هل يريد الاحتلال انهيار «السلطة»؟

حجم الخط

اختلف الفلسطينيون في العام 1993، على «أوسلو» كما لم يختلفوا منذ انطلاق ثورتهم المعاصرة. ولا عجب. فحتى الرئيس أبو مازن، (أمين سر «اللجنة التنفيذية» للمنظمة في حينه)، صارح أعضاء «المجلس المركزي» في اجتماع المصادقة على «أوسلو»، بالقول: «أوسلو إما أن يقودنا إلى الدولة وإما إلى كارثة». كان ذلك بمثابة وعي مبكر لما يعيشه الشعب الفلسطيني اليوم، فلا «السلطة الفلسطينية» صارت دولة، ولا قضايا اللاجئين، القدس، المستوطنات، الحدود، المياه، حُلَّت، خلال خمس سنوات. 
لكن، ومنعاً لانزلاقات ترجيح أو تقديم التناقضات الداخلية الثانوية على التناقض الأساس مع الاحتلال، لم يتجاوز معارضو خيار «أوسلو» و«السلطة الفلسطينية» الناشئة بموجبه، سقف النضال السياسي والشعبي المشروع. وما أن انتهى السقف الزمني ل"أوسلو"، في مايو/ أيار 1999، من دون تنفيذ حتى الأساسي من بنود «المرحلة الانتقالية»، حتى انقطع الشك باليقين، وارتفعت، من جديد، حدة الخلافات الفلسطينية الداخلية، وتمحورت حول التمديد الواقعي لأوسلو ومفاوضاته العقيمة.
من حينه، لم يعد اتخاذ قادة الاحتلال المفاوضات غطاء لاستكمال مخططاتهم التوسعية العدوانية خافياً على أحد. ولم يعد إجماعهم على رفض إقامة دولة فلسطينية بحاجة إلى برهان. ولم تعد سياساتهم الهجومية بحاجة إلى إعلان، فهم كمن قطعوا رأس رسول أعدائهم للسلام، وأرسلوه لهم مع عبارة تقول: «جوابنا فيما ترون لا فيما تسمعون». وهكذا يتصرف قادة «إسرائيل» مع طلب الفلسطينيين للسلام، كأنهم يقولون: مقابل بقاء السلطة نقتلكم، نسجنكم، نحاصركم، نهدم بيوتكم، ونمضي في مصادرة أرضكم واستيطانها وتهويدها وتمزيق أوصالها.. إلخ.
هنا، باتت السلطة الفلسطينية «سلطة صورية»، وأصبح مسعى تحويلها، بالتفاوض، إلى دولة محض خيال، حيث تأكد، بما لا يقبل مجالاً للشك، أن قادة «إسرائيل» لم يغادروا حلم تحويل فلسطين إلى «دولة يهودية كما هي إنجلترا إنجليزية، وكما هي هولندا هولندية»، حسبما دعا، في ثلاثينات القرن الماضي، حاييم وايزمان، ثاني رؤساء الحركة الصهيونية. وقد جاء فشل مفاوضات «كامب ديفيد»، 2000، حول «قضايا الوضع النهائي»، ليزيد احتقان الفلسطينيين احتقاناً، حتى صارت شرارة واحدة كافية لإشعال حريق في «السهل كله». وقد كانت زيارة شارون الاستفزازية هي الشرارة. 
في حينه، والحق يقال، لم يتردد الرئيس الشهيد ياسر عرفات في قلب الطاولة، وتوحيد الفلسطينيين، ومنع بلوغ خلافهم حول «أوسلو» درجة الصراع. صحيح أنه لم يذهب إلى حدود إنهاء تعاقد أوسلو السياسي، لكنه صحيح، أيضاً، أنه، بشجاعته المعهودة، لم يخذل شعبه، حيث تبنى ودعم وقاد الانتفاضة «الثانية» التي واجهها الاحتلال بقسوة غير مسبوقة، الأمر الذي حوَّلها إلى انتفاضة مسلحة، دامت سنوات، لكن المتغيرات الدولية والعربية والإقليمية، التي أحدثها «زلزال» واشنطن في 11 سبتمبر/أيلول 2001، سهلت على شارون اجتياح الضفة ومحاصرة أبو عمار وصولاً لاستشهاده، وحالت دون تحقيق تلك الانتفاضة هدفها في الحرية والاستقلال.

وبعد أقل من ثلاث سنوات على استشهاد الرئيس عرفات، وقع محظور الانقسام الوطني الداخلي، ولم تنفع 9 سنوات من الوساطات والحوارات والاتفاقات والتفاهمات لطي صفحته السوداء، بل ولم تحرك الموجة الانتفاضية الجارية طرفيه لاتخاذ خطوة جدية واحدة لتوفير متطلبات استمرارها، وتطويرها، وتحويلها، إلى انتفاضة شاملة بقيادة وأهداف سياسية وطنية موحدة. وكي لا يجهلن أحد على أحد، فلنقل: لا قيادة حركة «حماس» تريد التخلي عن سيطرتها على قطاع غزة، ولا قيادة حركة «فتح» في وارد رفع سقفها لمستوى تبني الانتفاضة كخيار سياسي. أما الرئيس الفلسطيني، فقد عاد، في كلمة له لمناسبة أعياد الميلاد، لوصف السلطة الفلسطينية بالإنجاز، ذلك بعد 22 عاماً من المحاولات الفاشلة لتحويلها إلى دولة، وبعد نحو 9 سنوات على انقسامها، بل، وبعد نحو عامين من دأبه على وصفها ب«السلطة الصورية»، وتهديده، ب«تسليم مفاتيحها» للاحتلال، وبالتخلص من أعبائها، وبالتحلل من التزاماتها السياسية والأمنية والاقتصادية، تنفيذاً لقرار «المجلس المركزي» للمنظمة في مارس/ آذار 2014، بعد فشل جولة المفاوضات التي أدارها، لمدة تسعة أشهر، وزير الخارجية الأمريكية جون كيري.
والسؤال، هنا، هو: ترى لماذا انتقل الرئيس الفلسطيني من اعتبار «السلطة» «سلطة بلا سلطة» إلى اعتبارها «إنجازاً وطنياً»، بينما لم يشر من قريب أو من بعيد إلى سبب هذا التغيير المفاجئ؟ فهل السبب هو أن التهديد ب«حل السلطة» استنفد أغراضه، أم أنه لم يكن جدياً منذ البدء، أم أنه كان خاطئاً وغير مدروس؟ أم أن ضغوطاً متعددة الأطراف قد فعلت فعلها؟

أما إذا كان السبب هو تهديدات بعض أركان حكومة الاحتلال بحل السلطة أو التلويح بتركها تنهار من تلقائها، فينبغي الإشارة إلى النقاط التالية:

✽أولاً: إن المقصود، فلسطينياً، ب«حل السلطة» لا يعني أصلاً، ولا ينبغي أن يعني، إنهاء ما تقدمه من خدمات في الحيز المدني المتشعب لفلسطينيي 67، إنما يعني بناء استراتيجية وطنية جديدة برؤية شاملة ومتكاملة، يتم في إطارها إنهاء التعاقد السياسي، (أوسلو)، للسلطة، والتحلل من التزامات ملاحقه الاقتصادية والأمنية.

✽ثانياً: إن إنهاء السلطة للتنسيق الأمني بالذات، أمر يخشاه قادة الاحتلال خشية البشر للطاعون.

✽ثالثاً: إن بقاء «السلطة الفلسطينية» سلطة حكم إداري ذاتي محدود، ومنقسمة، وغاية بحد ذاتها، هو هدف جامع للأحزاب الصهيونية، الحاكم منها والمعارض.

✽رابعاً: إن البحث الذي أجرته حكومة الاحتلال في تأثيرات الانتفاضة في واقع السلطة الفلسطينية ومستقبلها، تم بتوصية من أجهزة أمن الاحتلال، وبدافع الخشية من انهيار السلطة، وانتهى، (البحث)، إلى التحذير من هذا الانهيار، وبذل المستطاع لمنعه. على الرغم من أن «إسرائيل» تريد إبقاء السلطة على حافة الانهيار، بغرض ابتزازها والضغط عليها. وهنا تكمن دواعي بناء استراتيجية فلسطينية وطنية جديدة، في إطارها يعالج أمر السلطة بعد 22 عاماً من رهانات تحويلها إلى دولة.