ما قبل الخطاب ، استرسل المحللون ، وتنبأ المتنبئون ، ونجم المنجمون ، وذهبوا بعيداً في التوقع والاحتمال لما سيحمله الخطاب من مواقف وسياسات . فمنهم من توقع اتخاذ خطوات يتوقف بموجبها التنسيق الأمني تنفيذاً لمقررات سابقة اقرها المجلس المركزي ، ومنهم من تنبأ بإصدار مرسوم رئاسي بتعين نائب للرئيس ، وآخرين ذهبوا بعيداً في التنجيم لا في التحليل عن امكانية اتخاذ خطوة باتجاه حل السلطة نتيجة لفشل مشروع التسوية والمفاوضات العبثية .
لكن جاء الخطاب ولم يرد فيه أي من هذا أو ذاك ، بل جاء ليؤكد تمسكه بسلطة أفرزتها اتفاقية واسلوا رغم ما شكلته من عبئاً ثقيلاً على المشروع الوطني ، وبنهج التسوية والمفاوضات ووهم خيار حل الدولتين مستحضراً من جديد ما كانت دبابات وجرا فات الاحتلال قد قضت عليها في حينه ما سميت بالمبادرة العربية ، آتى خطاباً ضعيفاً فاشلاً واهماً ليعبر عن حقيقة ضعف وعجز وعدم قدرة القيادة اليمينية على مواكبة حركة الجماهير .
وغاب ما كان يجب أن يكون حاضراً ، الارتقاء بالموقف الوطني النضالي الكفاحي بمستوى ينسجم ومستوى التضحيات التي يقدمها أبناء شعبنا وتحمل أعباء واستحقاقات قيادة وتطوير الهبة والانتفاضة الشعبية والنماذج الكفاحية الراقية التي يقدمها شبابنا الوطني ، وغاب الحديث عن ضرورات توفير الرافعة والحاضنة الوطنية للانتفاضة لتشكل أداة لإنقاذ المشروع الوطني من حالة الازدراء السياسي والكفاحي التي وصل إليه نتيجة هدر ما يزيد عن عقدين من الزمن في ملاهي وهم وسراب التسوية العبثية .
وغاب الحديث عن الإعدامات الإجرامية اليومية التي ينتهجها الاحتلال بحق أبناء شعبنا وسياسات هدم البيوت ، والتنكيل بجثامين الشهداء ، والإجراءات التعسفية القمعية بحق مدينة القدس وأبنائها المقدسيين الصامدين ، وما يستوجب فعلة لمواجهة السياسات الاحتلالية وضرورات تفعيل وترجمة القرارات التي اتخذت في المجلس المركزي الأخيرة بشأن ملاحقة الاحتلال في المحاكم الدولية .
وفي ظل سلسلة الاقتحامات اليومية التي تمارسها قوات الاحتلال للمدن والمناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية غابت أي إشارة لخطوة عملية نحو تطبيق قرار المجلس المركزي بوقف التنسيق الأمني الذي لازال يمضي على قدم وساق وهذا ما أظهره وبوضوح ما حدث في مستشفى الاهلى بالخليل حيث تعرض للاقتحام على يد عصابة من المستعربين نفذت عملية إعدام واعتقال لمواطنين بعدما انسحبت عناصر الأمن الفلسطينية المكلفة بحراسة المستشفى ـ وما أقدم عليه مؤخراً أفراد الشرطة من عملية قمع لمسيرة جماهيرية انطلقت من مخيم الدهيشة نحو خط التماس ، إضافة إلى نشر قوات من الشرطة الفلسطينية بالقرب من خطوط التماس للحيلولة دون وصول الشباب الوطني إلى تلك النقاط بهدف تصفية مظاهر الانتفاضة .
وفي مقابل الإصرار والتمسك بمسار المفاوضات وبالسلطة على اعتبار أنها مكتسب سياسي غاب الإشارة إلى ضرورات تعزيز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده ، وحاجات هذا الكيان والهوية الوطنية الفلسطينية التي عمدت بالتضحيات الجسام إلى إعادة تفعيل وترميم وإحياء مؤسساتها الوطنية التي غُيبت في دهاليز مؤسسات السلطة ، والحاجة الملحة لانعقاد الإطار القيادي للتحضير لعقد دورة للمجلس الوطني وتهيئة المناخان الوطنية لإنجاح هذه الدورة للخروج ببرنامج وطني توافقي تلتف حوله كافة قوى وطاقات جماهير شعبنا .
غاب وغيب ما كان يجب أن يكون حاضراً في دهاليز وهم وسراب حل الدولتين ، غيب في ظل ضعف البديل الثوري للقيادة البرجوازية اليمينية غير القادرة على الاستجابة لحركة وإرادة الجماهير.
وبين الحاضر والغائب تبقى هناك حقيقة لابد من تبيانها والوصول إليها ، والعمل على تحقيقها، الحقيقة التي أكدها الشهيد غسان كنفاني " وجوب العمل على تجاوز القيادة التي تكلست على رأس حركة الجماهير " .
