذا كانت معطيات الواقع الراهن هي من التعقيد عربياً وإقليمياً ودولياً..والتي قد تضفي شكاً في القدرة على المواجهه أو استحالة التحقيق..فإن الإيمان بالحق الفلسطيني وتوافر واستمرار حضور الإرادة التاريخية ووضوحها أمام الأجيال الفلسطينية المتعاقبة وسطوع الحضور الفلسطيني على ألأرض..كلها تعطي نضالنا بعداً موضوعياً وتاريخياً ووجودياً.

ولعل سؤال من نوع..هل استطاع العالم كله أن يوقف نضالنا من عام 1947 إلى اليوم..؟ وهل تخاذل الدول العربية واعتراف بعضها بـ "اسرائيل" والتطبيع معها أدى إلى وقف نضالنا..؟ وهل استطاعت اتفاقية "أوسلو" وتداعياتها أن توقف نضالنا..؟ لعل انتفاضة القدس اليوم تجيب على هذه الاسئلة بأن نضالنا هو نضال الحتمية التاريخية لانتصارنا..وهو نضال ليس نضال مرحلة..أو جيل..إنما هو النضال المفتوح على مسار تاريخنا ومستقبلنا..لكن منسوبه وزخمه أو ضعفه من الطبيعي أن يرتكز على ميزان القوى دون أن يتوقف أو ينتهي في لحظة ما.

إن بيد الفلسطينيين اليوم أكثر من قرار دولي يعترف بحقهم في دولة فلسطينية..وأول هذه القرارات هو قرار التقسيم..وقرار الأمم المتحدة الأخير..واعتراف العديد من دول العالم بدولة فلسطين..وقرارات المجالس الوطنية الفلسطينية..وهذا يقتضي جهداً منظماً ومنسقاً ومستمراً من الدبلوماسية الفلسطينية..وأن تعي أهمية هذه القرارات الدولية وتقاتل من أجلها وأن تتحول الدبلوماسية الفلسطينية إلى كتائب مقاتلة سياسية على مستوى العالم..وليست مواقع للمصالح الشخصية والنفوذ.

لذلك على الفلسطينيين أن يتمسكوا بقرار التقسيم سلاحاً قانونياً في إيديهم..يسندون فيه نضالهم وإعلان دولتهم وبسط السيادة عليها..تماماً كما أعلنت "اسرائيل" عن دولتها بالاستناد الى ذات القرار..ويجب تزخيم الطرح النظري والعملي لهذا القرار مع خلق آليات سياسية وإعلامية دولية وعربية لكيفية تنفيذ هذا القرار ووضع المجتمع الدولي أمام استحقاقاته..أو تنعدم هذه القدرة تحت "منطق اتفاق أوسلووتداعياته..ومنطق الخطوة خطوة..وكل شئ قابل للتفاوض" ليزداد انهيال التراب على قرار التقسيم ليصبح قراراً متقادماً لا جدوى من التذكير فيه.

هذه إضاءات سياسية سبقنا اليها – ربما – الكثيرين من المهتمين والمتابعين..ولكن تقتضيها اليوم الذكرى المشؤومة مرة ثانية وعاشرة ..كي لا ينسى الفلسطينيون وكي لا يستمر العجز.