أقدار التكوين

حجم الخط

قالت أقدار التكوين ورُقُم الفخّار الكنعاني: يولد في هذي اللحظة طفل قرب الشاطئ على جبل أو في خيمة... ما أن يطلق صرخته الأولى حتى يبقى مشغولاً بسؤال مِلْحاحٍ وشقيٍّ: أأنا فلسطينيّ؟ وماذا يعني ذلك؟
منذ أن انفجر البحّار في اليوم الثامن من تموز... وفلسطين تنجب أطفالا وزوارق... زيتونا وبنادق... عشرون حربا... ألف هجرة... مئة سجن... مليون زنزانة... ألف شهيد... وآلاف أخرى... وتزدحم جدران البيوت والشوارع بالصور... فيغفو وجه شهيد فوق الآخر... وتطول القائمة وفلسطين لا تتعب أبدا... تنجب أطفالا... ترضعهم ... تغسلهم بالزيت وتفركهم بالملح البحريّ..وما أن يكتمل البدر... حتى تطلقهم نحو الشمس وتنتظر... هي أسطورة خلق تتبع دورتها المنقوشة على رُقُمِ الطين الكنعاني الأول... يقتل "موتٌ" "بعلاً" فترتبك فصول الكون... فتنتفض "عناة" وتنهض فتعيد النبض إلى بعل...... فينهمر المطر ... فيكون ربيعٌ... ويكون صيفٌ ويكون أيلولٌ وتكون أوراقٌ بلون الوهج. 
تتسع الصحراء وتمتد... تتجاوز جثث رجال ماتوا في الشمس... فوق الرّمل اللّاهِب... الصحراء ما عادت تسأل: لماذا لم يدقوا جدران الخزان... بل تسأل: أين فلسطين... ولماذا باتت أصغر... الفكرة كانت أكبر...؟ هذا ما قال الشاعر... ولماذا بات الموت حياة... والحياة باتت تشبه موتا؟. 
أين الخطأ؟ يسأل شيخ كنعاني يتوقد ذاكرة ونقوشا... يحفظ أسطورة بعل وعناة... كيف ضاق الوطن كثيرا...؟ فرسائل بعل لعناة من أقصى الكون كانت حاسمة:
[عند قدمي عناة انحنيا واركعا، اسجدا وبجلاها
وقولا للعذراء عناة، أعلِنا لسيدة الأبطال
رسالة بعل العليّ، وكلمة بعل الظافر:
"أن أقيمي في الأرض وئاما،
وابذري في التراب المحبة،
واسكبي السلام في كبد الأرض،
وليهطل الحب مخترقا جوف الحقول...] (من الأسطورة الكنعانية).
فكيف انحسر البحر...!؟ كان الأجداد يجوبون الأزرق من أقصاه إلى أقصاه... لا يقربهم لص أو قرصان... كانوا أسطورة هذي الأرض وهذا البحر... أين نخيل الكنعانيين السامق يغازل قمر أريحا... وقدور الفخّار الأولى بالزيت تفيض... ما نعرفه أن الكنعاني لا ينسى مكان ولادته... كهفا كان أو سفح جبل أو عند الساحل أو فوق رمال الصحراء... أين الوطن الأسطورة؟ والأسطورة ليست عبثا... فمنها الأسماء ومنها الوعي... هي حكاية سنبلة تشرب مطرا "بعليا"... ثم يراقصها المنجل في أيار فتنقسم إلى خبز ثم تعود وتفنى لتنبت حقل سنابل... وتروي الأسطورة أيضا حكاية ثوب امرأة كنعانية تحرسها أوراق العنب وعلى الصدر سنابل قمح... هلالٌ وصليبٌ... كانا حتى قبل الأديان... فأين الفكرة... أين الوطن الفكرة؟.
صمت الشيخ الكنعاني قليلا... ذهب بعيدا... ثم عاد يهمس أين الوطن الفكرة؟ فعكا لم تغادر شاطئها... لقد أطلقت البحار ليحمل فكرتها وها يعود إليها قلم يسبح عبر البحر... ومن قبل ومن قبل... لعكا أحلام شاسعة... ألم يزرع فيها الشيخ الكنعاني ظاهر العمر الزيداني بذرة ثورة...تقول الرُّقم الكنعانية أن الظاهركان يحلم بوطن ممتد... يصعد شمالا ويمضي جنوبا... كانت عكا نقطة تكوين للفكرة... ومنها نادى الظاهر مريم الناصرية لتحمي الحلم "هيّا يا ابنة عمران جعلت اتّكالي عليك بعد الله إن أنت نصرتني فلآخر حياتي لا أنسى لك هذه الآية. ويكون زيت قنديلك من عبدك". ولم تخذله ابنة عمران فأوفى العهد... غير أن اللصوص اغتالوه... لكن الفكرة بقيت تنبض في عكا... تتحدى البحر وتحلم بشيخ أو بحار... ليحملها في قبضته كالجمرة.
فأين الوطن الفكرة... ؟ أين الأحلام الكبرى؟