ما أجمع الفلسطينيون قط على شخص كما أجمعوا على جورج حبش، الذي سموه بالحكيم، و الذي ولد في مدينة اللد، عام ، 1926 و درس الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت
بعد النكبة، هُجر جورج حبش كبقية الفلسطينيين عن وطنه على يد العصابات النازية الصهيونية و بريطانيا و النظام العربي، و كان ناشطاً وطنياً و قومياً ، و كاد يترك الجامعة بفعل الظروف العامة ، لكن ضغط عائلته و تحديداً والدته أدى إلى استمراره حتى تخرج طبيباً.
حاول الحكيم مع مجموعة من الشباب العربي تفسير أسباب و مفاعيل النكبة في فلسطين فنظم جورج حبش سلسلة من الندوات في بيروت، تحدث فيها كبار المتحدثين، كانت أول محاولة علنية لتأسيس حالة ثقافية سياسية خارج فلسطين، و أنتجت ندواته أثراً طيبا في صفوف النخبة الثقافية
كانت مشاعر جورج حبش وقناعاته، تتبلور باتجاه أن القوة هي الطريق الوحيد لاسترداد الحق، ومن هنا كان تحركه مع مجموعة صغيرة من الشباب العرب و اللاجئين، المتواجدين في سوريا ولبنان والمشرق العربي لتشكيل "كتائب الفداء العربي"، التي قامت ببعض العمليات البسيطة ذات الطابع الحماسي العفوي ، لكن مخابرات الصهيونية و الأنظمة العربية كشفت "كتائب الفداء العربي" فقضت عليها بسهولة ،إلا أنها لم تقض على فكرة الثورة ، بل كان ذلك دافعا لتبلور فكرة حركة القوميين العرب و الانخراط أكثر بالجماهير، وهو ما قاد إلى التفكير بالنضال القومي لتحرير فلسطين ثم الكفاح المسلح فيما بعد..
تخصص حبش في طب الأطفال،و عين عام 1951معيداً في الجامعة الأميريكية في بيروت، لكن تنظيمه مع وديع حداد و مجموعة من رفاقهما لبعض التظاهرات أديا إلى الضغط عليه للاستقالة فغادر إلى عمان التي افتتح فيها عيادة كان يعالج فيها الأطفال مجاناً و لحقه الشهيد وديع حداد، وبدأا من عمان قيادة حركة القوميين العرب التي علا شأنها يوماً بعد يوم، وتم عقد المؤتمر التأسيسي الأول للحركة في الأردن عام 1956
كان الفضل للسوية الثقافية العالية التي يتمتع بها الفلسطينيون اليوم لهذا الجيل المؤسس و على رأسه الحكيم و عشرات المثقفين و المناضلين، و ذاق حبش ورفاقه مرار الملاحقات و الاعتقالات في غير عاصمة عربية إلى جانب الكيان الصهيوني الذي لاحق الثوار و المثقفين و الوطنيين في كل مكان...
تزوج الحكيم من الفتاة المقدسية هيلدا حبش، وأنجبا ابنتين، و السيدة هيلدا تعيش في الأردن حالياً
اندلعت شرارة المقاومة و الكفاح المسلح بعد إرهاصات و عوائق كبيرة، و برز فيها قائدان يجلهما الفلسطينيون هما ياسر عرفات و جورج حبش ، اللذين اختلفا حول العشرات من القضايا خلال مسيرتهما، لكنهما مثلا نموذجاً للوحدة الوطنية فكسبا احتراماً منقطع النظير من قبل الفلسطينيين جماهيراً و نخبة، و من العرب على حد سواء..
انطلقت عام 1969 الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين برئاسة الحكيم، و ذوت و تلاشت حركة القوميين العرب بعد خلافات و انشقاقات، و اشتد على إثرها الكفاح المسلح الذي أوصل القضية الفلسطينية إلى أروقة السياسة العالمية وحافظ على التماسك الشعبي و الرسمي الفلسطيني حتى اليوم، فتمت ملاحقة و اعتقال جورج حبش لمرات عدة..
ظل الحكيم ورفاقه في حالة نضال دائم لا يكل حتى اليوم، و توفي في عمان في 26/1 / 2008بعد سنوات من استقالته من رئاسة الجبهة الشعبية
لو سألتَ أي فلسطيني اليوم عن جورج حبش لانتفض بحس المحبة لهذا الطبيب المناضل و المفكر و القائد التاريخي الكبير حتى و لو كان من المختلفين معه أو مع نهجه، فلسان حال كل فلسطيني و كل عربي مناضل و كل حر في العالم يقول اليوم في ذكراه الطيبة: طوبى لجورج حبش، فكراً و ممارسة و نقاءً، لذكرى الحكيم الذي حصد محبة و احترام و إجماع الفلسطينيين
جورج حبش، يحق لنا أن نبكيك و نفتقدك في ذكراك .
