وتودع فلسطين شهداءها: نعشق الحياة... نعم.. لكننا نعشق الحرية أكثر

حجم الخط

يا مدينة الخليل...يا مدينة الشهداء عانقينا فأنت دربنا نحو السماء...
فجرا أيقظ القمر العاشقين وأذّن للصلاة: حيّ على الصلاة. حيّ على الكفاح... فينهض مع الآذان شباب بعمر الريحان. قالوا هنا وُجدنا، وهنا على سفوح الخليل كتبنا التاريخ والأبجدية. هنا نراقص أقمار الليل والفصول. هنا نكون أو لا نكون. وستكون الخليل ما بقيت فلسطين ذاتها.
مضى العاشقون إلى ميادين الوطن... ذهبوا دون موعد ودون اتفاق... فأضاءوا الليل بدمهم... لكنهم عادوا جميعا معا، سبعة عشر كوكبا مرفوعين على الأكف فوق الرؤوس الباسلة.
شهر كانون يغسل وجه الخليل صباحا... يجللها المجد ويغسلها الغيم فتغني وهي تودع أبناءها الأوفياء...
كانوا سبعة عشر كوكبا يصعدون مع خيوط المطر نحو مجدهم... وأمهات ينثرن الدموع على دروب الألم والمقاومة... 
يقول الشهداء: يا روح فلسطين عانقينا ولا تتركينا عند أبواب الخليل. خذينا إليك لنجد ذاتنا في ليلنا الطويل. ففيك القدس ودمشق وبغداد. فيك ذاكرة القاهرة والجزائر وصنعاء وعمّان ...
يقول الشهداء: يا مدينة المدائن سامحينا إن أخطأنا أو تأخّرنا. فأنت السماح وأنت الساح ونيران المواقد، فارفعينا على ذؤابة سيفك كي نعود...
يقول الشهداء: يا أمنا سنشرب قهوة الصباح ونمضي فضمينا إلى صدرك، فنحن العاشقين الذين ما صمتوا وما باهوا.
يقول الشهداء: يا فلسطين عذرا.. فنحن الشهداء لا نعتذر إلا لك... لقد قاومنا ما استطعنا لذلك سبيلا... وها نحن نرحل... لكننا نستودعك جيلا قادما لا يهاب... سيحمي أمنياتنا ودمنا حتى ترفرف مناديل الفرح على جبينك وعلى قبورنا...
هنا، بالضبط هنا، على دروب الخليل سارت «عناة» ذات ليلٍ فلسطينيّ مقمرٍ تبحث عن عشقها البعليّ بين كروم العنب. فكانت سماء وكانت أرض فكان وطن.
هنا على دروب الجبال تنحدر صبية خليلية بروح دالية وهي تغنّي بلهجة ممتدة كالبحر، رشيقة كقوس قزح، تتهادى ببهاء فلسطينية كنعانية في يدها سلّة عامرة بالعنب والوطن والأمنيات.. تقف عند حدّ الكون يلوح منديلها كما الغيم الماطر دموعا وبسالة... فتودع ابنها بالأغنيات ووعد بأن لا تنسى وطنا أعطته أغلى ما لديها... 
هنا في جنوب الجنوب مدينة تعشق الحياة... لكنها تعشق الكرامة والحرية أكثر... هي الخليل...