التوتر السعودي الإيراني..المسار والنتائج

حجم الخط

   بداية، ومنعاً لكل اختزال، للتوتر السعودي الإيراني تداعيات كبيرة وعواقب وخيمة على شعبيْ البلدين والشعوب العربية بأسرها، ما يوجب عدم حشر المواقف الشعبية العربية منه في تبسيط: إما أن تؤيد النظام السعودي أو أن تتهم بتأييد إيران  والعداء للعرب والعروبة. وكي لا يجهلنَّ أحد على أحد، فلنقل إن التحشيد السعودي لـ"العرب والمسلمين" سبق حادثة اقتحام متظاهرين إيرانيين لسفارة السعودية في طهران عقبَ إعدام الشيخ "النمر"، حيث شكلت الرياض "التحالف العسكري الإسلامي لمكافحة الإرهاب"، وكان لافتا استثناء إيران، ( والعراق وسوريا مركز وجود الإرهاب التكفيري)، تعبيراً عن الطابع المذهبي لهذا التحالف، كما تحالف "عاصفة الحزم" السعودية على اليمن قبل نحو عشرة شهور.

   وأكثر، قبل خمس سنوات وقع حكام السعودية، ومعهم حكام تركيا وقطر، في تقدير إستراتيجي خاطئ، جوهره الرهان على الحسم السريع لنتائج الحراك الشعبي العربي، كحدث تاريخي شائك المسار، مُعَقَّد الصيرورة، ومتعدد الاحتمالات والتدخلات. لقد دفعتهم نجاحاتهم الأولية بما نجم عنها من تقديرات، للتدخل متعدد الأوجه في الأزمة السورية، ولمطالبة واشنطن بالتدخل العسكري المباشر لحسم الصراع في سوريا وعليها. وفيما صارت السعودية وقطر الممول الأساسي للعصابات التكفيرية، صارت تركيا أردوغان ممراً لسلاح ومسلحي هذه العصابات إلى العراق وسوريا اللتيْن يتواجد فيهما الآن، باعتراف واشنطن، 60 ألف إرهابي من 100 دولة. ما يعني أن حكام السعودية، كما حكام تركيا وقطر، قد ذهبوا لحدود الرهان على عصابات إرهابية، لا تستثنيهم من التكفير،  من على قاعدة "عدو عدوي صديقي".

   وكي لا يجهلنَّ أحد على أحد، أيضاً، فلنظهر تزامن التحشيد السعودي مع "الاتفاق النووي الإيراني" كحدث سياسي كبير، أزعج السعودية ودول إقليمية أخرى، أولاها إسرائيل، ومع تدخل روسيا العسكري المباشر ضد العصابات الإرهابية في سوريا، ومع نجاحات الجيش العراقي الميدانية ضد عصابة "داعش"، ومع، (وهنا الأهم)، حدوث شبه توافق أميركي- روسي على حل الأزمة السورية حلاً سياسياً، بشروط لا تلبي الشروط الخاصة للسعودية وقطر وتركيا، ما يفسر عقد اتفاقية "التعاون الإستراتيجي" السعودي التركي، و"تفاهم" تطبيع العلاقات الإسرائيلية التركية، بعدما أفسد التدخل العسكري الروسي أوراق تركيا الرابحة في سوريا.

   ما يعني أن المعارضين العرب للتحشيد السعوي، لا يحملون موقفاً ضد العروبة والعرب أو ضد طائفة من طوائفهم. إذ طالما أن التحشيد السعودي للعرب سياسي، في الباطن والغاية والدافع والتوقيت، فإن الموقف منه ينبغي أن يكون سياسياً، ولا يحركه سوى مصلحة الشعوب العربية، وقضاياها، وأولاها قضية فلسطين، التي لا ناقة لها ولا بعير في هذا التحشيد ونتائجه الكارثية، في مقدمتها استمرار، وزيادة منسوب، تهميش قضية "العرب الأولى"، وجوهر صراعات المنطقة، منذ قرن من الزمان. وأظن، وليس كل الظن إثما، أن واشنطن وحليفها إسرائيل مرتاحتان لهذا التوتر، لأنه، كما أزمات تركيا أردوغان مع كل من العراق وسوريا وإيران وروسيا، يجعلهما أكثر قوة وتأثيراً، إقليمياً وعالمياً.

   وفي الأبعد، التوتر الحالي بين السعودية وإيران، إن هو إلا طور من أطوار العداء المستحكم بين البلدين منذ اطاحة نظام الشاه عام 1979، وانطواء أغلب الرسميات العربية بقيادة السعودية، في استراتيجية "الاحتواء المزدوج" الأميركية، عبر تشجيعها لصدام ودعمها له، في الحرب العراقية الإيرانية العبثية، ثم تخليها عنه، ومناكفة العراق الذي خرج من الحرب قوياً عسكريا ومنهكاً اقتصاديا، ما دفعه إلى اجتياح الكويت عام 1990، كمغامرة غير محسوبة، قيل إن واشنطن شجعتها، بخداع صدام، حين أظهرت له، بصورة ما، عدم اكتراثها بالأمر، بينما اتخذت الاجتياح، ذريعة لضرب العراق عسكريا، ولفرض حصار شامل عليه، وكل ذلك بمشاركة رسمية عربية عسكرية مباشرة، شكلت السعودية رأس حربتها.

   بذلك، تحقق هدف "الاحتواء المزدوج"، وصارت الطريق سالكة لاحتلال العراق وتدميره، وأيضاً، بموافقة رسمية عربية، سعودية أساساً. لكن، ولأن "السياسة جبر لا حساب"، وفيها المجهول دوماً، ولأن "كل شي يحمل نقيضه"، ولأن "الطبيعة تكره الفراغ"، ولأن العرب لا يملكون مشروعاً، منذ ارتداد نظام السادات على مشروع مصر جمال عبد الناصر، فقد تحول العراق من لاعب إقليمي إلى ملعب تتنافس على النفوذ فيه، وعبره على المنطقة، دول إقليمية أساسية. أما وأن إيران، (في عهد الشاه و"عهد الخميني" وخلفه)، دولة كبيرة وغنية، وتتصرف، (وهنا الأهم)، كدولة لديها مشروع للنهوض الشامل، فقد كان من البداهة أن تملأ الفراغ الذي نشأ في العراق بعد هزيمة الاحتلال الأميركي وانسحابه. ذلك من دون نسيان أن النظام السعودي، يعطي، (من حيث يدري أو لا يدري)، مداخل إضافية لتمدد النفوذ الإيراني، اتصالاً بمذهبية تعامله مع المواطنين السعوديين والخليجيين العرب الشيعة كرعايا لدولة أجنبية. أما إندراج أغلب الرسميات العربية في المشروع الأميركي، وتخليها، بقيادة السعودية، عن قضايا الأمة، خصوصا قضية فلسطين، فوصفة لأن تكسب إيران المناهضة للمشروع الأميركي الصهيوني عقول الشعوب العربية التي أصبحت في واد غير وادي الرسميات العربية، بينما أصبحت الجامعة العربية هيكلا بلا مضمون، ومحطَّ تندرٍ للمواطنين العرب من المحيط إلى الخليج.

   لذلك كله، كيف للشعوب العربية ألا تتوجس وتخشى، بل وتخاف، من أن يكون التحشيد السعودي للعرب ضد إيران غطاء لتكرار تجربة الحرب العراقية الإيرانية العبثية، وإن بسيناريو الحرب بالوكالة، أو غطاء لتدمير ما تبقى من سوريا والعراق وليبيا واليمن، كدول سهلت الرسميات العربية، بقيادة السعودية، طريق تدخل واشنطن وحلف الناتو فيها. بقي القول إن لكل دولة مشاكل. أما أن تستفحل مشاكل الدولة، أي دولة، لدرجة الأزمة، فيعني أن لديها خللاً بنيوياً في النظام. هنا تصبح الدولة، تقدم الأمر أو تأخر، أمام خيارين: إما التجرؤ على اصلاح النظام، أو التهرب وترك الأزمة  تتفاقم حتى تبلغ  المأزق الذي يصعب، بل يستحيل، الفكاك منه إلا  بتغيير النظام. وبقدر ما يتعلق الأمر بالسعودية، فإن ثمة كثير مما يحمل على الاعتقاد، (وللدقة الجزم)، بدخولها لا في أزمة واحدة، بل في أزمات متعددة الأوجه، داخلياً وخارجياً، قادتها، بتداخل أسبابها ومفاعيلها وتداعياتها، إلى نتائج أوصلتها إلى طور المأزق. لكن حكام السعودية بنظامهم الوهابي المتخلف، لا يعترفون، ولن يعترفوا، بهذه الحقيقة المرة، وسيواصلون سياستهم الرجعية التابعة، وكأنها سليمة وصائبة وحكيمة، ولا غبار عليها، ولا تحتاج إلى نقد أو تعديل، فما بالك بالمراجعة والتغيير والتبديل، ما يجعل التخبط والهروب للإمام، سيد مواقفهم، وما تصعيدهم للتوتر مع إيران سوى دليلا على عمق مأزق النظام السعودي وتهرب هؤلاء الحكام من مواجهته.