إنتفاضة، وقيادة في مَهَب الريح

حجم الخط

قراءَة سريعة في مُحاولَة هَندَسة الوَعي:

أبدعَ أصحاب التحليل السياسي والمُتخَصّصين بقضية فلسطين وشعبها في إتحافنا بتحليلاتهم مَدفوعَة الأجر عن إستكانة الشَعب الفلسطيني وقبولهِ بالأمر "الواقِع" وَعزوفِهِ عن الثَورة ومَشروع التَحرير، وهؤلاء ينتَمون لِطَرَفَي مُعادلة واحِدة وأبناء مَشروع واحِد وإن إختَلفت الأسماء والمواقع بينَ رام الله وتل أبيب وَدَوحَة قَطَر ولَيسَ إنتهاءًا بواشنطُن، فهُناكَ تلتقي المَصالِح وتَتَشابَك، فَالدُوَل المانحَة كَما الصَناديق المانحة ومؤسَّساتها سَعَت وتسعى لِإغراق الشارع الفلسطيني تحديدًا والعربي عُمومًا بالمال المَشروط على قاعِدة حفظِ "الأمنِ والسلم والسَلام" في المَنطقة، والمَدخَل عادةً ما يكون "نشر الديموقراطية" وهي صرعة العَصر في التَدخُل في كل بقعة لا تروق سياستها للرأسمال المالي العالمي وعصاباتهِ المُسلَّحة المُنتشرة حَولَ العالَم، وكتائِبهِ المُتحَضّرة من عصابات "الأنجزة" المُعَولَمة، وَليسَ أدَلُ على ذلك أكثَر من  مقولة المَصرف الدولي: "يَجب أن يَلمَس الشَعب الفلسطيني ثِمار السَلام" وفي هذا السِياق لا بُدَّ لنا من التَذكير بالمركز الفلسطيني للبحوث السِياسية والمَسحية في رام الله والذي كانَ يُتحفنا كل يوم إثنين وخَميس بإستطلاع جديد ومَسح مبني على أجندة الدَعم الخارجي الموكَل لَهُ بتشكيل رأي عام حول جدوى ما سُمّيَ ب"بمشروع السلام" والمقصود بالعملية السياسية الجارية على قاعدَة إتفاق أوسلو المَشؤوم، ويَرأس هذا المركز الدكتور خليل الشقاقي وهو الذي أشرفَ على "أكثَر من 200 إستطلاع للرأي العام الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة وعلى العشسرات من إستطلاعات الرأي المُشتركة بينَ الفلسطينيين والإسرائيليين"، هذه المَراكِز تُقابلها في شق المُعادلة الآخر أبحاث وإستطلاعات لتغذية المشروع العام في شطب كل نَفسٍ مُقاوِم على الساحة، وتعهّدت مراكز الجامعات الصهيونية بهذا الدعم ومعهم مركز "بيرس للسَلام" وتمَ على مَدارِ سَنوات أوسلو إستقدام "قيادات" من الضفة وغزة لِيحاضروا في معاهد تل أبيب وأروقة الكنيست الصَهيوني وأمام رجال الأمن الصهاينة والساسة والموظفين خاصة في السلك الدبلوماسي الخارجي، وأصبحَ هؤلاء نُجومًا في الساحة الفلسطينية بحضورهم وجعجعتهم في الفضائيات الصهيونية تمامًُا كما يجري صناعة بعض النجوم من أعضاء الكنيست العَرب عبر المُشادات الإعلامية الجوفاء والطوشات المُفبرَكة والتي لا تُغني ولا تُسمن من جوع غيرَ دغدغةِ مشاعر الجمهور العربي ليرى في "المُقاتل" على الشاشة الصغيرة بأنَّهُ على الأقَل يسُبَّهم ويشتمهُم ويصرَخ في وجوهِهم وهو وراءَ الكَواليس يُصافحَهم وأحيانًا كثيرة يتعانقون، إذًأ فهي مُعادلة واحدة في مشروع واحد، إختلفوا أم لَم يختلفوا تصافحوا أم لا تقاتلوا أم لا فالمصلحة المُشتركة تحملهُم جميعًا على ذات المركب، وفي هذا السِياق نُشير وبِلُطف إلى بيانات الإدانة من قبل أعضاء الكنيست العَرب للعَمليات الفِدائية الفلسطينية، قبلَ وبعدَ المُشتركة، (أنظُر بيان الجبهة والتجمع والقائِمة العربية الموحدة والعَربيَة للتَغيير في عملية الكنيس في القُدس)، ) وقد وقّعَ على البيان كلٍ من عضو الكنيست السابق ورئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة السيد محمد بركة وعضو الكنيست السابق ورئيس القائمة العربية الموحدة والعربية للتغيير سابقًا السيد إبراهيم صَرصور وعضو الكنيست رئيس كتلة التجمع الوطني الديمقراطي السيد جمال زحالقَة وذلك قبلَ تشكيل القائمة المُشتركة لإنتخابات الكنيست الصَهيوني الأخيرة آذار 2015،، وأيضًا بيانات عضو الكنيست أيمن عودة رئيس القائِمة المُشتركة حول عملية بئر السَبع ومُنفّذها مُهنَد العُقبي وبيان لجنة المُتابعة العُليا للجماهير العربية في الداخل الفلسطيني والإسراع في إدانة عملية تل أبيب والتي نَفَّذها الشاب نَشأت ملحم وهو من بلدة عرعرة في المُثلث الشَمالي (بغض النظر عن دوافعها وأسبابها وخلفياتها) ويبقى الشعور بالنقص أولًا هو الدافع للمُسارعة في الإدانة وثانيًا الإصطفاف في المشروع الإستسلامي وأجندَتهِ.

 وفي ذات السِياق نُشير إلى دَور الباحثين الفلسطينيين والعَرب المُصطفّين تمويلًا وَولاءً لأجندَة المانحين ومشروع التسوية، وَنُشير هُنا إلى تقرير من إعداد وبحث فريقًا يضم 25 "خبيرًا" فلسطينيًا في الأعوام 1998-1999، مُتخَصّصين في بناء المُؤسسات للسُلطة الفلسطينية، وهذا التقرير وهذه الأبحاث صَدرَت عَن "مَجلِس العَلاقات الخارجية في نيويورك تحتَ عنوان: "تقوية مُؤسَّسات السُلطة الفَلسطينية"، ليسَ عيبًا أو عارًا أن يعمل الباحث العَربي أو الفلسطيني مع المؤسسات الدولية والأجنبية ولكن العار حين يكون هذا الباحث وغيرهِ مُرتَبط بأجندة هذا المركز أو ذاك والصفعة الأكثَر جذرية لِمثلِ هؤلاء تكون حينَ تأتي من أطفال المُخيّمات ونساء فلسطين ووشيبها وشبابها، هذا ما كانَ في الإنتفاضة الثانية في العام 2000  وهذا ما نشهَدهُ ونحياه في الإنتفاضة الثالثة الحالية إنتفاضة القُدس.

ومَثلًا يقول مُدير عام المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات السَيد هاني المصري إن “المطلوب” الآن هو “الشروع في حوار وطني شامل، والاتفاق أولا على عقد اجتماعي يجسد القواسم المشتركة، ومن دون ذلك فكل ما يجري طحن ماء دون جدوى". وهوَ الذي يعتَبر المرحلة الراهنة التي يَمُر بها الوضع الفلسطيني مرحلة  إنتقالية، أي بينَ التَفاوض والمُقاومة، كَيفَ يُمكن أن نعتبر أنَّ هُناكَ تَشابُك وإمكانية للإنتقال بالمفهوم السياسي الثَوري بينَ مسارين مُتناقضين في الحالة الفلسطينية، فقيادة التفاوض نُعارِض، لا بَل وتُقاوم المُقاومة.

 ورغم ما نعتقدهُ من دور لهذه المراكز في ذَر الرماد في العيون إلاّ أنَّها لَم تستطع تجاوز الحالة على الأرض، فَفي آخر استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية ومعهد ترومان لأبحاث السلام في الجامعة العبرية  من 10 – 12 كانون الأول/ ديسمبر من العام المُنصرم (2015)، قال المركز إن "الفجوة بين المسارين زاد اتساعها وإن المؤيدين لانتفاضة مسلحة زادوا بعشر نقاط بالمقارنة مع سبعة وخمسين في المائة في استطلاع السادس من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وأن آخر مرة سجل فيها مثل هذا التأييد للانتفاضة المسلحة كانت في أيلول/ سبتمبر عام 2004، وإن ثلثي المستطلعة آراؤهم فقدوا ثقتهم بِحل الدولتين".

وقَد تَمَّ عَنوَنَة الإستطلاع المُشتَرَك بهذا القَول: "هبوط في نسبة تأييد حَل الدَولَتين بينَ الفلسطينيين والإسرائيليين مُقارَنة بالوضع قَبل سنة حيثُ تَبلُغ الأن 51% فَقَط في كل طَرف، وَيَستَمر كُل طَرف بالنَظر للطَرف الآخَر على أنَّهُ يُشكل تَهديدًا وجوديًا لَهُ".

(وقَد يكون إبراز هذه المُعطيات بهذا الشكل عَن عَمد ومع سبق الإصرار بهدف الحث على العودة لِمسار التفاوض ونبذ "العُنف").

ولِلتَدليل على ما وراء هذه الإستطلاعات نورد هذا النَص من بيانات المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمَسحية والمُنجَز بتاريخ (27-31 تَموز/يوليو منَ العام 2000)، وهذا برأيي جزء بسيط وخطير من مُحاولة صناعة أو إعادة إنتاج الوَعي عبرَ مثل هذه الأبحاث:

  ..."فرص المصالحة والسلام الدائم

لو تم التوصل لاتفاق سلام وقامت دولة فلسطينية معترف بها من قبل إسرائيل، فإن 72% من الإسرائيليين و 75% من الفلسطينيين سيؤيدون بشكل واسع جهود المصالحة بين إسرائيل ودولة فلسطين. لكن الجمهورين يعتقدان أن ذلك قد يأخذ سنوات وربما أجيال، إن حدث أصلا. توقع الإسرائيليون بشكل صحيح أن عملية المصالحة ستكون أصعب على الفلسطينيين، الذين هم فعلا أكثر تشككا في فرص نجاحها. يعتقد معظم الإسرائيليين (58%) مقابل ثلث الفلسطينيين بأن السلام الدائم ممكن. كذلك، فإن ثلثي الفلسطينيين يعتقدون بأن أغلبية الإسرائيليين يعتقدون بأن السلام الدائم غير ممكن، فيما تعتقد نسبة 55% من الإسرائيليين نفسن الشيء بالنسبة للفلسطينيين.

في إطار حالة من السلام بين إسرائيل ودولة فلسطين، فإن الفلسطينيين والإسرائيليين يختلفون في موقفهم تجاه خطوات المصالحة وتطبيع العلاقات المختلفة. بينما يؤيد الفلسطينيون بشكل خاص وجود حدود مفتوحة وقيام تعاون وشراكة اقتصادية، فإن الإسرائيليين ينظرون بقبول أكثر من الفلسطينيين لإمكانية حدوث تغييرات ثقافية في المناهج والحوار العام وفي العلاقات الاجتماعية. فمثلا :

  1. نسبة 75% من الإسرائيليين والفلسطينيين تؤيد قيام مشاريع ومؤسسات اقتصادية مشتركة.
  2. 56% من ا لإسرائيليين و 38% من الفلسطينيين يؤيدون اتخاذ خطوات قانونية لمنع التحريض ضد الآخر.
  3. 47% من الإسرائيليين و 10% من الفلسطينيين يؤيدون تبني برامج تعليمية تدعو للتخلي عن تطلعاتهم نحو أجزاء من "الوطن" تعتبر جزءا من دولة الطرف الآخر.
  4. 41% من الإسرائيليين و 31% من الفلسطينيين يؤيدون قيام مؤسسات سياسية مشتركة تقود نحو الكونفدرالية.
  5. على المستوى الشخصي وفي ظروف السلام، 69% من الإسرائليين مستعدون لدعوة زميل فلسطيني لزيارة في بيتهم و62% مستعدون لزيارة زميل فلسطيني في بيته. 41% من الفلسطينيين مستعدون لدعوة أو زيارة زميل إسرائيلي"....  

 

ألإنتفاضة الثالثة: لِماذا الأن؟؟

لَيسَ لَدينا وَهم بأنَّ الإنتفاضة الحالية قَد تقوم بدور حَرب التحرير الشعبية أو أنَّها قَد تُقدِم على تَحرير فلسطين من نهرها لبَحرها أو حتى على إنتزاعِ سيادة كاملة على حدود الرابع من حُزيران 1967، فالمعركة مع الإحتلال هي معركة وجودية طويلَة الأمَد وهي في حالَةُ إشتباكٍ مَفتوح وَمُستَدام إلى أن يَتمَّ إنجاز المَشروع الوطني بثَوابتهِ المَركزية وفي مُقدِّمتها حق العَودة والحرّية والتحرير، وإن كانَت الدفة تميل عَسكرِيًا للإحتلال وما يتلقاهُ من دعم عالمي على الصعيد اللوجستي والإعلامي والسياسي ولكن يبقى للشعب الفلسطيني شَرف إصطفاف أحرار العالَم مع قضيتهِ وبقاءهِ مُترَبّعًا على عرش رمزيةالمُقاومة، مُقاومة الظلم والإستعباد وحامِلًا لشُعلةِ الحُرّية رغمَ محاولات شطب هذه الحالة أو تشويهها لَيسَ فقَط من قِبَلِ مُعسَكر الأعداء وماكِنتَهُم الإعلامية وإنَّما ساهَمَ ويُساهِم بذلك نهج السُلطة في رام الله ومُتحَدّثيها ومُمارساتِ مندوبيها حَولَ العالَم، من سُفراء بائعي وتُجار تأشيرات السَفَر وقضية الأسير المُحَرَّر في بلغاريا عُمر زايِد النايِف وتَعاطي السَفير المُسمى فلسطيني هناك مع هذه القضية وضغطه على عُمر النايف بتسليم نفسه للسُلطات البُلغارية ليتم تسليمَهُ للإحتلال الصَهيوني، كيفَ لنا أن نثق برسالة التحرير و"حاملي" هذه الرسالة زورًا وبهتانا هم مُمثلوا فلسطين حَولَ العالَم، نحنُ نُدرِك أنَّ رسالة فلسطين يحملها الشُرفاء والقابضين على الجَمر ولكنَّنا نخشى التشويه الحاصِل بعدَ إختلاط الأمر عندَ البَعض عالَميًا.

أتَت هذه الإنتفاضة الحالية في ظل هيمنة المَشهد العربي الغارق بالحرب المذهبية والإنقلابات العسكرية وحرب العصابات التكفيرية والإجرامية تحتَ شعار "دَمقرَطة العرب"، وفي ظلِ حالةِ الإنقسام الفلسطيني الفَلسطيني المُستَمر منذُ أن فَرَضت حماس سيطرتها على قطاع غزة بقوة السِلاح ولم يتَوقف الأمر عندَ مواجهة أجهزَة "دحلان-دايتون" بل تعدتها لفرض سُلطة بقوة السِلاح ومُمارَسةِ دَورًا لا يَقلُ خطورة مِمّا فعلتهُ أجهزة السُلطة في غزة أو في الضفة الغربية المُحتَلَّتين.

وعلى مَدار أكثَر من قرنٍ من الزَمان إنتفَضَ الشعب الفلسطيني ضدَّ الإستيطان الصَهيوني ولِكُلِّ إنتفاضة سيرتها وسيرورتها وصَيرورتها ولكنَّها جَميعًا تَخفقُ بذاتِ القَلب، قَلب شَعبٍ تَواق لِلحُرّية والإستقلال، وكانَت إرهاصات الإنتفاضة الحالية قَد بَدأت في إضراب الأسرى الإداريين عَن الطَعام في حُزيران 2014 ومن ثُمَّ حَرقِ الطفل الشَهيد محمد أبو خضير حَيًا في الثاني من تَموز / يوليو من العام 2014  وكانَت الهَبَّة الفلسطينية على طول وعرض فلسطين التاريخية وَفاقَ عَدَد المُعتَقلين في المُحتل 1948 الألف مُعتَقَل/ة عَدا عَن العَشرات من الجَرحى ومئات المُعتَقلين/ات في مَدينَة القُدس والمواجهات الإنتفاضية العنيفة التي دارت هُناك خاصّة في بلدة شُعفاط ومعظم أحياء المَدينة، وفي وادي عارة وأم الفحم في المُثلث وفي حيفا والشاغور وعرابة البطوف وسخنين في الجَليل وفي مدينة الناصرة عاصمة العَرب في الداخل الفلسطيني المُحتل منذُ العام 1948، ولَم تَتَوقّف العَمليات الفردية في القُدس وفي معظم أرجاء الوَطن وهذه وإن كانَت فَردية العَمل فهي جماعية في مضمونها وَتعبيراتِها السياسية والأخلاقية، هي جزء من حِراك شعبي فلسطيني مُقاوم مُختَلف بالشَكل والمَكان ولكن مُوَحَّد في مشروع الحَياة، ومُقاومة ألإحتلال.

 لَم يأتي مُهنَّد الحَلَبي في الفاتِح من أكتوبر 2015 لِيصنَع مَجدًا فرديًا، فهو  أعادَ بجُهدهِ الفَردي الصِراع إلى سياقهِ التاريخي الصَحيح بعدَ أكثَر من عام من تراكُمات الفعل الإنتفاضي الكَمي في فلسطين التاريخية كَرد فعل طبيعي وشرعي على مشروع الإحتلال وإنعكاساتهِ اليَومية الحياتية على الناس والسياسية الشاملة على مُجمل المَشروع الوطني الفلسطيني، وإن كانَ ما يتم من إعتداءات على المَسجد الأقصى المُبارك مُحرِكًا للشارع ولكنَّ الأمرَ تعدى ذلك، فهل يكتفي الناس بالتفاوض الحاصِل بينَ قيادة تفريطية وتنسيق "أمني مُقدَّس" بحسبِ ما ذهَبَ إليهِ رئيس السُلطة ورئيس حركة فتح ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية محمود عَباس أبو مازن؟! فجاءَ الرَد الفَردي تعبيرًا عن إجماع شعبي ورأي عام جَماعي برفض الخنوع الرَسمي الحاصِل وتعبيرًا عن رَغبة في إستمرار المَشروع المُقاوم.

وَهُنا لا بُدَّ لَنا من الإشارة إلى تحذيرات مراكز الأبحاث الفلسطينية الإسرائيلية المُشتركة من حالة الغَليان في الشارع الفلسطيني ورفعها للتقارير في دهاليز الثقافة أو السياسة لتجنيب العملية "السلمية" المواجهة مع الشارع الغاضِب.

 

الداخِل الفلسطيني:

 بينَ مِطرَقة الإحتلال وسِندان التَخوين

كانَت النكبة في العام 1948 هي الفاصِل الكبير والإنكسار الرهيب في حياة الشَعب الفلَسطيني، ومنذُ تلكَ اللحظة لَم يتَوقَّف الفلسطينيون عن المُقاومة، وأقصِد هُنا المُقاومة المُسلَّحة ضدَّ الإحتلال وذلكَ قبلَ أن تَستَكمِل "إسرائيل" إحتلالها لفلسطين التاريخية في الخامِس من حزيران/يونيو 1967، قَد يكون اللإجئ هو أساس تلكَ المُقاومة ولكن لا ننسَى بأنَّ هؤلاء هُم أبناء المدن والقرى الفلسطينية المُهدّمة والمُهجَّرة في العام 1948 وهُم شكَّلوا قادة العَمل الفِدائي ضدَّ الإحتلال الصَهيوني قبلَ العام 1967، أي قبلَ أن تُصبح حدودَ فلسطين هي الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية بالنسبة لأصحاب أوسلو وأصحاب شعار الدَولتين لِشعبين، وفي هذا الفعل المُقاوم شاركَ أبناء الداخل منهُم من كانَ يُقيم في الداخل وسُجنَ أو أستشهدَ على أرض فلسطين مُقاوِمًا قبلَ ولادةِ مُنظمة التحرير الفلسطينية في العام 1964، وقبلَ سيطرة فصائل العَمل المُسلح عليها في العام 1967، ومنهُم خالد أبو عيشة إبن قرية المَكر قضاء عكا على الساحل الفلسطيني والذي قضى شهيدًا بعدَ معركة ضارية مع قوات الإحتلال على الحدود الفلسطينية اللبنانية في 2/11/1964، وقبلهُ الشهيد علي الخَربوش الذي دَوَّخَ الإحتلال في نقلهِ للسلاح للمقاومين في الداخل الفلسطيني وأستُشهدَ عندَ جبل الجَرمَق بعدَ معركة قوية مع جيش الإحتلال حيثُ سقطَ منهُم قتلى وجرحى كُثُر وذلك بتاريخ 4/11/1964، وغيرهم العديد من الشُهداء والأسرى والمُقاومين الذينَ أبعدوا خارج حدود الوَطن ومنهم أحد مؤسسي حركة الأرض الفلسطينية والتي حُظرَت من قبل السُلطات الصَهيونية ونَفت أربعة من قيادييها البارزين لِمناطق مُختلفة من البلاد وفي أيار 1968 نَفت حبيب قهوجي إبن قرية فسوطة الجليلية وزوجتهِ إلى خارج حدود فلسطين بعدَ إعتقالهِ إداريًا لمدة عام، وإعتقال المرحومين منصور كردوش وصالح برانسي لسنوات.

تعرضَ الفلسطينيين في المناطق المُحتلة عام 1948 للحُكم العَسكري، وكانَ الخَوف مُسيطرًا على الحالة السياسية والإجتماعية عمومًا، وكانَ هُناكَ إنقطاع شبه تام عن باقي أجزاء الشَعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية وشرقي القُدس وَلَم تَكُن الحالة تسمَح بمقاومة عامة وشاملة ولكن الصَوت المُقاوِم لَم يَخمَد يَومًا رغمَ كل مُحاولات إخمادهِ بقوة القَمع والقتل والبطش الصَهيوني وكذا بفعلِ التحريض من قبلِ الحزب الشيوعي الإسرائيلي في حينهِ ضدَّ العَمليات العسكرية ورجال المُقاومَة، وهذا لا يلغي بأنَّ هذا الحِزب قد حمل قسطًا غيرَ يسير في عملية الدفاع عن وجود الفلسطينيين في الجليل والمُثلث والنقَب في إطار برنامجهِ الجَديد (بعدَ تحولهِ وإندماجهِ من جَديد مع عُصبة التحرّر الوطني) المُتعايش مع الإحتلال كَأمر واقع جديد وإعترافهِ بدولةِ "إسرائيل" وَشرعِيّتها وحق تقرير المَصير للمُهاجرين اليَهود في فلسطين.

 في ظلّ كل هذا تعَرَّض الفلسطينيين إلى حَملة من التخوين من الشعوب العَربية بسببِ الجَهل لِواقع هذا الجزء من الشَعب الفَلسطيني، والأنكى من ذلك بأنَّ هذه الحَملة أطلقها بعض من أبناء الشَعب الفلسطيني في الشَتات أو في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة المُحتَلّين، وبعدَ عام 1967 وعَودة العَلاقات بين أبناء الشَعب الواحِد خَفتَت حِدَّة التخوين والتشويه هذه بحقِّ أبناء الداخل الفلسطيني، وكانَ يَوم الأرض الخالد مَحطة فارقة وفاصلة في تاريخ الفلسطينيين في الجليل والمُثلث والنَقب وتأثيرًا على مُجمل الشَعب الفلسطيني، ففي ليلة الثلاثين من آذار منَ العام 1976 أعلن منع التجوال في القرى والمُدن العربية بعدَ إعلان الإضراب العام من قبلِ لجنة الدفاع عن الأراضي ولجنة الرؤساء للسُلطات المحلية والدور البارز للراحل توفيق زياد رئيس بلدية الناصرة في حينهِ وهو قيادي في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وكانَ الغَضب الشعبي عارِمًا وكانَت ليلة مَفصلية في حياة هذا الجزء من الشَعب الفلسطيني المُتجَذّر في وطنهِ، حيثُ كَسرَ طَوق الخَوف وتَمرَّدَ على أمر منع التجوال وإرتقى في المُواجهات مع جيش الإحتلال وأجهزتهِ الأمنية المُختلفة ستة شُهداء وهُم: خير ياسين من قرية عرابة البطوف في الجليل ورجا أبو ريا وخديجه شَواهنة وخضر خلايلة من مدينة سَخنين في الجليل ومحسن طه من كفركنا قضاء الناصرة والشهيد رأفت زهيري إبن مُخيم نور شَمس في طولكرم والذي أستشهدَ في مدينة الطيبة في المُثلث.

                       بَلغَ السَيلُ الزُبى:   

لَم يَعُد الشَباب الفلسطيني مَحصورًا في أفكارهِ وتَطلعاتهِ بِمواقف كانَت شبه سائدة لِسنوات طويلة بفعلِ عَوامِل عديدة، مِنها مثلًا القُبول بالأمر الواقع، الإعتراف بحق تقرير المَصير لليهود في فلسطين، الإحتفال "بعيد الإستقلال" لدولة الإحتلال، شعارات المُساواة لَم تَعُد هي السائِدة وعلى مُختَلف مُسمَّياتِها، فَإحياء ذكرى النكبة أصبحَ تقليدًا سَنويًا وشعبيًا، المُشاركة بالمظاهرات الإحتجاجية أصبحت أكبَر وأقوى روح الصدام تعَزَّزت لدى الجيل الجَديد، وحتى المُشاركة في فعاليات الإنتفاضة إختلفت ما بينَ الإنتفاضة الأولى وحتى الحالية(الثالثة)، فالمُشاركة في إنتفاضة الحجر عام 1987 كانَت أكثَر تَضامُنية ودعم معنوي ومادي من خلال لجان الإغاثة وهذا أمر مُهم ولا يمكن التَقليل من أهميتهِ، ومع وجود عدد ممن شاركَ بأفعال إنتفاضية مُختلفة من أبناء الداخل ودفع ثمنًا لذلك سنوات في الأسر في سجون الإحتلال الصَهيوني، وكذا لا نَنسى المُظاهرات الجبارة التي إنطَلقَت في مُدن الداخل في حيفا والناصرة وسخنين وغيرها مع التأكيد أنَّ محاولات إستغلال هذه المُظاهرات إنتخابيًا كنيستيًا لَم يتَوَقَّف حتى اللحظة الراهنة، ولكن المُشاركة في الإنتفاضة الثانية في العام 2000 أخذَت بُعدًا أكثَر شعبيًا وأوسَع وفي خضَمِّها قَدّمَت الجماهير العربية الفلسطينية في الداخل ثلاثة عشرَ شهيدًا من مُختلف القرى والمُدن وإستمرَ الحراك الشعبي الفلسطيني المُنتفض في مناطق الداخل لِمُدة لا تقل عن الأسبوعين، وهذه مُدة ليسَت بالبسيطة نظرًا لِواقع الداخل وتشابكهِ مع مؤسسات الدولة على مُختلف الصُعد وخاصّة الإقتصادية والمَعيشية، وفي هذه الإنتفاضة تجلى بشكل جَلي جَوهر رؤية المؤسسة الصَهيونية "للمواطنين" العَرب، فتعاملها معهُم لم يبتَعد أبدًا عن تعاملها مع أي جزء من الشَعب الفلسطيني، ومع أنَّ المُظاهرات في الداخل الفلسطيني إحتجاجًا على إقتحام أرئيل شارون للمسجد الأقصى وغضبًا على مشهَد صُراخ والد الشَهيد محمد الدُرة كانَت مُظاهرات سِلمية غَير مُسلحة البتّة وإحتجاج طَبيعي وإن أخذَ طابعًا غاضِبًا ولكن المؤسسة الصَهيونية (السياسية والأمنية) لَم تنظُر للأمَر على أنَّ هُناكَ مُواطنين يحتَجون بغضَب على أمرٍ ما، بل إلى عَدو وخَطَر داهِم مُستقبلًا وجبَ ردعهُ الآن قبلَ أن يتفشى ويُصبح ظاهرة سائِدة في المُجتَمع العربي الفلسطيني المُنتَشر بطول وعَرض "دَولتِهم".

كَشَفت إنتفاضة القُدس والأقصى هشاشة المُراهنة على "أسرلَة" الشباب العرب الفلسطينيين وسقوط نظريات الدَمج والإندماج وتجلى هذا السقوط في الإنتفاضة الحالية وما سبقها على مَدارِ أكثَر من عامين من حراك شعبي فلسطيني في الداخل المُحتل عام 1948 من مواجهات الشباب ضد مُخَطَّط برافر ومظاهرات دعم الأسرى الإداريين ومواجهات الإحتجاج على عُدوان غزة وإنتفاضة الغَضب على حرق الطفل محمد أبو خضير حيًا وصولًا إلى الإنتفاضة الحالية منذُ بداية أكتوبر 2015 والتي فجَّرها الشَهيد مُهنَّد الحَلبي، فكانت المُشاركة رغمًا عن أنف من رفضَ مظاهر "العنف" في المُظاهرات الإحتجاجية وتوالت الإحتجاجات والمواجهات وإغلاق الشوارع الرئيسية في عديد من المناطق الرئيسية والتي تعتبر شريان حياة بالنسبة للمُستوطنين في دولة الإحتلال، وتصاعَدت المواجهات في وادي عارة ومدينة أم الفحم والناصرة وحبفا وسائِر الجليل والمُثلث والنَقب إلى أن وصَلَ الأمر بمكتب رئيس السلطة الفلسطينية وعبرَ مُستشاريه للإتصال بقيادات الأحزاب العربية في الداخل الفلسطيني عَشية مُظاهَرة سخنين الجَبارة والطلب منهم بتهدئة الشارع في الداخل لأنَّ إنعكاسَهُ "خَطير" على مناطق السُلطة الفلسطينية وبحسبِ تعابيرَهُم "كل ما تكهرب عندكم بتولّع عنا"، بمعنى أنَّ إنعكاس المواجهات في الداخل تُأثِر "سَلبًا" على مساعي التهدئة ومحاولات العَودة لطاولة المفاوضات، وعلى ما يبدوا بأنَّ مظاهرة سخنين والتي تمَّ الدعوة لها من قبل لجنة المُتابعة العُليا قَد أدَت رسالتها بالتهدئة ولضروف موضوعية وذاتية وليسَ فقَط لأنَّ الأحزاب أرادت ذلك.

إنتفاضة تَثور فيها صبايا الوَطن وشبابهِ على الظُلمِ وتُقدّم أرواحها رخيصة على مَذبح الحُرّية وقيادة لا تُحرّك ساكنًا غيرَ إدانةِ العَمليات الفدائِية والتهديد بوقف المفاوضات، ملعونٌ هذا السِلاح الذي تُهدِّد بهِ قيادة شَعبها يُقتل ويُذبَح ويُقاوم عاريًا بصدورٍ وسواعد وإرادة لا تلين، هذا عَدا عَن الخُطب العَصماء من قادة فصائل العَمل الوطني والإسلامي ورغمَ مرورِ خمسة أشهُر على إندلاع شرارة الإنتفاضة لَم يستَطيعوا أن يتفقوا على برنامج حَد أدنى وشعار ناظِم وقيادة وطنية موَحَّدة تقود وتُقَرِّر وتُسَيِّر الحالة الإنتفاضية الحاصلة، فتُصبحُ أوراق "الثَورة" برُمَّتها في مَهَبِّ الريح.

ليسَ لدَيَّ أدنى شَك بأنَّ حالَة النُهوض القَومي والعَودة للذات في الداخل الفلسطيني كَجزء من شَعب وأمة لَم يتَوقَّف تصاعُديًا منذُ النكبة وحتى اللحظة، تصاعدَت الأفكار وتَصارَعَت غابَت أحزاب وظهَرت أخرى في قلبِ المُجتمع، برزَت نجوم وسَطَعت، أفلت نجومٌ أخرى وهَربَت ويبقى الوَطن هو ذات الوَطن والشَعب واحِدًا ولَن تنجَح خطابات المواطنة تحتَ الإحتلال من تَشويهِ معنى الوطن أو من تغيير مفاهيم الإنتماء، هو جيلٌ لا يهدَأ ولا يستَكين، جيلٌ لا يقبل أن يُجتَزءَ منهُ إنتماءَهُ، وسيبقى هذا الإشتباك مَفتوح رغمًا عَن أي تسويغات نضالية، فالنضال الشَعبي والجماهيري السياسي لأبناء الداخل الفلسطيني يجب أن يصُب، وهو حتمًا كذلك، في طاحونة النضال الفلسطيني العام من أجل العَودة والحرّية والتَحرير.    

 

معًا على الدَرب

محمد كناعنة أبو أسعَد

عرابة البطوف الجَليل / فلسطين 48

(هذه المادة هي مقدمة الكتاب الصادِر حَديثًا عن دار إبن رُشد – القاهرة للرفيق أبو أسعَد كناعنة بعنوان في وصف الهامِش قراءة من الداخل الفلسطيني)...