ليست هناك حقيقة سياسية واحدة تحلق خارج زمنها منفلتة من كل تحد وسياق.
عند هذه اللحظة من التاريخ فإن «ثورة يناير» الحقيقة السياسية الأولى في مصر، لا تجاوزها بالإقصاء متاح، ولا نفيها بالادعاء ممكن.
«يناير» مسألة شرعية دستورية تخطيها قفز إلى المجهول، ورهان على الفوضى. وبقدر عمق تجربتها وفداحة تضحياتها فهي مسألة ضمير عام.
مسائل الضمير العام يصعب تحديها من دون عواقب وخيمة. قوة «يناير» من تطلعها إلى الالتحاق بعصرها في التحول إلى مجتمع ديمقراطي حر يوسع المجال العام ويصون الحريات.
فكرة الحرية تكاد تهيمن بصورة كاملة على مخيلة الأجيال الجديدة إلى حدود الإلهام.
أي متابعة جدية لإبداعاتهم الأدبية وذائقتهم الفنية تكشف عن مركزية فكرة الحرية. وبحسابات المستقبل فإنها مسألة يستحيل التراجع عنها.
في أي صدام مع المستقبل النتائج مقررة سلفاً والحساب سوف يكون عسيراً. مصالحة الدولة مع شبابها من متطلبات بناء أرضية صلبة لشرعية مستقرة تفسح المجال أمام المستقبل أن يتدفق.
الإفراج عن المحكومين وفق قانون التظاهر خطوة رمزية لابد منها لفتح حوار ضروري مع الأجيال الجديدة بلا وصاية تملى واستعلاء يفشل دوماً.
رغم ما تبدو عليه «يناير» من انكسار فالمستقبل لها. قد لا يدرك المحبطون أنها أقوى حقيقة سياسية في بلادهم ككل ثورة أخرى مرت على مصر.
لسنوات طويلة تأكدت قوة ثورة (١٩١٩) رغم ما تعرضت له من محاولات كسر شوكتها. ولسنوات طويلة أخرى تأكدت قوة ثورة (١٩٥٢) رغم الحروب التي شنت عليها.
الثورات ليست نزهات في التاريخ. المعنى الوحيد لثورة «يونيو» التي أطاحت جماعة الإخوان من الحكم استعادة «يناير» التي اختطفت.
إذا لم يعد الأصل إلى مجراه فإننا داخلون إلى أزمة شرعية لا محالة. في العادة تنتقل شرعية الثورات إلى الدساتير. الثورة عمل استثنائي والدستور فعل مؤسسي. الأولى، تهدم النظام القديم، والثاني، يؤسس لنظام جديد.
إذا ما عادت أشباح الماضي بسياساتها وأساليب حكمها فإن شرخاً مدمراً ينال من «الشرعية الدستورية».
وهذه مسألة دولة قد تجد نفسها داخلة إلى أزمات قاسية في لحظة حرب على الإرهاب.
الهجوم على «يناير» يصب في المجهود الحربي للإرهاب كأن الوجوه التي تسب وتلعن تعبئ البنادق بالرصاص الذي يضرب ويقتل.
«يناير» قبل وبعد ذلك كله، مسألة ذاكرة تستعصي على النسيان وتساؤل يطرح نفسه بإلحاح: هل هذا هو الحصاد؟ في قلق التساؤل نيل من الشرعية ومشروع اضطراب.
إذا لم تتسق السياسات مع التضحيات فإن كل احتمال وارد.
قوة «يناير» من حجم المشاركة الشعبية الواسعة التي كسرت دولة الفساد وأدواته التي مارست أسوأ أنواع التنكيل بالكرامة الإنسانية.
عندما أعلن الرئيس الأسبق «حسني مبارك» تخليه عن الحكم هتفت الجموع المحتشدة في الميادين والشوارع: «ارفع رأسك فوق.. أنت مصري».
هذا الهتاف الجماعي عبر عن شعور عميق بالمهانة جراء سياسات النظام الأسبق، وتطلع لا يمكن تجاهله إلى سياسات أخرى تعلي من شأن الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان وحريات التعبير والعدل الاجتماعي.
كأي رسالة مماثلة في التاريخ فإنه يصعب محوها من الذاكرة أو العودة مرة أخرى إلى السياسات التي استدعت الثورة.
نقطة ضعف «يناير» الأساسية أنها ثورة بلا رأس ولا قيادة ولا برنامج وضع أهدافها قيد التنفيذ.
جرى التلاعب بأهدافها على نحو سمح بالسطو على جوائزها واختطاف فعلها من غير أصحابها.
رغم الأخطاء الفادحة التي ارتكبت فإن إلهامها لا يزال ماثلاً بقوة. وكلما ارتفعت حدة الحملات عليها تأكدت صلابتها.
بحسب الفيلسوف الفرنسي الأشهر «جان بول سارتر» فلكل قرن فلسفة كبرى تسبغ تفكيره العام والسجال حولها هو محور كل المناظرات والصراعات. رغم انتسابه إلى الفلسفة الوجودية إلا أنه رأى في «الماركسية» فلسفة القرن العشرين.
على القياس ذاته كان «مشروع ثورة يوليو» هو الحقيقة السياسية الوحيدة في النصف الثاني من القرن العشرين، بتعبير محمد حسنين هيكل.
كل الصراعات السياسية تمحورت حوله بسياسات تنفي وحملات تشهر. التشهير من اختبارات قوة الثورات ومدى رسوخها في الضمير العام.
رغم ذلك كله أكدت «يوليو» وجودها في الشارع، كما أكدته في السلطة عندما قادت حركة الأحداث في مصر والإقليم والقارة الإفريقية على عهد زعيمها جمال عبدالناصر.
لماذا نجحت «يوليو» في اختبار التشهير؟ببساطة لأنها عبرت عن «المشروع الوطني المتجدد». تابعت ما كان قبلها وأضافت إليه.لا ثورة تولد فجأة من فراغ المصادفات.
كان انحياز «يوليو» حاسماً في قضيتي «العدالة الاجتماعية» و«التحرر الوطني» ونقطة ضعفها طبيعة نظامها السياسي.
بلا مشروع، لا شرعية تتأسس أو تقدر على مقاومة الضغوط عليها.
بعكس «يوليو» لم يتسن ل«يناير» سلطة الحكم. ورثت «يوليو» لكنها لم تضف تجربة عملية تثري المشروع الوطني المتجدد.
أزمة «يناير» أنها لم تؤسس لمثل هذا المشروع ولم يكن بوسعها أن تضيف وتصحح ما قبلها من ثورات وتجارب.
جرت محاولات متعسفة لاصطناع تناقض بين «يوليو» و«يناير» خسرت فيها فكرة الثورة اتصالها بحقائق مجتمعها وتاريخها، كما أفقدت نفسها أي مرجعية تاريخية معاصرة ترشد دعوة العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني.
هناك الآن محاولات متعسفة أخرى لاصطناع تناقض مماثل بين «يناير» و«يونيو». اصطناع التناقض يعني بالضبط إجهاض فكرة الشرعية، فالدستور يصف «يناير» و«يونيو» بأنهما ثورة واحدة فريدة في التاريخ.
إجهاض الأولى يفضي مباشرة إلى تقويض الثانية. هذه كارثة غير محتملة في بلد منهك.
بالنظر إلى حجم الأنين الاجتماعي لا يمكن تأجيل قضية العدل الاجتماعي أو التسويف فيها. القضية تتعلق مباشرة باحتياجات البشر في الصحة والتعليم والخدمات الأساسية والحق في العمل وعائد الناتج القومي. إنها قضية كل بيت في كل يوم.
عندما يفتقد المواطنون الشعور بقيمة العدل فلا قيمة لأي إنجاز محتمل، ولا إمكانية لتحمل أي تضحيات جديدة.
من مقتضيات العدل الاجتماعي ضرب مؤسسة الفساد لا التساهل معها كأنها أقوى من أي مؤسسة أخرى في الدولة.
