لم تكن زيارته رسمية للقاهرة، وصلها في صمت وغادرها في صمت.
طرأت فكرة زيارتها أثناء مشاركته في أعمال قمة «عدم الانحياز» بشرم الشيخ قبل سبع سنوات. ذكرياته القديمة دعته إلى العاصمة المصرية.
تذكر إلهام حرب السويس عام (1956)، وهو يتأهب مع «فيدل» و«تشي» من فوق جبال «سيرا ماستيرا» لدخول العاصمة «هافانا» وفي وجدانه صدى صوت «جمال عبدالناصر»: «سنقاتل».
كان النموذج المصري موحياً بالأمل، فقد تمكنت دولة من العالم الثالث، استقلت بالكاد، من أن تؤمم «قناة السويس» وأن تتحدى الإرادات الغربية، وأن تصمد في المواجهات العسكرية، وأن تخرج المستعمرة القديمة إلى العالم لاعباً رئيسياً على مسارحه تمتلك قرارها ومصيرها.
بدت القاهرة هذه المرة مختلفة، السياسات تناقضت والأحلام تراجعت، لكنه ظل مسكوناً بمجدها الذي كان، وذكرياته التي لا تغادره.
عندما التقيته في أحد فنادق القاهرة المطلة على النيل بادرني بكلمة واحدة رددها مرتين بصوت مدوٍ تغلبه المشاعر على طريقة التعبير اللاتينية: «ناصريانو».
بدا الرئيس الكوبي «راؤول كاسترو»، الذي صعد لمنصبه للتو، محتفياً بالمعنى والتاريخ والدور الذي لعبه «جمال عبدالناصر».
الرؤى ذاتها سكنت رجلين آخرين من طراز استثنائي: «فيدل كاسترو» و«تشي جيفارا».
كان «فيدل» هو قائد الثورة الكوبية، و«تشي» أيقونتها، و«راؤول» مسؤولها العسكري الأول. الثلاثة الكبار التقوا «ناصر»، كل في ظرف مختلف ولمرة واحدة.
«فيدل» في نيويورك، على هامش اجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة، وكان اللقاء بتوقيته ومكانه حدثاً بذاته. و«تشي» في القاهرة والحوار امتد حول الثورة وفلسفتها ووحدة المصير الإنساني. و«راؤول» في القاهرة منتقلاً مع الرئيس المصري إلى الإسكندرية للاحتفال بالعيد العاشر لثورة (23) يوليو.
المثير أولاً في القصة اللاتينية أن صورة «جيفارا» في التاريخ فاقت حجم دوره. لم يكن دوره بحجم «فيدل كاسترو» في الثورة الكوبية، ولا يقارن تأثيره بالأدوار الكبرى التي لعبها «فلاديمير لينين» في الثورة السوفييتية، أو «ماو تسي تونغ» في الثورة الصينية، أو «هوشي منه» في الثورة الفيتنامية، والقائمة تطول وتمتد إلى قامات دولية أخرى لعبت أدواراً أكثر تأثيراً وأوسع نفاذاً.
لماذا عاش «تشي جيفارا» أطول في الذاكرة الإنسانية؟
لأنه ببساطة لخص في شخصه وتجربته «قوة النموذج الإنساني»، فهو «أرجنتيني» دعته فكرة الثورة إلى الحرب في كوبا، وعندما انتصرت غادر السلطة سريعًا.فكر أن يقاتل في إفريقيا و«ناصر» نصحه بألا يفعل ذلك حتى لا يبدو طرزاناً جديداً.
حاول أن ينظم حروب عصابات في أكثر من بلد لاتيني حتى استقرت به مقاديره في غابات بوليفيا التي لقي مصرعه فيها مصلوباً.
تماهت صورته الأخيرة مع فكرة «المسيح يصلب من جديد» التي تمثلها الروائي اليوناني «نيكوس كازنتزاكيس» وألهمت أجيالًا متعاقبة. وأسطورته استندت إلى قوة النموذج الإنساني لرجل آمن بقضيته لم يساوم عليها ومات في سبيلها.
المثير ثانياً في القصة اللاتينية أن الثورة الكوبية ألهمت حرب العصابات الثورية وبدت نموذجاً في لحظات أخرى للتطور التقني في مجالات علمية متعددة، غير أن التطورات التي لحقتها مازجت بين العدالة الاجتماعية والديمقراطية ووحدة القارة وتحررها.
الخروج من التبعية فكرة مهيمنة في الفكرين السياسي والاقتصادي اللاتيني و«نظريات التبعية» التي سادت الجامعات الغربية لسنوات طويلة يعود أكثرها إلى اقتصاديين لاتينيين.
فهم كمجتمعاتهم مهجوسون بأحوالها التي أفضت إلى انقلابات عسكرية ومجازر دموية على النحو الذي جرى في «تشيلي» لإجهاض تجربة «سلفادور الليندي» على يد الجنرال «بينوشيه».
إنه إذاً التحول التدريجي البطيء الراسخ من حرب العصابات إلى الدولة الديمقراطية الحديثة.
حرب العصابات استدعتها الأنظمة الفاشية والوسائل الديمقراطية وتهيأت لها ظروف استجدت مكنت اليسار اللاتيني من الوصول إلى السلطة في دول عديدة.
المثير ثالثاً في القصة اللاتينية، أن التأثير الناصري بدا عميقاً في قوى اليسار التي عانت طويلاً ومريراً من الانقلابات العسكرية، دون أن تستشعر تناقضًا، فهي تدرك أن الدور الذي لعبه الجيش المصري في يوليو/تموز يناقض أدوار الجيوش اللاتينية في انقلاباتها العسكرية التي جرت باتفاقات وصفقات مع الإدارات الأمريكية لقمع شعوبها ونهب مواردها.
قوة النموذج الإنساني عند «جمال عبد الناصر» أضفت عليه منزلة استثنائية في قصة القرن العشرين.
نجح بتأميم قناة السويس أن يضع مصر في قلب التفاعلات الدولية والإقليمية. وبدأ في بناء السد العالي، الذي حمى مصر من الجفاف أو الفيضان في أوقات مختلفة، وأضاف ملايين الفدادين إلى الرقعة الزراعية، وأحدث طفرة هائلة في طاقتها الكهربائية. أنشأ الصناعات الثقيلة والمستشفيات والمدارس ووصلت خطوط المياه والكهرباء إلى كل بيت.. كان عهده هو عهد البناء الكبير.
قل ما شئت في نقد التجربة الناصرية، لكنك لا بد أن تعترف بأن مصر لم تشهد في تاريخها كله منذ فجر الضمير الإنساني عدالة اجتماعية تماثل ما جرى في عهده.
بحس تاريخي هتف المصريون في جنازته: «من بعدك هنشوف الذل».. وقد كان.
صاغ تجربته في عصرها، أحلامه لاحقتها معاركه وجسارته صنعت زعامته.
لا يولد شيء من فراغ ولا تجربته ولدت من عدم. هو ابن الوطنية المصرية في لحظة تحول حاسمة، قيادته للعالم العربي لا مَن ولا ادعاء فيها، تخطئ وتصيب لكنها تصدق ما تقول ويصدقها الآخرون.
كانت القاهرة العاصمة المركزية للعالم العربي، ولم يكن هناك شيء مجاني، فللأدوار تكاليفها وللنهضة شروطها.
كان الدور المصري في تحرير الجزائر واليمن ومطاردة الإمبراطوريات الغاربة في مشرقها العربي علامات لتجربة تدرك حقائق الدور في محيطه، لديها مشروع تلتزمه لا ادعاءات تكذبها التصرفات.
لم تكن الملايين التي تخرج لاستقباله في العواصم العربية التي زارها تشارك في حفلات علاقات عامة، بل كانت تعتقد أنه قائدها إلى المستقبل، تؤمن بحلمه وتمضي معه.
عندما انكسر في عام (1967) خرجت التظاهرات في عواصم عربية تطالبه بالبقاء وتدعو لمواجهة العدوان بنفس الهتافات التي شهدتها مصر يومي (9) و(10) يونيو/حزيران من هذا العام الحزين.
كانت القاهرة في عهده عاصمة تحرير القارة الإفريقية، أوسع عملية تحرير في التاريخ الإنساني كله.
برزت من حوله قيادات إفريقية تاريخية من حجم «نكروما» و«لومومبا» و«نيريري» و«سيكوتوري»، وهو ما دعا الزعيم الجنوب إفريقي «نيلسون مانديلا» أن يصفه ب«زعيم زعماء إفريقيا».
«مانديلا» الذي قضى نحو (27) عاماً معتقلاً في السجون العنصرية سيعيش طويلاً بتجربته وقوة نموذجه في الذاكرة الإنسانية، على النحو الذي جرى مع «ناصر» و«تشي».
إلهام النموذج يقتضي إيماناً بوحدة المصير الإنساني.عمل «ناصر» على إعادة صياغة العلاقات الدولية، وأسس مع الزعيم الهندي «جواهر لال نهرو» والزعيم اليوغسلافي «جوزيف تيتو» حركة «عدم الانحياز» لتجنب الانصياع لإحدى القوتين الكبيرتين، الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفييتي.
سأله «نهرو» ذات مرة: «لماذا تصف مصر بأنها دولة نامية؟ مصر دولة كبرى يا سيادة الرئيس».. فأجابه: «دولة كبرى بعالمها العربي».
هذه العبارة تلخص رؤيته لمصر ومكانتها في عالمها، فمصر داخل حدودها بلد منكشف في أمنه القومي، ومصر منفتحة على عالمها العربي بلد قوي ومهاب.
مات مبكراً وعاش طويلاً، رحل عن الدنيا في الثانية والخمسين من عمره عام (1970)، لكن حضوره ما زال طاغياً رغم الحملات الضارية التي تطارده حتى الآن.
